مستحق الدين الصبي وكيل عني في قبض حقي فهو غير صحيح لأنك قد عرفت أن الوكالة للصبي إنما تصح فيما يصح للصبي فعله وقبض المال لا يصح للصبي فيكون مثل توكيله في البيع والشراء. نعم لو أمره بتسليم حقه للصبي لا على أن الصبي وكيل عنه في القبض بل من قبيل أن الصبي موضع للتسليم كما لو قال له ضع حقي في الصندوق الفلاني أو في الثقب الفلاني صح الوضع وبرأت ذمة المديون لأنه بفعله هذا كان تسليما لحقه وإقباضا له.
الخامس عشر من المستثنيات (إذن الصبي بدخول الدار):
فإنه يصح معه الدخول إليها أو إتيانه بالهدية من البالغ فإنه يصح قبولها منه. والتحقيق أن يقال إن مثل هذه الأشياء إنما يصح بها ذلك لأنه لا يعتبر فيها إلا رضا من بيده الأمر فإذا حصل من إذن الصبي العلم برضاء صاحب الدار جاز الدخول إليها وإذا علم بإهداء الهدية له من صاحبها بإتيان الصبي لها صح أخذها وقبولها وإلا فلا والصبي في هذه الأشياء نظير الجمادات لوحصل العلم منها فإنه كاف في الصحة لأن المناط حصول العلم بالرضا أو الاطمئنان به.
السادس عشر من المستثنيات (وصيته لغيره ووصية غيره له):
أما الأول فقد نسب للمشهور القول بجواز وصية الصبي البالغ عشرا بماله وظاهر الغنية الإجماع عليه ويدل عليه النصوص المتظافرة
كصحيح أبي بصير الذي رواه المشايخ الثلاثة عن الصادق (ع) قال: (إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته وإن كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته) وقد رواه الشيخ في النهاية وبدل السبع بالثماني. وكموثق عبد الرحمن عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته) وكخبر منصور عن أبي عبد الله (ع) في وصية الغلام هل تجوز قال: (إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيته) وكخبر أبي بصير وأبي أيوب في الغلام ابن عشر سنين يوصي قال: (إذا أصاب بوضع الوصية جاز) وكالصحيح المحكي عن الكافي في باب وصية الغلام عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إن الغلام إذا حضره الموت فاوصى ولم يدرك جازت وصيته لذوي الأرحام ولم تجز للغرباء) وكالمحكي عن الكافي عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (إذا أتى على الغلام عشر سنين فأنه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق وأوصى على حد معروف وحق فهو جائز) وكالموثق عن الكافي في باب طلاق الصبيان عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهماالسلام) قال: (يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم) وغير ذلك في الأخبار التي لا راد لها سوى الحلي وإن تردد من تردد في العمل بها. ولكن لا يخفى عليك ما فيه فإنه لا وجه للإعراض عنها مع استشهاد العمل بها ونقل الاتفاق على مضمونها
والشك في شمول أدلة المنع والحجر على الصبي لمثل الوصية ومخالفتها لعمل المخالفين كأبي حنيفة واضرابه وموافقتها للاعتبار من حيث إنها نوع طاعة وعبادة بناءاً على شرعية عبادات الصبي مطلقا ولا يقدح اشتمال بعضها على غير الوصية كالعتق والصدقة. ثم لايخفى عليك أنه لا وجه لتقييد الوصية بذوي الأرحام وإن إستدل له بصحيح محمد بن مسلم المتقدم نقله عن الكافي ورواه في الفقيه ورواه الشيخ بطريق قوي وذيله صريح في ذلك لكنه لم يعمل به الأصحاب فهو شاذ متروك. وهكذا لا وجه للتفصيل في جواز الوصية من الصبي بين اليسير والخطير فيكتفي في الأول ببلوغ السبع وفي الثاني يكتفي ببلوغ عشر فإنه وأن دل عليه صحيح أبي بصير المتقدم إلا أن الأصحاب لم يعملوا بفقرته الأخيرة الدالة على الإكتفاء بالبلوغ سبعا فلم يكن ما يعضدها فيعمل بصدره الدال على جواز وصية الصبي إذا بلغ عشراً في أمر حق وليس بباطل لحصول الوثوق به دون الفقرة الأخيرة لعدم الوثوق بها لإعراض الأصحاب عنها، فالمتحصل من الأخبار هو صحة وصية من بلغ عشرا عاقلا مميزا موصيا وصية العقلاء الراشدين فإن الظاهر أن المراد من المعروف في الأخبار المذكورة هو ضد المنكر ومن الحق الوارد فيها هو ضد الباطل وعليه فتكون الأخبار المذكورة دالة على صحة الوصية الجارية مجرى وصية العقلاء البالغين مطلقاً.
وأما الثاني وهو وصية غيره له بأن يجعله وصيا عنه، فالحق أنه لا يصح جعله وصيا منفردا ولو مع اشتراط عدم التصرف حتى يبلغ لعدم قيام الدليل على ذلك بحيث يكون مخصصا لما دل على عدم جواز أمره ونحوه. ويحكى عن بعضهم صحة جعله وصيا ممنوعا عن التصرف إلى أن يبلغ لأن المانع من جعله وصيا هو عدم صحة تصرفه. وفيه إنا لانسلم أن المانع هو ذلك بل من المحتمل أن المانع هو عدم أهليته للولاية والاستيمان على المال لاعدم صحة تصرفه خاصة. نعم يجوز اشتراط الوصية بالبلوغ بأن تعلق الوصية عليه لكونها من الوصية للبالغ لا للصبي ويجوز جعله وصيا إذا إنضم إليه البالغ وذلك لصحيح علي بن يقطين عن أبي الحسن (ع) في رجل أوصى إلى إمرأة وأشرك في الوصية معها صبيا قال: (يجوز ذلك وتمضي المرأة الوصية ولا ينتظر بلوغ الصبي وإذا بلغ الصبي فليس له أن لايرضى إلا ما كان من تبديل أو تغير فان له أن يرده إلى ما أوصى به الميت) وصحيح الصفار أنه كتب إلى أبي محمد (ع) رجل أوصى إلى ولده وفيهم كبار وقد أدركوا وفيهم صغار يجوز للكبار أن ينفذوا وصيته ويقضوا دينه لمن صح على الميت بشهود عدول قبل أن يدركوا الأوصياء الصغار فوقع (ع) (نعم على الأكابر من الولدان يقضوا دين أبيهم ولا يحبسوه بذلك) ولولا النص لأشكل الحكم بالصحة فإن انضمام الناقص إلى الكامل لا يصيره كاملا.
ودعوى أنه لا معنى لجعل الصبي وصيا فعلا منضما للكبير وإنما يجعل وصيا مع الكبير بنحو التعليق بمعنى جعله وصيا بعد البلوغ لا أنه وصي فعلا فاسدة لأنه لو صح ذلك لاقتضى جواز الوصية إليه منفردا كذلك وهو خلاف ظاهر الأصحاب حيث نفى بعضهم الخلاف عن المنع من الوصية إليه منفردا وجوازها منضما فلا بد من أن يكون مرادهم الوصية الفعلية لا بنحو التعليق مع أن التشريك الفعلي هنا بين الكامل والصبي هو مفاد الصحيحين المذكورين فإن قوله (واشرك معها صبيا) كالصريح في المشاركة الفعلية لا صيرورته شريكا لها بعد البلوغ وكذا قوله (وأوصى إلى ولده) لظهور في اتحاد الوصية وتعلقها بالجميع على نمط واحد لا أنها منجزة للكبار ومعلقة في الصغار وإنكار هذا المعنى من النص والفتوى مكابرة ظاهرة ولادلالة فيما اشتمل عليه النص من استقلال الكامل بالتصرف في الوصية قبل بلوغ الصبي على إنفراد ذلك الكامل بالوصية قبل بلوغ الصبي بل غاية ما يقتضيه هو استقلاله بالتصرف من غير توقف على بلوغ الصبي ولا يدل على استقلاله بالوصية كما أن ظاهر الأخبار هو إستقلال البالغ بالتصرف من دون حاجة إلى أن يضم الحاكم إليه نائبا عن الصبي حيث يفهم منها التفويض إلى الكامل من الموصي بالتصريح أو بشاهد الحال فإن ضمه إلى الممنوع من التصرف ابتداءاً قرينة على إرادة استقلاله بالتصرف والاعتماد على نظره مستقلا مدة
عجز شريكه عن النظر والتصرف. وعليه فلا مجال لمداخلة الحاكم الشرعي في ذلك ولا لضم نائب إليه لاختصاص محله بالعجز المتجدد لأحد الشريكين، مع أن المشهور في صورة ما لو أوصى إلى أثنين كاملين فمات أحدهما هو استقلال الأخر وعدم اعتبار ضم الحاكم إليه غيره. ولذا قال فيالمسالكواعلم أن صحة الوصية إلى الصبي منضما على خلاف الأصل لأنه ليس من أهل الولاية ولكن جاز ذلك للنص فلا يلزم مثله في الوصية إليه مستقلًا وإن شرط في تصرفه البلوغ وكان ذلك في معنى المنضم وقوفا فيما خالف الأصل على مورده ولأنه يغتفر في حال التبعية مالا يغتفر استقلالا إنتهى. قال المرحوم الشيخ جواد ملا كتاب وهو جيد جدا ولا أثر لمناقشة بعض أفاضل المتأخرين فيه بعد ملاحظة ما عرفت. وحيث كان الحكم على خلاف الأصل فاللازم الاقتصار على الصبي المنضم إلى الكامل من غير تعدية ألى غيره ممن تمنع الوصية إليه لعجزه عن التصرف بمرض أوهرم أوسفه، لكن في محكي الدروس لو ضم إلى أحد هؤلاء كاملًا وشرط الاجتماع فالصحة قوية. قال المحقق ملاجواد: كتاب الصحة متجهة بناءاً على صحة الوصية إلى هؤلاء منفردين وينجبر نقصهم بنظر الحاكم كما نسبه في التذكرة إلى الظاهر من مذهب علمائنا فإن إنجبار نقصهم بنظر منصوب الميت أولى من إنجباره بنظر الحاكم ووليه، أما على مااحتمله في الدروس من بطلان الوصية إليهم من رأس،
فينبغي البطلان مطلقا ولو مع الانضمام لعدم الأهلية وعدم الدليل على الإلحاق بالصبي الذي قد يفرق بينه وبينهم بأن عدم تصرفه إنما هو للحجر المنقطع بالبلوغ المتوقع حصوله بخلاف غيره ولعل الأظهر ما في التذكرة من الصحة والإنجبار بنظر الحاكم كما لعله ظاهر الأصحاب حيث اقتصروا في شرائط الصحة على البلوغ والعقل ولم يذكروا اشتراط كفاءة الوصي، والأصل يقتضي عدم اشتراطها والعمومات شاملة للقادر على التصرف والعاجز عنه والأهلية بالنظر إليهم متحققة وإن عجزوا عن التصرف. والفرق بينهم وبين الصبي ظاهر لمسلوبية أقوال الصبي وأفعاله بخلافهم والقاعدة في تنصيبهم الاعتماد عليهم في النظر والفكر وإن لم يمكنهم التصرف مع احتمال تجدد القدرة فإن المريض قد يبرأ والسفيه قد يحلم بل السفيه قادر على الكثير من التصرفات التي لا حجر عليه فيها لانحصار الحجر عليه بالتصرف بالمال نفسه ولذا صحت وكالته في سائر العقود. وعليه فيكون الحجر عن إنفاذ تمام الوصية مجبورا بنظر الحاكم فيما عجز عنه كما في الوصية إلى الرشيد لو ظهر عجزه عن بعض الأمور دون بعض ولو ضم الموصى إليهم من به الكفاية فلا شبهة في الجواز والإشكال. ولو مات العاجز البالغ المنضم إليه في الوصية شخص آخر استقل الشخص الآخر إذا كان قادرا على تنفيذ الوصية ولم يحتج إلى مداخلة الحاكم الشرعي في التصرف والعمل بمقتضى
الوصية لتفويض الموصي التصرف إليه. وكذا لو مات الصبي قبل البلوغ أو بلغ فاسد العقل فإن الكامل يستقل بالتصرف إن قلنا بأن موت أحد الوصيين ولا يقتضي ضم الحاكم نائبا إلى الباقي منهما وعلى القول بالضم فالظاهر استقلال الكامل أيضا بالتصرف، لتفويض الميت التصرف إليه مستقلا من غير مشاركة لأحد إلا للصبي إذا بلغ عاقلا رشيدا يمكنه التصرف والفرض موته قبل البلوغ أو بلوغه غير ممكن التصرف والأصل بقاءه على حالته لعدم وجود ما يزيلها واحتمال كون الاستقلال موقتا بمدة البلوغ فيكون الموصي قد اعتبر الضم في وقت إمكان البلوغ عادة بعيدا جدا وإن استظهره في الرياض لظهور أن الزمان طولا وقصرا غير ملحوظ للموصي في تفويضه التصرف إلى الكامل بل أراد تصرفه من غير مشاركة أحد إلا الصبي في حالة إمكانه التصرف منه. ومنه يعرف أنه لو بلغ الصبي رشيدا فمات لم ينقطع ما كان من التفويض للكامل في التصرف استقلالا ولا يحتاج إلى ضم الحاكم في هذه الحالة وإن جزم بعض الأصحاب في هذه الصورة بالضم نظرا إلى انقطاع الأذن بالاستقلال ببلوغ الصبي رشيدا فينقطع الاستصحاب. وفيه إن الموجب للاستقلال ليس هو الاستصحاب بل عموم الأذن لسائر الأحوال إلا في حالة تمكن الصبي من التصرف فإذا فرض موته قبل البلوغ أو
بعده فالعموم على حاله فيتعين استقلال الكامل مطلقا لانتفاء المعارض.