صحيحة زرارة المتقدمة في الوجه الثاني في الدلالة على مطلوب الخصم. الجواب الجواب مضافاً إلى ضعف سند هذه الرواية لمخالفتها لفتوى المشهور ولعدم ثبوت صحة سندها.
اشتراط الإسلام والإيمان في صحة العبادات:
حكي الإجماع على اشتراط الإسلام والإيمان في صحة العبادات فيما عدا الوقف والصدقة والعتق على القول باشتراط نية القربة في هذه الثلاثة وعلى القول بعدم اشتراط القربة فيها تكون من المعاملات الصرفة التي يجيء البحث فيها وعللوا عدم صحة عبادة الكافر بأن العبادة مشروطة بالنية ونية القربة لا تتحقق من الكافر. ولا يخفى عليك ما فيه لأن هذا إنما يتم في الكافر الجاحد للربوبية مطلقا وأما الكافر المقر بالله المنكر لصفة أو ضروري أو للنبوة فيمكن منه قصد القربة وإن لم يحصل له الثواب فلا يأتي فيه هذا التعليل، بل التحقيق إن احتمال مطلوبية المولى للعمل يكفي في نية القربة بإتيانه باحتمال مطلوبيته للمولى وإلا ما صح الاحتياط في العبادات ودعوى أن القربة المعتبرة في العبادات هي ما ترتب عليها المنافع الأخروية وهي متعذرة من الكفار المخلدين في النار مدفوعة بأن القربة المعتبرة في العبادات هي ما كانت كذلك في نظر الفاعل لا بحسب الواقع فإن اعتبار قصد القربة عقلي والعقل لا يقتضي أزيد من ذلك وعليه فلا وجه لما قيل من أن نية القربة لا تتحقق إلا باعتقاد
كون هذه العبادة مأمورا بها من الله جزما والكافر لا يعتقد بذلك فلا يعقل قصد القربة منه، ووجه الفساد أن نية القربة يكفي فيها احتمال مطلوبية المولى للعمل كما عرفت في الاحتياط والكافر غير المعتقد لعدم الربوبية يحتمل في العمل مطلوبية الرب له.
وقد يستدل على شرطية الإسلام والإيمان لصحة العبادات بطائفة من الآيات (الأولى) قوله تعالى: [إِنّما يَتَقَبّلُ الله مِنَ الْمتّقِينَ] والمتقي هو المسلم المؤمن وكل ما هو ليس بمقبول ليس بصحيح وما يتخيل أن القبول غير الصحة فهو من البطلان بمكان لأن الصحة عبارة عن موافقة الأمر وكيف تعقل الموافقة للأمر من دون ثواب فإن الثواب لازم عقلا لذلك لا يمكن تخلفه في الحكمة.
ولا يخفى ما فيه فإن القبول غير الصحة كما هو المحكي عن السيد المرتضى فأن القبول هو عبارة الأخذ للشيء وهو في الأمور المعنوية عبارة عن الرضا به والرضا بالعمل يستلزم إيجاب الثواب به وبهجة النفس به بخلاف صحة العمل فإنها تقتضي ترتب أثره عليه وهو في العبادات إمتثال الأمر وفي المعاملات حصول النقل والانتقال ومن المعلوم أن امتثال الأمر إنما يقتضي سقوطه واستحقاق الثواب لا أنه يوجب الثواب ولذا تجد الكثير من يفسر القبول بإيجاب الثواب وكيف يفسر القبول بما ذكره الخصم مع ما ورد في كثير من الأخبار لا يمكن أن يلتزم بهذا المعنى فيه فقد ورد: (إن شارب الخمر
لا تقبل صلاته أربعين يوماً) مع أنه لا يعيد صلاته وهكذا في المستغيب.
(الثانية) وقوله تعالى: [وَمَا مَنَعَهُم أَن تُقبَلَ مِنهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ] وغيرهما من الآيات وقد يستدل على ذلك أيضا بأن الآيات والأخبار الدالة على كون الكفار معذبين بالنار خالدين فيها ولو كانت عبادتهم صحيحة لزم وصول الأجر إليهم في الآخرة وهو منفي في حقهم بالآيات المذكورة. ولا يخفى عليك ما فيه فإن العبادة إنما يستحق بها الثواب ولا يلزم فيها الثواب، وقد يستدل على ذلك بأن الأخبار الكثيرة قد دلت على بطلان عبادات المخالف وهي أيضا تدل على بطلان عبادة الكافر بالطريق الأولى كما ورد من أنه لا طاعة إلا بولاية ولي الله ودلالته إليه وغير ذلك. ولا يخفى ما فيه أيضا فإن هذا التعبير طالما يستعمل في نفي الكمال فلعل المراد لاطاعة كاملة أو مقبولة فالعمدة هو دليل الإجماع ولعل مستند المجمعين إلى ما ذكر من الأدلة فلا يكون كاشفا عن رأي الإمام (ع) وربما يؤيد عدم الإجماع ما نسب إلى صاحب اللمعة الشهيد (رضى الله عنهم) من عدم اعتبار الإيمان في صحة العبادة وهكذا استظهر ذلك من شرحها للشهيد الثاني (رضى الله عنهم) لكن الظاهر من الشهيد الأول (رضى الله عنهم) في الألفية اشتراط صحة العبادة بالإيمان وصرح بالاشتراط أيضا الشهيد الثاني (رضى الله عنهم) في المقاصد العليه.
ويمكن أن يستدل لصحة أعمال الكافرين بقوله تعالى في سورة البقرة (آية: 62): [إِنَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوفٌ عَلَيهِمْ وَلا هُم يَحْزَنُونَ] فإنها ظاهرة في قبول العمل الصالح وترتب الثواب عليه من الكافرين إلا اللهم أن يقال إن المراد بالعمل الصالح هو الإسلام بقرينة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقد يستدل لذلك بما في الأخبار في حق المخالفين أن حسناتهم لنا وسيئاتنا لهم فإنه لو صحت أعمالهم لما كانت لهم حسنات! ويمكن أن يجاب أن المراد إن مارؤوه من الأعمال حسنا يجعل كأنه قد صدر منا فنستحق عليه الثواب لأنه لم يكن المانع من حسنه إلا عدم الصدور منا. وتظهر الثمرة في هذا النزاع فيما لو أتى المخالف والكافر بالعمل على طبق الواقع مخالفا لمعتقده ثم تبصر فعلى القول بالصحة لا يقضيه وعلى القول بعدم الصحة قضاء ذلك لأنه لم يأتِ بمعتقده حتى يجب الإسلام ولم يأتِ بالواقع حتى يسقط القضاء.
وأما الوقف والصدقة والعتق فقد قال صاحب العناوين (رضى الله عنهم) إن من اعتبر قصد القربة فيها منع من صحتها من الكافر وجماعة منهم قالوا بصحتها منهم الشهيد (رضى الله عنهم) في اللمعة فإن مع اشتراطه القربة في العتق قال والأقرب صحة العتق من الكافر، وخلافهم في هذه الثلاثة مع اتفاقهم على بطلان سائر العبادات منه
أما من جهة أن الدليل دلّ في هذه الأمور على اعتبار إرادة وجه الله وهي ممكنة من الكافر كما في الخبر أنه (لا عتق إلا ما أريد به وجه الله) وليس كذلك سائر العبادات وقد علل بذلك الشهيد الثاني،
وأما من جهة تركب هذه الثلاثة من جهة مالية وجهة عبادية ويرجح جانب المالية، وأما من جهة أن هذه كلها إخراج عن الملك وملك الكافر أضعف من ملك المسلم فهو أولى بالفك، وأما من جهة أن الكافر ليس بمالك في الحقيقة وإنما هو مالك صورة لبقاء النظم فإذا أخرجه ودفعه خرج عن ملكه وإن لم يترتب عليه الآثار من الثوابونحوه. والتحقيق إن هذه الثلاثة أيضا ليس صحيحة من جهة كونها عبادة ولذلك لا ثواب فيها نعم هي صحيحة من جهة كونها معاملة وفك ملك غاية ما هناك أنه يرد أن هاتين الجهتين مرتبطتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى ولذلك لو لم ينوِ المسلم القربة لم يصح عتقه أصلًا. ونجيب عن ذلك بأن الكافر أو المخالف يلزم بمعتقده فإن اعتقاده فيه الصحة وهذا المقدار يصير حجة عليه في الخروج عن الملك ويدخل في عموم ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم فتبصر. أما الغرامات والضمانات فلا يشترط فيها الإسلام ولا الإيمان لعموم ما دلّ على الضمان بأحد أسبابه وأصالة اشتراك المكلفين في الأحكام وهذا مما لا بحث فيه.
نعم مال الحربي فيء للمسلم بالنص والإجماع وأما العقود والإيقاعات فمقتضى عمومات الأدلة صحتها من الكافر والمخالف والمؤمن والأصل عدم الشرطية كما أن الأسباب الفعلية من حيازة واحياء موات ونحوهما كذلك وحرمة ذبيحة الكافر إنما دلّ عليها الدليل ولا مخصص لذلك إلا قاعدة نفي السبيل للكافر على المسلم فإن كل ما هو داخل تحت القاعدة فينفرد بالصحة من المسلم ولا يصح من الكافر.
قاعدة الإسلام يجب ما قبله:
المعروف أن الإسلام يجبّ ما قبله والظاهر أن مرادهم منه أن الإسلام يجعل الأفعال والتروك الصادرة منه في زمان كفره في معصية الله بمنزلة العدم واما الآثار الوضعية لما صدر منه حال كفره كالجنابة ونجاسة الثوب ببوله فهي باقية والمستند في هذه القاعدة الخبر المعروف المشهور المتلقى بالقبول المروي عند العامة والخاصة عن النبي (ص) وهو قوله: (الإسلام يجب ما قبله)، وروي في البحار في ذكر قضايا أمير المؤمنين (ع) أنه جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني طلقت امرأتي في الشرك تطليقة وفي الإسلام تطليقتين فما ترى فسكت عمر فقال له الرجل ما تقول قال كن كما أنت حتى يجيء علي بن أبي طالب (ع) فجاء علي (ع) فقال: قصَّ عليه قصتك فقص عليه القصة فقال علي (ع): هدم الإسلام ما كان قبله هي عندك على واحدة أي أنها تبقى عندك على تطليقة واحدة فإذا صدرت منك تطليقة واحد بعد هذا تبين منك، فيكون التطليقة الواقعة حال الكفر بمنزلة العدم والتطليقتان الواقعتان في الإسلام هما الصحيحتان. وفي مجمع البحرين في الحديث الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها من الكفر والمعاصي والذنوب وفي النهاية لابن الأثير ومنه الحديث أن الإسلام
يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلها من الكفر والمعاصي والذنوب. والظاهر أن ما في مجمع البحرين من الزيادة وهي: (من الكفر والمعاصي والذنوب) أنها ليست من الخبر كما هو ظاهر النهاية حيث أتى بأي التفسيرية على أن المعروف من هذا الخبر من دون الزيادة التي ذكرها صاحب المجمع. ثم لا يخفى عليك أن العلماء قد احتجوا بهذا الخبر في عدة مواضع من الفقه كما لا يخفى على المتتبع فضعف الخبر منجز بالعمل. ثم لا يخفى أن هذا الخبر قد نقل قيام الإجماع والسيرة على التمسك به في حقوق الله المختصة به مع اعتقاد الكفار بعدم اشتغال ذمتهم بها حال كفرهم فلا يجب عليهم قضاء العبادات البدنية ولا المالية كالصلاة والصوم والحج والكفارات.
وأما ما كان من الحقوق الإلهية المختصة بالله الثابتة عندهم كالتصدق على الفقير بالنذر فالظاهر أن الخبر أيضا يشملها وأما ما كان من الحقوق المشتركة بين الخالق والمخلوق كالزكاة والخمس فالظاهر من الأصحاب التمسك بالخبر المذكور في رفعها عن الكافر إذا أسلم كما قد صرح بذلك جمع من الأصحاب في باب الزكاة وقد يحكى عن العلامة الخلاف في ذلك. وأما ما كان من حقوق المخلوقين الصرفة المختصة بهم سواء كان الكفار يعتقدون بها أم لا كالغرامات والضمانات بأي نحو كان الضمان من ضمان اليد أو الإتلاف أو التعدي أو التفريط أو الغرر والتعهد بمال أو النفس أو