بتصرف كما صدرت من غير واحد فاسدة فإن العقد الواقع من الصبي إن كان صحيحا موجبا لنقل الملك فهو من التصرف الواضح وإلا فهو لغو محض.وجوابهإن مجرد الحجر لا يمنع من جواز التصرف بالاذن أو التوكيل كما في السفيه وفيما نحن فيه دعوانا المنع من التصرف حتى لو أذن له الولي أو وكله غيره.
وخامسها:إن صحة العقد يستلزم ترتب الآثار والأحكام واللوازم من الأمور الواجبة والمحرمة وهذه الأحكام لا تثبت للصبي لرفع القلم عنه ونفي اللوازم نفي للملزومات. ويشكل بأنه على القول بالصحة بأذن الولي أو اجازته أو الوكالة عن غيره يكون المكلف بترتيب الأحكام هو الولي أو الموكل ولا محذور، وعلى القول بصحتها من نفسه فتترتب على معاملاته الأحكام بعد بلوغه.
سادسها:الاخبار المستفيضة الدالة على أن أمر الصبي غير نافذ وضعف سندها منجبر بالشهرة العظيمة وبتظافر بعضها مع بعض يحصل الوثوق بمضمونها وهو كاف في حجيتها، ومنها ما هو المحكي عن الكافي ومستطرفات السرائر نقلا عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب من خبر حمزة بن حمران عن حمران عن الباقر (ع): أن الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم ودفع إليها مالها وجاز أمرها في الشراء والبيع وأقيمت عليها الحدود التامة وأخذ لها وبها والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع ولا يخرج
عن اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك، ومنها خبر أبي الحسين الخادم عن أبي عبد الله (ع) قال: سأل أبي وأنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال: حتى يبلغ أشده. قال: وما أشده؟ قال: إحتلامه. قال: قلت قد يكون الغلام إبن ثمان عشر سنة أو أقل أو أكثر ولم يحتلم؟ قال (ع): إذا بلغ جاز أمره إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا. ومنها ما في الحسن عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): إذا بلغ الغلام أشده ثلاثة عشر سنة ودخل في الأربع عشر سنة جاز له كل شيء في ماله إلا أن يكون ضعيفا أو سفيها.
ووجه الاستدلال إن جواز الأمر عبارة عن النفوذ والصحة. والشراء والبيع المذكورات في الرواية الأولى حقيقة في العقد والتمليك وقد علقا في هذه الأخبار على البلوغ ومقتضى ذلك هو عدم الجواز والنفوذ قبل البلوغ وهو المدعى. إن قلت إن الرواية مخصوصة بالبيع والشراء والمدعى أعم؟ قلنا الروايتان اللتان بعدها يشملان مطلق المعاملات على أن الناظر في الرواية الأولى يقطع بأن ذكر البيع والشراء فيها على سبيل المثال مضافا إلى عدم القول بالفصل. إن قلت إنها مختصة باليتيم فهي أخص من المدعى؟ قلنا بالاولوية يثبت الحكم في غير اليتيم مضافا إلى أن الخبر الأخير عام بل الرواية الأولى أيضا ظاهرة في العموم حيث أخذ في موضوعها الجارية والغلام وأنما المذكور فيها الخروج عن اليتم في مقام تعداد
مايكون لهما من الأحكام بعد البلوغ نظير ما ذكر فيها من جواز البيع والشراء فإنه لا يلزم أن يكون المذكور في الرواية الجارية والغلام اللذان يبيعان ويشتريان بل المراد أنه لو باع وأشترى وهكذا المراد هاهنا أنه لو كان يتيما لخرج عن اليتم، هذا مع دعوى عدم القول بالفصل بين اليتيم وغيره مع ظهور كون العلة هو الصغر لا اليتم ولا المجموع المركب. إن قلت لازم ذلك هو عدم ثبوت الأحكام الوضعية له وعدم نفوذ أمره فيها مع أن المشهور ثبوتها في حق الصبي؟ قلنا الأحكام الوضعية التي تثبت في حق الصبي لابد من أن يكون ثبوتها لأخصية أدلتها كالوصية ونحوها مما سنذكره في المستثنيات وأما من جهة عدم شمول الأدلة لها كالإتلاف الذي هو سبب للضمان وكالجنابة التي هي سبب للنجاسة هو غير منوط بالاختيار فإن أدلة عدم نفوذ أمر الصبي لا تشملها لأنها ظاهرة في عدم نفوذ تصرفاته التي هي منوطة بالاختيار كالبيع ونحوه والإعطاء ونظيره لا الأشياء التي تثبت لها الآثار وأن صدرت من دون اختيار. والحاصل أن الظاهر من نفوذ الأمر وعدمه أنما هو في الأمور التي يرتب عليها الأثر إذا كانت ترجع لأمر الإنسان واختياره لا التي يرتب عليها الآثار وإن صدرت بغير الاختيار فإنها لا ترجع في ترتيب الآثار عليها لاختياره وهكذا لا تشمل ما كان في عدم نفوذ أمره خلاف المنه كالتملك بالحيازة فإن عدم نفوذ أمره فيها خلاف المنه فلاتشمله هذه الأدلة لأنها وارده في مقام المنه. إن قلت إن لفظ الأمر ينصرف عند
الاطلاق إلى أفعاله نظير البيع والشراء والإجارة والرهن ونحو ذلك ولا يشمل عرفا مجرد اجرائه للصيغة إيجابا أو قبولا أو إيقاعا بأذن الولي أو بنحو التوكيل عن غيره الذي يكون في ذلك بمنزلة الالة فالروايات المذكورة لا تدل على سلب عبارته. سلمنا عدم الانصراف وشمول الأمر لذلك ولكن ندعي كما صدر ذلك من المرحوم الهمداني وتبعه على ذلك بعض أساتذة العصر تقيد الأمر في المقام بالأمور المستقلة بقرينة مناسبة الحكم للموضوع وهي إسناد الجواز إليه إذ الجواز مرادف للمضي فإن قوله (ع) لا يجوز أمره معناه لا يكون أمره ممضى، والمتبادر من هذه العبارة عند إطلاقها هو عدم الإمضاء لأموره الصادرة منه على نحو الاستقلال لا أموره الصادرة منه بإعانة غيره ويكون فيها بمنزلة الاله كإيصال الهدية إلى غيره من قبل شخص أو إيقاع عقد أو إيجاب أو قبول بنحو يكون الصبي بمنزلة الالة في ذلك. ولا ريب من أن جواز تلك الأمور بواسطة أذن الولي والتوكيل له من قبل غيره لم يكن جوازا بنحو الاستقلال فلا تنفيه ولا تمنع منه تلك الأخبار، وبعبارة أخرى إن ظاهر قوله (ع) لا يجوز أمره في البيع والشراء ماإذا استقل بالبيع والشراء بتدبير شأن المعاملة ولو بتفويض وليه أمر المعاملة إليه كتفويض الوكيل أمر المعاملة إلى الوكيل وأما إذا لم يكن للصبي الا إجراء الصيغة فقط فليس له البيع ولم يكن بيده تدبير شأن المعاملة. ولذا لم يكن الصبي في هذه الصورة مأمورا بالوفاء وليس له الخيار وإنما المأمور بالوفاء
وله الخيار من كان له البيع وبيده تدبير المعاملة فالغرض من هذه الأخبار أنه ليس له تدبير المعاملة لا أن عبارته قاصرة عن عبارة غيره. سلمنا عدم اقتضاء مناسبة الحكم للموضوع ذلك ولكن نقول قد عرفت أن معنى الجواز هو النفوذ والمضي فيكون مقابلا للوقوف ولا ريب من أن نفوذ عقد الصبي بواسطة الأذن أو التوكيل لم يكن نفوذا ولا مضيا لأمر الصبي نفسه ألا ترى أنه يصدق عدم المضي بالنسبة للعقد الصادر منه وإنما هو نفوذ ومضي لأمر الولي أو الوكيل فقط وهذا نظير قولنا إن عقد الفضولي غير ماض بل موقوف على الإجازة ونظير ما ورد في العبد إنه لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلا بأذن سيده فتكون الأدلة المذكورة غير مانعة من صحة عقده وإيقاعه نيابة عن غيره أو بألأذن من وكيله وإذا لم تمنع من ذلك فتكون أدلة الوكالة والأذن وعموم مثل [وأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ] تشمل عبارة الصبي في المعاملات إذا كان مأذونا من وليه فيها أو وكيلا عن غيره في إجرائها ولا يكون مسلوب العبارة. ويرشد إلى ذلك هو وقوع الاستثناء في جملة منها بقوله (ع): (إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا) فإن السفيه ليس مسلوب العبارة فيعلم من ذلك أن المراد من عدم نفوذ أمره إنما هو عدم استقلاله في التصرف قلنا لانسلم إنصراف الأمر إلى خصوص ما ذكره الخصم كيف وقد صرح الكثير بأن الأمر مرادف للشيء فهو يشمل سائر الصادرات منه وينفي سائر الآثار الشرعية المرتبة عليها فأن الجواز المنسوب نفيه للأمر إن كان المراد منه النفوذ
والصحة فهو أعم من الجواز مع أذن الولي أو التوكيل وعدمهما وأعم من جواز المعاملة أو جواز إنشائها أو جواز سائر أطوارها وشئونها كالقبض لو كان معتبرا فيها وذلك لشمول لفظ الأمر للجميع لا سيما وهو داخل عليه النفي فيكون ظاهرا في نفي صحة إنشائه للمعاملات وإيقاعه لها مطلقا سواء كانت مستقلة أو مع أذن الولي وليس فيه انصراف لخصوص الأمور الاستقلالية خصوصا مع كون الغالب في الأطفال رضاء الأولياء، وإن كان المراد منه جواز أمر الولي له فهو أدل على المدعى لأن مفهومه أن الولي لا يجوز له أن يرخص الصبي في المعاملة وليس إلا لعدم أهليته فأذن عدم جواز أمره ينافي تأثير عقده مع أذن الولي. وأما عدم ثبوت وجوب الوفاء والخيار له بإنشائه المعاملة ليس من أجل أنه لم يصدر منه أمر بل من أجل أنه لم يصدر منه معاملة وإلا فهو قد صدر منه أمر وهو إجراؤه لصيغة المعاملة أو للقبض المعتبر فيها فتكون الرواية شاملة لذلك ودالة على عدم جوازه وصحته، وأما التمثيل بقولهم: (بيع الفضولي غير ماض بل موقوف على الإجازة) فهو لاوجه له ألا ترى أنهم لو قالوا: (بيع الفضولي غير ماض) أو ورد من المعصوم ذلك هل يشك أحد في شموله لبيع الفضولي من دون إجازة ومع الإجازة لذلك يكون الاستثناء (بالإجازة) استثناء متصل لامنقطع وأما الاستشهاد بالاستثناء بقوله (ع): (إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا) فهو استثناء من جواز أمره إذا بلغ، ولا ريب من أنه عند البلوغ لا يجوز له
كل شيء إذا كان سفيها أو ضعيفا وهو لابد منه حتى لو صرح الإمام (ع) بأن الصبي مسلوب العبارة لأنه شرط لجواز أمر البالغ ولا ربط له بالصبي. و الحاصل إن الاستثناء في الحقيقة من البالغ لا من الصبي وفي الحكم بالجواز لا في الحكم بعدم الجواز. على أن أحكام المستثنى لا تلحق المستثنى منه. إن قلت لو كان المراد بعدم جواز أمر الصبيان ما ذكر لزم عدم حصول التملك للصبيان إذا أعطوا الهبة والصدقة والنذر والكفارة والزكاة والخمس ونحوها بل لابد من أن يعطى بيد الولي مع أن السيرة على خلاف ذلك؟ قلنا من أفتى بذلك فقد اعتمد على ظهور بعض الأخبار التي سيجيء إنشاء الله الكلام فيها في التكلم في الاستدلال بالروايات الدالة على أن عمد الصبي وخطأه واحد فتكون تلك الأخبار مخصصه للأخبار الدالة على عدم نفوذ أمر الصبي مع أن ورودها يكون في مقام الامتنان وليس في الامتنان عدم نفوذ أمره في مثل تلك الأمور.
سابعها:الاخبار الدالة على رفع القلم عن الصبي كالحديث المشهور بين الفريقين المتلقى بالقبول بينهم وهو قوله (ص): (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وغن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) ووجه الاستدلال بذلك على عدم صحة معاملات الصبي مطلقا وأنه مسلوب العبارة في عقوده وإيقاعاته أن الظاهر من قوله (ع): (رفع القلم) مما هو المتعارف بين الناس
والدائر على ألسنتهم في إطلاق العنان وعدم تقييده بشيء كما هو حال المجانين فلايعتنى بأفعاله وأقواله والتزاماته فهذه الكلمة كناية عن أن عمله كالعدم فيكون قلم الأحكام الشرعية تكليفية كانت أو وضعية مرفوعاً عنه فلا ينفذ فعله ولا يمضي ما صدر عنه ولا يرتب الأثر على عبارته وكلامه، لأن ذلك بمنزلة العدم ولا وجه لتقييد القلم بقلم خصوص الأحكام التكليفية لأطلاق لفظ القلم. وعليه فلا يصح جعله آلة للمعاملة كما أنه لو ثبت حكم شرعي يكون من قبيل المخصص لهذا الحديث. وأورد عليه الشيخ الأنصاري (رضى الله عنهم) بثلاثة إيرادات:
الإيراد الأول: إن الظاهر منه قلم المواخذة لا قلم جعل الأحكام ولذا بنينا على شرعية عبادات الصبي وكأنه مراده (رضى الله عنهم) أن الحديث المذكور ظاهر في رفع الأحكام الإلزامية في الوجوب والتحريم وفي المعاملات الثابت هو الأحكام الوضعية من صحة المعاملة وفسادها وذلك لأن لفظ القلم عبارة عما يكتب به وما يكتب به في عالم الشرع تارة يكون الأحكام الشرعية وهو المشار إليه بقوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيامَ] وقوله تعالى: [وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَينِ] ويسمى بقلم التشريع وهو القلم الأول، وتارة يكتب به الحسنات والسيئات من فعل الواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات وأن هذا العمل حسنة واطاعة