اشتملت على لفظ الوقف وقد حكي عن غاية المراد أنه قال لم أقف على رواية بلفظ الوقف.
العاشر من المستثنيات (توكيل الصبي عن غيره في عقد أو إيقاع):
ولو كان التوكيل على نحو التفويض سواء أكان الموكل وليا أم غيره وحينئذ فيوقع الصبي العقد أو الإيقاع ولو كان على نحو الاستقلال ومن دون إذن الولي فضلا عما إذا وقعه بإذنه أو كان وكيلا في إجراء الصيغة فقط وهو الذي ذكره بعض الأساتذة في تقريراته مستدلا عليه بشمول العمومات والاطلاقات وعدم ما يدل على التخصيص والتقييد فمقتضى الأصل هو جواز تصرفات الصبي في مال غيره وكالة عنه والمنع عن ذلك لا بد من أن يكون بدليل والدليل إما أن يكون عدم القول بالفصل بين التصرف في مال نفسه وبين التصرف في مال غيره وعهدته على مدعيه وإما أن تكون الآية الشريفة وهي قوله تعالى: [فَإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ] وهي مختصة بتصرف اليتامى في أموالهم أنفسهم لا في أموال غيرهم وكالة عنهم. وأما الاخبار فلا أدلة فيها على المنع لأن العقد كان عقد للموكل حقيقة فلا مانع من شمول أدلة البيع ونحوه له ولا تدل على سلب عبارته وأما ما دل على عدم نفوذ تصرف الصبي وأمره فهو لا يدل إلا على عدم نفوذ تصرف الصبي في ماله لا في مال غيره بأذنه وتحقيق الحق أن الكلام هنا في مقامات ثلاثة.
(الأول): في توكيل الصبي لغيره فيما كان له التصرف فيه وهذا لا يصح لما دل على عدم نفوذ أمره ورفع القلم عنه وعمده خطأ.
(الثاني): توكيل غير الصبي للصبي وهذا يقع الكلام فيه في مقامينالأولفي صحة توكيل الصبي واعطائه الوكالة وهذا لا إشكال في صحته لأنه ليس بعمل للصبي حتى يستدل على عدم صحته بعدم نفوذ أمره ونحوه وإنما هو عمل لغيره كتأديب الصبي وتعزيره فلا بد من النظر في أدلة الوكالة فإن كانت تشمل توكيل الصبي صح وإلا فلا والظاهر هي شمولها للقاعدة المقررة من أن الأصل فيما لاغرض للشارع المباشرة فيه كالعقود والإيقاعات صحة الوكالة فيها وهذه القاعدة مستفادة من إطلاق الأدلة القاضية بمشروعية الوكالة من الإجماعات والنصوص واستقراء مواضع النصوص والفتاوى ونحوها فإذن يجوز توكيل الصبي.
الثاني: إن توكيله من قبل غيره لابد من أن يكون فيما يصح منه كأن يوكله في الحيازة أو يوكله في الأذن لغيره بدخول الدار وأما الأمور التي لاتصح منه كالبيع والإجارة ونحو ذلك فلا يصح توكيله فيها من غيره لعدم صحة وقوعها منه. ودعوى أن الأدلة إنما دلت على عدم صحتها منه إذا كانت في ماله لا في مال غيره مدفوعة بأن ما دل على رفع القلم عنه وعدم جواز أمره وأن عمده خطأ لايختص بمال نفسه بل يعم ما كان في ماله أو مال غيره لا سيما ونحن قد أثبتنا سلب عبارته فيها سواء كانت في ماله أو مال غيره. إن قلت إنه يمكن الاستناد لجواز وكالته بما رواه الكليني مسنداً عن أبي إبراهيم بن أبي يحيى عن أبي عبد الله (ع) قال تزوج رسول الله (ص) أم
سلمه وزوجها إياه عمر بن أبي سلمه وهو صبي لم يبلغ الحلم، ولا ريب من أنه إذا جاز وكالته في النكاح فتجوز في غيره بالطريق الأولى ولعدم القول بالفصل. قلنا مضافا لضعف سند الرواية أنه من المحتمل أن المراد بتزويجه هو السعي فيه لا إيقاعه وكالة.
الحادي عشر من المستثنيات (الأسباب الشرعية التي رتب الشارع عليها الأثر):
وإن صدرت من غير اختيار كإتلاف المال فإنه لو صدر من الصبي يوجب ضمانة للمال ولكن أداءه إما أن يكون من وليه وإذا لم يؤده وليه وجب عليه أداءه عند بلوغه. وأما أنه يوجب ضمانه لقاعدةمن أتلف مال غيره فهو له ضامنفإنها تشمل الصبي. وأما وجوب الأداء عليه فحيث إنه حكم إلزامي فهو مرفوع عنه إلى أن يبلغ بحديث رفع القلم فإذا بلغ صدق عليه أنه قد أتلف مال غيره فيجب عليه أداءه فهو نظير الأحداث الناقضة للطهارة فإنها توجب كونه متصفا بالحدث ولكن لاتوجب عليه الطهارة إلا بعد بلوغه لأنه بعد البلوغ يصدق عليه أنه محدث وهكذا إذا لاقى بدنه النجاسة فإنه يتنجس ولكن لايجب عليه التطهير منها إلا بعد بلوغه. إن قلت إن حديث رفع القلم كما رفع عنه الحكم التكليفي الإلزامي حال كونه صبيا كذلك يرفع عنه الحكم الوضعي وهو كونه ضامنا أو متنجسا أو محدثا؟ قلنا ظاهر الحديث هو عدم تقييده من طرف الشارع بشيء وكونه ضامنا أو محدثا إذا لم يستتبع إيجابا لشيء لا
يوجب تقييد الصبي بشيء وإنما حال بلوغه يقيد بوجوب الأداء ووجوب رفع الحدث لصدق موضوعهما عليه وهو كونه ضامنا ومحدثا نعم لو كان كونه ضامنا أو محدثا موجبا لتقييده حال صباه لزم ارتفاعه بحديث الرفع وللمرحوم المدقق الشيخ محمد حسين الأصفهاني في إخراج الإتلاف عن حديث رفع القلم وجهان آخرانأحدهما إن ظاهره بمناسبة الحكم للموضوع إن كل أثر يناط ترتبه على الفعل بالعقل أو بكماله أو بشعور الفاعل فهو مرفوع عن المجنون والصبي والنائم لفقد العقل في الأول وفقد كماله في الثاني وفقد الشعور في الثالث. فمثل الضمان المرتب على مجرد الإتلاف من دون أن يناط ذلك بالعقل أو الكمال أو الشعور خارج عن عموم حديث الرفع.
ثانيهاإن حديث رفع القلم كحديث رفع التسعة عن الأمة وارد في مقام الامتنان فإذا كان رفع القلم امتنانا على الصبي وخلاف الامتنان على الكبير فلا يعمه إذ لا ترجيح للصبي على الكبير. وبنظيره نقول بثبوت الضمان في الإتلاف خطأ ونسيانا وعدم رفعه بحديث رفع الخطأ والنسيان. إن قلت أن أدلة عمد الصبي وخطأه سواء يقتضي عدم ضمانه بالإتلاف لأنه ينزل عمده بمنزلة العدم؟ قلنا إن سببية الإتلاف الضمان ليست منوطة بعمل الفاعل واختياره ولذا لو أتلف البالغ المال لاعن عمد يكون ضامنا فتنزيل العمد منزلة
العدم لا يوجب عدم سببية الإتلاف للضمان لأن مع عدم العمد هو سبب أيضا وهكذا الجنابة وخروج الخبث يوجبان الحدث ولو مع عدم العمد وهكذا التنجس بملاقاة النجاسة فكانت تلك الأمور في الصبي موجبة لإتصاف الصبي بآثارها ولكن لا تستتبع حكما إلزاميا حال كونه صبيا لحديث الرفع. نعم بعد بلوغه إذا كانت موجودة غير زائلة تحقق ما تستتبعه من الآثار.
نعم المشهور كما عن الجواهر عدم ضمان الصبي بالإتلاف ما دفع إليه بالعقود المعاوضية مثل البيع وأمثاله من دون فرق بين المميز وغيره وذلك لإقدام المالك على الضرر ورفعه الاحترام عن ماله بدفعه للصبي مع كونه في معرض الضياع والتلف، ولتسليط المالك الصبي على الإتلاف من دون تعهد من القابض لسقوط تعهده في نظر الشارع فيكون السبب أقوى من المباشرة نعم لو أوقع البالغ العقد مع الصبي ولكن كان قبض الصبي للمال باختياره من دون تسليط فعلي من المالك ضمن الصبي لعدم إقدام المالك على الضرر فإن مجرد الإنشاء للمعاملة لا يوجب ذلك ومن هنا ظهر لك أن الصبيان لو تبايعا وسلط كل منهما صاحبه على العوض ضمنا إذا كان من دون إذن أوليائهم وأما إذا كان بأذن أوليائهم ضمن الأولياء للمال لقوة التسلط والسبب من المالك إذا كان العوضان من مال الأولياء وأما إذا كان من مال الصبيين فكذلك يضمن الأولياء لفساد تصرف الأولياء في أموال الصبيين بهذا النحو من التصرف.
إن قلت إن أدلة أن الصبي لا يجوز أمره تقتضي عدم ترتب الضمان على إتلافه؟ قلنا لا تقتضي ذلك فإنها ظاهرة في عدم نفوذ ما يصدر منه من التصرفات والكلمات والعبارات ولا تقتضي رفع المسببات عن أسبابها بالنسبة إليه فإنها تترتب عليها آثارها وإن لم تكن يصدق عليها أنها (أمر الإنسان) كما لو صدرت من دون منه باختياره اختياره وإرادته فإن ظاهر الأمر المنسوب للإنسان هو العمل الصادر وإرادته.
الثاني عشر من المستثنيات (تعزيرات الصبي على إرتكاب القبائح):
وقد شرّق بعضهم فيها وغرّب وتكلف في إخراجها من حديث رفع القلم ما تكلف. وبعضهم إدعى بأنها ترتفع عن الصبي بحديث رفع القلم والحال أن الأمر فيها واضح فإنها تكاليف متوجهة لأولياء الصبيان تتعلق بالصبيان نظير التكاليف التي تتوجه للبالغين المتعلقة بالحيوانات والجمادات فهي ليست بتكاليف للصبيان أصلا بل هي نظير تكاليف الأولياء بوجوب نفقة الأطفال ولو سلمنا فأدلتها أخص من أدلة رفع القلم نظير أدلة وصية الصبي.
إن قلت على هذا ينبغي أن يقام عليه الحد لأن إقامة الحد تكليف لأولياء الأمور لا لمن يقام عليه الحد؟ قلنا لما كان المستحق لإقامة الحد هو المتعمد للمعصية لا غيره فكانت أدلة عمد الصبي تخرجه عن متعلق الحد بخلاف التعزيرات فإنها تكون حتى مع الخطأ
فإلغاء العمد فيها لا يوجب رفع متعلقها إذ ليس العمد مأخوذاً في متعلقها. هذا مضافا إلى أن أدلة إقامة الحدود مخصصة بالنسبة إلى الصبي.
الثالث عشر من المستثنيات (حيازته والتقاطه وصيده وإحيائه الموات والسبق إلى المباحات ونحو ذلك):
مما لا يكون رفعه عن الصبي منه فإنها إذا تحققت من الصبي كانت موجبة لتملكه وذلك لأن أدلة رفع القلم وأدلة عمد الصبي خطأ وأن الصبي لا يجوز أمره إنما وردت في مقام المنة ولا منة في رفعها عنه. وقد ذهب المشهور إلى أنه لا يعتبر في حصول التملك بها القصد فهي يترتب عليها التملك ولو لم يقصد بها التملك فتكون نظير ترتب الحدث على الجنابة والضمان على الإتلاف وذلك لظهور أدلتها في ذلك فإن ظاهر أدلة الحيازة هو المالك شرعا على الحيازة نفسها وإن لم يقصد بالحيازة التملك وهكذا الإحياء ونحوه.
الرابع عشر من المستثنيات (قبض الصبي للهبة والزكاة والكفارة):
فإنه يوجب تملكه وذلك لما عرفت من أنه لا منة عليه في عدم ترتب الملك على قبضه والأدلة المانعة لتصرفه إنما هي واردة في مقام المنة. نعم الهبة المعوضة لا يكون قبضه موجبا للملكية ولا تصح منه لأنه فيها تصرف في ماله فمن المنة عليه عدم اعتبار قبضه فيها مثل البيع والشراء ويدل على ذلك جملة من الروايات منها حسنة أبي بصير