بضعفها فمع هذه القوادح كيف تصلح لأثبات هذا الحكم المخالف لأصول المذهب فطرحها متعين. وأخرى بأنه يمكن حملها وحمل ما ورد في معناها في جواز وقفه وصدقته ووصيته على ابن العشر الذي كان في محل يمكن فيه البلوغ بهذا المقدار من السنين بالإنبات أو الاحتلام وقد عرفت ما فيه.
السابع من المستثنيات (ومنها العارية):
فقد نص جماعة من الأصحاب كصاحب الإرشاد والتحرير واللمعة على ما حكي عنهم بأنه لو أذن الولي للصبي صح أن يعير مع مراعاة المصلحة. وقال بعضهم بعدم جواز إعارة الصبي مطلقا تمسكا بأن الأذن لا يجعل مسلوب العبارة غير مسلوب كما هو مفروغ منه في غير المقام، وكون العارية من العقود الجائزة لا يقتضي ذلك وإلا لجازت مضاربته ووكالته بأذن الولي.
ودعوى كون الأذن من المالك بمنزلة الإيجاب منه لأن المدار في العارية على رضى المالك وهو الولي هنا يدفعها عدم الفرق بين المميز وغيره بل وبينه وبين المجنون بل وبين هذا العقد وغيره من العقود الجائزة بل وبينه وبين المعاطاة في البيع وغيره ضرورة رجوع ذلك إلى كون الصبي حينئذ آلة، والإيجاب والإنشاء من قبل الولي الذي حصل منه الأذن للصبي.
نعم يجوز التصرف في العين المستعارة المزبورة مع طيب نفس الولي فإن طيب نفس الولي يصحح التصرف في العين في هذا المقام وأشباهه وهذا مما يفيد فائدة العارية ولا يقتضي حصول عقد العارية في الخارج. والحاصل إن العارية إن احتاجت إلى إنشاء وعبارة لم تصح من الصبي لما عرفت من أنه مسلوب العبارة وأما إذا قلنا إنها يكفي فيها رضا المعير فإعارة الصبي إن أوحت العلم أو الاطمئنان برضاء المعير صحت الاستعارة وإلا فلا.
الثامن من المستثنيات (الوديعة):
فإنهم بعد أن صرحّوا بعدم صحة وديعة الطفل واعتبار الكمال في طرفي عقدها صرحّوا بأنه لو علم الأذن اكتفى في الوديعة حينئذ بفعل المرسل لها في أيديهما بناءاً على الاكتفاء بمثل ذلك فيها لعدم اعتبار مقارنة القبول للإيجاب فيكون حال الصبي في المقام حال الحيوان الحامل لها.
التاسع من المستثنيات (الوقف):
فإن المحكي عن المقنعة جوازه إذا وقع موقع المعروف ولعله الظاهر من المراسم هو جواز الوقف إذا كان في وجوه البر. ويلوح من الإرشاد والكفاية الميل إلى الجواز فقد حكي عنهما أنهما قالا أنه مروي ولعل حجة من ذهب إلى الجواز هو الأخبار المتضمنة جواز صدقة الصبي التي تقدم منا نقلها نظرا إلى أن الصدقة تشمل الوقف. ولا يخفى عليك ما فيها فإنها لاتقوى على تخصيص ما تقدم من الأدلة على عدم جواز معاملة الصبي لعدم ظهور لفظ الصدقة في الوقف ولم نعثر على رواية يعتمد عليها
اشتملت على لفظ الوقف وقد حكي عن غاية المراد أنه قال لم أقف على رواية بلفظ الوقف.
العاشر من المستثنيات (توكيل الصبي عن غيره في عقد أو إيقاع):
ولو كان التوكيل على نحو التفويض سواء أكان الموكل وليا أم غيره وحينئذ فيوقع الصبي العقد أو الإيقاع ولو كان على نحو الاستقلال ومن دون إذن الولي فضلا عما إذا وقعه بإذنه أو كان وكيلا في إجراء الصيغة فقط وهو الذي ذكره بعض الأساتذة في تقريراته مستدلا عليه بشمول العمومات والاطلاقات وعدم ما يدل على التخصيص والتقييد فمقتضى الأصل هو جواز تصرفات الصبي في مال غيره وكالة عنه والمنع عن ذلك لا بد من أن يكون بدليل والدليل إما أن يكون عدم القول بالفصل بين التصرف في مال نفسه وبين التصرف في مال غيره وعهدته على مدعيه وإما أن تكون الآية الشريفة وهي قوله تعالى: [فَإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ] وهي مختصة بتصرف اليتامى في أموالهم أنفسهم لا في أموال غيرهم وكالة عنهم. وأما الاخبار فلا أدلة فيها على المنع لأن العقد كان عقد للموكل حقيقة فلا مانع من شمول أدلة البيع ونحوه له ولا تدل على سلب عبارته وأما ما دل على عدم نفوذ تصرف الصبي وأمره فهو لا يدل إلا على عدم نفوذ تصرف الصبي في ماله لا في مال غيره بأذنه وتحقيق الحق أن الكلام هنا في مقامات ثلاثة.
(الأول): في توكيل الصبي لغيره فيما كان له التصرف فيه وهذا لا يصح لما دل على عدم نفوذ أمره ورفع القلم عنه وعمده خطأ.
(الثاني): توكيل غير الصبي للصبي وهذا يقع الكلام فيه في مقامينالأولفي صحة توكيل الصبي واعطائه الوكالة وهذا لا إشكال في صحته لأنه ليس بعمل للصبي حتى يستدل على عدم صحته بعدم نفوذ أمره ونحوه وإنما هو عمل لغيره كتأديب الصبي وتعزيره فلا بد من النظر في أدلة الوكالة فإن كانت تشمل توكيل الصبي صح وإلا فلا والظاهر هي شمولها للقاعدة المقررة من أن الأصل فيما لاغرض للشارع المباشرة فيه كالعقود والإيقاعات صحة الوكالة فيها وهذه القاعدة مستفادة من إطلاق الأدلة القاضية بمشروعية الوكالة من الإجماعات والنصوص واستقراء مواضع النصوص والفتاوى ونحوها فإذن يجوز توكيل الصبي.
الثاني: إن توكيله من قبل غيره لابد من أن يكون فيما يصح منه كأن يوكله في الحيازة أو يوكله في الأذن لغيره بدخول الدار وأما الأمور التي لاتصح منه كالبيع والإجارة ونحو ذلك فلا يصح توكيله فيها من غيره لعدم صحة وقوعها منه. ودعوى أن الأدلة إنما دلت على عدم صحتها منه إذا كانت في ماله لا في مال غيره مدفوعة بأن ما دل على رفع القلم عنه وعدم جواز أمره وأن عمده خطأ لايختص بمال نفسه بل يعم ما كان في ماله أو مال غيره لا سيما ونحن قد أثبتنا سلب عبارته فيها سواء كانت في ماله أو مال غيره. إن قلت إنه يمكن الاستناد لجواز وكالته بما رواه الكليني مسنداً عن أبي إبراهيم بن أبي يحيى عن أبي عبد الله (ع) قال تزوج رسول الله (ص) أم
سلمه وزوجها إياه عمر بن أبي سلمه وهو صبي لم يبلغ الحلم، ولا ريب من أنه إذا جاز وكالته في النكاح فتجوز في غيره بالطريق الأولى ولعدم القول بالفصل. قلنا مضافا لضعف سند الرواية أنه من المحتمل أن المراد بتزويجه هو السعي فيه لا إيقاعه وكالة.
الحادي عشر من المستثنيات (الأسباب الشرعية التي رتب الشارع عليها الأثر):
وإن صدرت من غير اختيار كإتلاف المال فإنه لو صدر من الصبي يوجب ضمانة للمال ولكن أداءه إما أن يكون من وليه وإذا لم يؤده وليه وجب عليه أداءه عند بلوغه. وأما أنه يوجب ضمانه لقاعدةمن أتلف مال غيره فهو له ضامنفإنها تشمل الصبي. وأما وجوب الأداء عليه فحيث إنه حكم إلزامي فهو مرفوع عنه إلى أن يبلغ بحديث رفع القلم فإذا بلغ صدق عليه أنه قد أتلف مال غيره فيجب عليه أداءه فهو نظير الأحداث الناقضة للطهارة فإنها توجب كونه متصفا بالحدث ولكن لاتوجب عليه الطهارة إلا بعد بلوغه لأنه بعد البلوغ يصدق عليه أنه محدث وهكذا إذا لاقى بدنه النجاسة فإنه يتنجس ولكن لايجب عليه التطهير منها إلا بعد بلوغه. إن قلت إن حديث رفع القلم كما رفع عنه الحكم التكليفي الإلزامي حال كونه صبيا كذلك يرفع عنه الحكم الوضعي وهو كونه ضامنا أو متنجسا أو محدثا؟ قلنا ظاهر الحديث هو عدم تقييده من طرف الشارع بشيء وكونه ضامنا أو محدثا إذا لم يستتبع إيجابا لشيء لا
يوجب تقييد الصبي بشيء وإنما حال بلوغه يقيد بوجوب الأداء ووجوب رفع الحدث لصدق موضوعهما عليه وهو كونه ضامنا ومحدثا نعم لو كان كونه ضامنا أو محدثا موجبا لتقييده حال صباه لزم ارتفاعه بحديث الرفع وللمرحوم المدقق الشيخ محمد حسين الأصفهاني في إخراج الإتلاف عن حديث رفع القلم وجهان آخرانأحدهما إن ظاهره بمناسبة الحكم للموضوع إن كل أثر يناط ترتبه على الفعل بالعقل أو بكماله أو بشعور الفاعل فهو مرفوع عن المجنون والصبي والنائم لفقد العقل في الأول وفقد كماله في الثاني وفقد الشعور في الثالث. فمثل الضمان المرتب على مجرد الإتلاف من دون أن يناط ذلك بالعقل أو الكمال أو الشعور خارج عن عموم حديث الرفع.
ثانيهاإن حديث رفع القلم كحديث رفع التسعة عن الأمة وارد في مقام الامتنان فإذا كان رفع القلم امتنانا على الصبي وخلاف الامتنان على الكبير فلا يعمه إذ لا ترجيح للصبي على الكبير. وبنظيره نقول بثبوت الضمان في الإتلاف خطأ ونسيانا وعدم رفعه بحديث رفع الخطأ والنسيان. إن قلت أن أدلة عمد الصبي وخطأه سواء يقتضي عدم ضمانه بالإتلاف لأنه ينزل عمده بمنزلة العدم؟ قلنا إن سببية الإتلاف الضمان ليست منوطة بعمل الفاعل واختياره ولذا لو أتلف البالغ المال لاعن عمد يكون ضامنا فتنزيل العمد منزلة
العدم لا يوجب عدم سببية الإتلاف للضمان لأن مع عدم العمد هو سبب أيضا وهكذا الجنابة وخروج الخبث يوجبان الحدث ولو مع عدم العمد وهكذا التنجس بملاقاة النجاسة فكانت تلك الأمور في الصبي موجبة لإتصاف الصبي بآثارها ولكن لا تستتبع حكما إلزاميا حال كونه صبيا لحديث الرفع. نعم بعد بلوغه إذا كانت موجودة غير زائلة تحقق ما تستتبعه من الآثار.
نعم المشهور كما عن الجواهر عدم ضمان الصبي بالإتلاف ما دفع إليه بالعقود المعاوضية مثل البيع وأمثاله من دون فرق بين المميز وغيره وذلك لإقدام المالك على الضرر ورفعه الاحترام عن ماله بدفعه للصبي مع كونه في معرض الضياع والتلف، ولتسليط المالك الصبي على الإتلاف من دون تعهد من القابض لسقوط تعهده في نظر الشارع فيكون السبب أقوى من المباشرة نعم لو أوقع البالغ العقد مع الصبي ولكن كان قبض الصبي للمال باختياره من دون تسليط فعلي من المالك ضمن الصبي لعدم إقدام المالك على الضرر فإن مجرد الإنشاء للمعاملة لا يوجب ذلك ومن هنا ظهر لك أن الصبيان لو تبايعا وسلط كل منهما صاحبه على العوض ضمنا إذا كان من دون إذن أوليائهم وأما إذا كان بأذن أوليائهم ضمن الأولياء للمال لقوة التسلط والسبب من المالك إذا كان العوضان من مال الأولياء وأما إذا كان من مال الصبيين فكذلك يضمن الأولياء لفساد تصرف الأولياء في أموال الصبيين بهذا النحو من التصرف.