إن التكاليف إنما تتعلق بموضوعاتها باعتبار وجودها الخارجي فالموجود منها حال التكليف يتعلق به التكليف والمعدوم منها إذا وجد وصار فردا لموضوعها تعلق به التكليف كما هو الشأن في سائر القضايا الكلية والقوانين العامة وإلا ففي حال عدم الموضوع أو عدم فرده لا معنى لبعثه نحو العمل.
الشرط السابع: الإسلام والإيمان
لقد ذهب بعض أصحابنا من المحدثين المتأخرين كالكاشاني (رضى الله عنهم) في كتاب الحجة من الوافي والأمين الأستربادي في الفوائد المدنية وصاحب الحدائق في مبحث غسل الجنابة على ما حكي عنهم إلى اشتراط التكاليف بالإسلام وبعضهم إلى اشتراطها بالإيمان ولكن المشهور عند أصحابنا بل الظاهر من عبارة الكثير منهم الإجماع على عدم اشتراط التكاليف بهما بل الظاهر من بعضهم أنه من ضروريات مذهب الإمامية فإنهم يعبرون عنه بلفظ عندنا وعند علمائنا ونحو ذلك كما في المسالك في مبحث وجوب الزكاة على الكافر وهو ظاهر المحكي عن العلامة (رضى الله عنهم) في كشف الحق حيث قال: ذهبت الإمامية وجماعة من الجمهور إلى أن الكفار مخاطبون بالشرائع أصولها وفروعها كما أنهم مخاطبون بالإيمان، وظاهر المحكي عن العلامة في مبحث غسل الجنابة من
المنتهى عدم المخالف في ذلك حيث نسب الخلاف فيه إلى بعض العامة، ويحكى من صاحب الذخيرة دعوى الإجماع عليه وذهب أبو حنيفة إلى أنهم مخاطبون بالإيمان ليس غير وأنهم غير مكلفين بشيء من الشرائع أصولها وفروعها واستدلوا على عدم شرطية الإسلام في التكليف وأن الكفار مكلفون بالفروع والأصول:
أولًا: بورود الخطابات على سبيل الإطلاق والعموم مثل قوله تعالى: [وَلله عَلى النّاسِ حِجَّ الْبَيْتِ]، وقوله تعالى: [يا أَيّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم] وقوله تعالى: [يَا أَيّها النّاسَ كُلُوا مِمّا في الأَرْضِ حَلالًا طَيّباً] وقوله تعالى: [لِلرجال نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ] وقوله تعالى: [وَمَن يعْمَلُ مِثْقالَ ذَرّةٍ خَيراً يَرَهُ] وقوله تعالى: [يا أَيّها النّاسُ اتّقوا] وقوله تعالى: [ما خَلَقْتُ الجِنّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدونِ] وقوله تعالى: [وَمَن يَفْعَلُ ذلِكَ يَلْقَ أثَامَاً] أشار إلى ما تقدم من الشرك وقتل النفس والزنا وقوله تعالى: [وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزآؤه جَهَنَّمُ] وقوله (ع): (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) إلى غير ذلك من العمومات والمطلقات الشاملة لكل بالغ عاقل والأصل عدم التخصيص ويسري الحكم منها إلى جميع الأحكام بالإجماع المركب القطعي وتنقيح المناط القطعي إن قلت أنه قد ورد بعض الأحكام بلفظ يخص المؤمنين ك- [أًيُّهَ المؤْمِنُونَ]؟ قلنا إن ذلك أيضا يكون حكما للكافر لعموم الاشتراك في التكليف الثابت بالإجماع والنصوص الدالة
على أن حكم الله في الأولين والآخرين سواء مثل قوله (ص): (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة) وكون خصوص الفرض محل الخلاف لا ينافي الإجماع على القاعدة.
وثانياً: إن الكفر غير صالح للمانعية عن التكليف ولا الإسلام صالح للشرطية للتكاليف لأن الإسلام أمر مقدور يجب على العبد تحصيله والكفر محرم فعله فيجب تركه فلو كان الإسلام شرطا للتكليف لما وجب تحصيله كما هو الشأن في سائر شرائط الوجوب كالاستطاعة لوجوب الحج وبلوغ النصاب لوجوب الزكاة.
وثالثاً: بأنه لو لم يكلف الكفار بالفروع لزم أن يكون الكافر العاصي بظلمه للمؤمنين وقتله لذراريهم وهدمه للكعبة مساوٍ للكافر الذي لم يصدر منه ذلك بل يلزم مساواة الكافر القاتل للنبي (ص) للكافر المعين للنبي في نشر الإسلام في العقاب ولا ريب في أن العقل قاضٍ ببطلانه وليس عدم المساواة إلا للعقاب على الفروع كالأصول وأجيب عنه:
أولًا: بأن عدم تساويهما لا يستلزم كونهما مكلفين بفروع شرع الإسلام بل لعل ذلك إنما هو لقبحه في شرع الكفر أيضاً. وردّ بأنا نتكلم في الكافر الذي لا شرع له كأبي جهل، سلمنا لكن الكفار ليس مكلفين بفروع دينهم بعد ظهور الإسلام وإلا لم يكن الإسلام ناسخا لجميع الشرائع السابقة ولم تكن نبوة الأنبياء السابقين منتهية
بنبوة نبينا (ص) ولو كان الكفار مكلفين بفروع دينهم لما كانوا يلزمون في دعا ويهم ومنازعاتهم إلا بمقتضى دينهم لا بقوانين الإسلام وعليه فلا دين غير الإسلام بالنسبة للكفار فلا بد من أن يكون التفاوت في العقاب من أجل مخالفة قوانين الإسلام ولازم ذلك هو تكليفهم بالفروع وإلا لما كانوا متفاوتين في العقاب.
ثانياً: بأن نزاع التكليف بالفروع إنما هو في الفروع الثابتة بالشرع ابتداءاً وأما ما يستقل به العقل كالظلم والقتل ونحو ذلك فلا بحث في كون الكافر مؤاخذا به ومعاقباً عليه لأن العقل يحكم بعمومها لكل مكلف وعدم اختصاصها بشخص دون أخر وما ذكره الخصم من الأمثلة إنما هو من الثاني دون الأول. أو يقال إن نسخ الإسلام للشرائع السابقة فيما استقل به العقل ممنوع بل هو باق على حكم الشرائع السابقة فيكون العقاب لقبحه في شرعهم كشرعنا. وفيه إنا لو فرضنا الأمر في الكافر الصادر منه مخالفة لما في شرع الإسلام من الفروع غير الثابتة بالعقل مع الكافر الذي لم يصدر منه ذلك فإن الضرورة حاكمة بعدم المساواة في العقاب وليس ذلك للتكليف بالفروع.
رابعاً:بأنه لا ريب في كونهم مكلفين بالإيمان والإسلام وليس الإيمان والإسلام مجرد العقائد الحقة بل هو عبارة عن العقائد والأعمال كما دلّ عليه جملة من الأخبار فإذا كان الكفار مكلفين
بالإسلام والإيمان فمقتضى تلك الأخبار أن يكونوا مكلفين بالأعمال التي هي الفروع. ومن تلك الأخبار ما في صحيح الكناني عن أبي جعفر (ع): قيل لأمير المؤمنين من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله كان مؤمنا قال: فأين فرائض الله. قال: وسمعته يقول كان يقول علي (ع) لو كان الأيمان كلاما لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام. الحديث ورواية شعبان السمط عن أبي عبد الله (ع) وفيها الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان فهذا الإسلام إلى غير ذلك من الأخبار التي تعرضنا لها في النور الساطع. ويمكن منعه بأن تلك الأخبار إنما يراد منها الإيمان الكامل لا أصل الإيمان فإنه عبارة عن العقيدة المحضة بدليل أن فاعل المحرمات وتارك الواجبات مع إعتقاده العقائد الحقة يسمى مؤمنا مسلما فما ورد في الخبر تعريفاً للإيمان الكامل كما في قوله تعالى: [إِنَّمَا الْمؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ].
خامساً: واستدل بأنه في الآيات الشريفة ما يقضي أيضا بأنهم مكلفون بالفروع كقوله تعالى حكاية عن الكفار: [لَمْ نَكٌمِنَ الْمصَلِّينَ وَلَمْ نَكٌ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ. وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِيّن] وقوله تعالى: [فَلَاصَدّقَ وَلَا صَلّى وَلكِن
كَذّبَ وَتَوَلَّى] وقوله تعالى: [وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزّكاةَ] وقوله تعالى: [فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنّهُمْ أَجْمعِين عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] فلو أنهم غير مكلفين بالفروع وكانوا كالمجانين والبهائم بالنسبة إليها لما صح مؤاخذتهم ومسألتهم عنها. وأجيب عن الآية الأولى بأن قولهم لم نك من المصلين لا يدل على كونهم مكلفين بالصلاة في كفرهم بل لعل المراد أنا لو آمنا وصرنا مكلفين بالصلاة وصلينا لنجونا ولكن لم نك من المصلين لعدم كوننا من المسلمين ولا يخفى عليك أن هذا خلاف الظاهر فإن الظاهر من الآية أن السبب هو عدم إتيانهم بالصلاة وهو إنما يكون سببا إذا كانوا مكلفين بها وأما على الاحتمال السابق فيكون السبب هو عدم الإسلام. وأجيب عن الآية الثانية بأنه لا يدل على التكليف بالصلاة في حال عدم التصديق بل مثل هذه العبارة يقال كثيرا في المرتب فإنه إذا قيل لزيد أضف خالداً وإذا أضفته فاعطه درهم فإن الإعطاء وجوبه مشروط بالضيافة بحيث لو لم يكن الضيافة لا يجب الإعطاء فإذا ترك زيد كليهما يقال لا أضاف ولا أعطى، ولا يلزم وجوب كل منهما مطلقا ولا أقل من احتمال ذلك والدليل إذا تطرقه الاحتمال بطل به الاستدلال. وأجيب عن الثالثة بما رواه القمي (رضى الله عنهم) في تفسيرها عن الصادق (ع) قال: إنما دعا الله تعالى العباد للإيمان فإذا أمنوا بالله ورسوله افترض لهم الفرض. ومن ثم قال
الصافي بعد حكايته لهذه الرواية إنها تدل على أن الكفار غير مكلفين بالأحكام الشرعية ما داموا باقين على كفرهم. والمحكي عن البحراني أنها جعلها صريحة في مدعاة من عدم تكليف الكفار بالفروع وفيه ما لا يخفى، فإنا لا نسلم صحة سندها.
سادساً: استدل بأن المقتضي للتكليف وهو البعث على الطاعات والزجر عن القبائح واشتماله على اللطف ثابت في حق الكافر كما هو ثابت في حق المسلم.
واحتج من زعم الشرطية بوجوه:
(الأول): إن التكاليف ممتنعة الحصول من الكافر حال كفره لأن الإسلام شرط في صحة العمل المكلف به فإن الصلاة ونحوها لا تصح من الكافر والمشروط من دون شرطه ممتنع وهكذا التكاليف ممتنعة الحصول من الكافر بعد الإسلام أيضا لقوله (ع): (الإسلام يجب ما قبله) ولدعوى الإجماع على سقوط القضاء لما فاته حال الكفر ولو كان واجبا لوجب القضاء كما يجب على المسلم فإذا كان كذلك فلا يمكن صدور العمل من الكافر على وجه يوافق الأمر أصلا بل أما الشرط منتف وأما الأمر منتف فلا معنى لقولنا إن الكافر مكلف بالفروع مع عدم جواز التكليف بما لا يطاق عندنا وعند أكثر العقلاء ولو لم يكن تكليف الكافر ممتنعا على تقدير الإسلام فهو لغو قطعا إذا طلب الفعل على تقدير يكون بذلك
التقدير يسقط الخطاب يكون محالا فتكليف الكفار على تقدير الإسلام ممتنع لأنه بالإسلام يسقط التكليف عنه لأن الإسلام يجب ما قبله. وجوابه فبالنقض بسائر الشرائط المقدورة المعتبرة في صحة العبادة من طهارة وستر واستقبال ونحوها، والتزام عدم التكليف قبل حصولها كما يحكى عن الآمدي وابن الحاجب وغيرهما. وبنوا النزاع في مسألة تكليف الكفار على النزاع في هذه المسألة فاسد. إذ لاريب في وجود التكليف قبل حصولها بإجماع المسلمين وضرورة الدين ولما صح عقاب العاصين على ترك العبادة ولجاز ترك الواجبات لأنها قبل حصول مقدماتها ليست بواجبة كما هو الفرض وإذا لم تجب مقدماتها التي هي شرائط صحتها لا شرعا ولا عقلا لعدم وجوب ذيها. وأما بالحل فهو أن يقال إن الكافر في حال كفره أيضا لا يمتنع من العبادة لأن حال الكفر معنى مغاير لقولنا بشرط الكفر وعدم إرادته الإسلام الذي هو إحدى المقدمات للعبادة يوجب امتناعها بالاختيار وهو غير مناف لمقدورية أصل العبادة بذاتها فالكافر في حال كفره قادر على إتيان المأمور به ولو بواسطة القدرة على المقدمة المقدورة وهو الإسلام والمقدور بالواسطة مقدور كيف ولو بنى المسألة على أن ما انتفى شرطه في الوجود الخارجي فالتكليف به ممتنع لم يكن للتكليف موقع بالمرة إذ ما من شيء يؤمر به إلا وأحد أجزاء علته التامة منتف في الخارج وإلا لكان موجودا