بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 330

للمكلف وهو الله تعالى لاستغنائه وعدم إحتياجه ولا في التكليف نفسه لأنها لو كانت قائمة بالتكليف فجعل التكليف مستمراً متعلقاً بهذا العمل دون العمل الأخر ترجيحاً بلا مرجح. فظهر أنها لا بد من وأن تتعلق بالمكلف به فتقتضي إتيانه. ودعوى أن الأوامر والنواهي إنما تتعلق بالطبائع الكلية لا بشرط شي‌ء دون المصاديق الجزئية وعلى هذا لا يقبح الخطاب بالكلي المعرى عن قيد الابتلاء وعدمه ويكون شمول المطلقات لصور غير الابتلاء على وجه سريان الكلي في الفرد وإتحاد كل منهما مع الآخر فاسدة! فإن الكلي بحكم العقل يكون مقيداً ومخصصاً بمحل الابتلاء فتكون الطبيعة المكلف بها هو الطبيعة المبتلى بها. ودعوى أن لازم ذلك كون الواقعة للمحرم حلال عند عدم الابتلاء بها وحرام عند الابتلاء بها إذ لا تخلو الواقعة عن حكم شرعي مدفوعة بأن الواقعة عند عدم الابتلاء بها لا حكم لها شرعي لعدم صحة الخطاب بها وما أشتهر من أن كل واقعة لا بد لها من حكم شرعي فالمراد هو الحكم الشرعي الشأني أو مرادهم عند الابتلاء بها. ودعوى أن البناء على هذا الشرط يلزم منه مخالفة أمور كثيرة ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع ففي مثل الصوم والحج والاعتكاف ونظائرها مما يعتبر فيه نية الإمساك عن أمور معينة أن تكون نية الامساك عن خصوص ما يبتلى به ففي الصوم ينوي الإمساك عن المأكولات المبتلى بها دون‌


صفحه 331

ما عداها وهكذا في المشروبات وفي هذا خروج عن قواعد الدين مدفوعة بأن الإمساك إذا كان هو الواجب نيته كان المقام من الواجبات وقد ذكرنا عدم إشتراط الابتلاء فيها وإن كان المحرم هو فعل تلك الأشياء فحكم العقل مخصص ومقيد لبي لها. ومن هنا يظهر لك الوجه في التمسك بالعام عند الشك في كون المورد محل ابتلاء أم لا لما تقرر في محله من التمسك بالعام عند الشك في المخصص اللبي.

الشرط التاسع: عدم الحرج‌

يشترط في الحكم الشرعي عدم الضيق والحرج ويدل عليه إجماع أصحابنا عليه وهو الظاهر من عبارة المختلف بل ظاهر بعضهم إجماع المسلمين على ذلك. لا يقال لا نسلم ذلك فأن جمعاً من أعيان الأصحاب كالسيد والشيخ وغيرهما اختاروا في الفقه مذاهب مستلزمة للحرج والعسر، لأنا نقول ليس ذلك مستلزماً لمنع أصل القاعدة لجواز أن يكون مذاهبهم مستندة إلى أدلة خاصة أوجبت عندهم تخصيص القاعدة ومن الظاهر أن هذا لا يقدح في صحة القاعدة وإلا لارتفع الوثوق بكثير من القواعد لتطرق التخصيص إليها في نظر الأصحاب وبطلان التالي في غاية الوضوح. نعم عن الشيخ الحر العاملي في كتاب الفصول المهمة ترك العمل‌


صفحه 332

بالقاعدة كلية وإنكارها رأساً ولا ريب في أن مخالفته لا تضر بالإجماع المتقدم على زمانه لحصوله قبل مخالفته، نعم ربما يقال إن هذا الإجماع غير كاشف قطعي عن رأي المعصوم إذ لعله كان مستنداً للأدلة النقلية على ذلك التي سيجي‌ء إن شاء الله نقلها ولكنه لا ريب في أنه مؤيد للأخبار ومؤكد لصحتها. ويدل عليه من الكتاب هو ما تمسك به في المعتبر والإيضاح والمدارك وكشف اللثام وغيرها من قوله تعالى: [وَمَاجَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ‌]، ومنها قوله تعالى: [لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا] ومنها قوله تعالى: [وَلا تَحْمِلْ علينا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهً عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لا طاقَةَ لَنا بِهِ‌]، ومنها قوله تعالى: [مَا يُريدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيكُمْ مِنْ حَرَجٍ‌]، ومنها قوله تعالى: [يُرِيدُالله بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]. ويدل عليه من السنة أخبار كثيرة بالغة حد التواتر المعنوي: منها ما تمسك به في المختلف والحدائق وغيرهما من النبوي المرسل بعثت بالحنفية السمحة السهلة، ومنها صحيح هشام عن أبي عبد الله (ع) قال: إن الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، ومنها صحيحته الأخرى عن الصادق (ع) قال ما كلف العباد إلا ما يطيقون وإنما كلفهم في اليوم والليلة خمس صلوات وكلفهم في كل مآتي درهم خمسة دراهم وكلفهم صيام شهر رمضان في السنة وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك إنما كلفهم دون‌


صفحه 333

ما يطيقون. إن قلت إن المستفاد من هذا الخبر انتفاء التكليف عند عدم الطاقة والقدرة وهو ليس محل كلام فالرواية من أدلة امتناع التكليف بالمحال؟ قلنا قد ذكر بعضهم أنه يصدق عدم الطاقة والقدرة حقيقة في صورة التعسر ولزوم الحرج. ولا يخفى عليك ما فيه فالحق عدم صحة الاستشهاد بمثل هذا الخبر، ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) وهي طويلة وفيها" ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج" والحرج هو الضيق، ومنها موثق أبي بصير عن الصادق (ع) قال قلت إنا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فيكون فيه العذرة ويبول فيه في الصبي وتبول فيه الدابة وتروث؟ فقال إن عرض في قلبك منه شي‌ء فافعل هكذا يعني أخرج الماء بيدك ثم توضأ فإن الدين ليس بمضيق فإن الله عز وجل يقول: ما جعل عليكم في الدين من حرج ومنها موثق محمد بن علي الحلبي عن الصادق (ع):" ما أمر الله العباد إلا بوسعهم وكل شي‌ء أمر الناس فهم متوسعون ومالا يتسعون له فهو موضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم".

ومنها حسنة عبد الأعلى مولى آل سام قال قلت لأبي عبد الله (ع) عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل قال الله تعالى: [ومَاجَعَلَ عَلَيكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ‌] امسح عليه.


صفحه 334

وقد ناقش الشيخ الأنصاري (ره) في سند هذه الرواية فقال إنها غير نقية السند، ولا يخفى عليك ما فيه فإنها مروية في الكافي في باب الجبائر والقروح والجراحات عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن أبي عبد محبوب عن علي بن الحسن بن رباطة عن عبد الأعلى مولى آل سام وهذه الرواية بهذا السند هي أما صحيحة أو حسنة كالصحيحة، أو موثقة كالصحيحة لأن عدة الكافي عن أحمد المذكور هي جمع من الثقات، على ما يستفاد من خلاصة العلامة في بيان أسامي عدة الكافي ولا يضر اشتراك أحمد بن محمد بن البرقي وبين أبي عيسى لأنهما كليهما من الثقات مع أن أحمد بن محمد الذي يروي عن أبي محبوب هو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الذي لا خلاف في وثاقته وأبن محبوب هو الحسن بن محبوب وهو من أجل الثقات ومن أصحاب الإجماع وعلي بن الحسن المذكور قد نص النجاشي على أنه ثقة وأما عبد الأعلى فعلى القول بأنه هو عبد الأعلى بن أعين كما يظهر من نقد الرجال فهو ثقة كما هو ظاهر المحكي عن المفيد (ره) وأما على القول بأنه غيره كما يظهر من رجال الشيخ (ره) حيث عدهما بعنوانين مختلفين في رجال الصادق (ره) فيكون هذا الذي هو من آل سام والذي وقع في سند هذا الخبر ممدوحاً كما يظهر من الكشي فيكون الخبر حسناً كالصحيح وعلى فرض عدم ثبوت مدح له فكون الراوي عنه بالواسطة هو


صفحه 335

الحسن بن محبوب يكون الخبر قوياً كالصحيح لكون الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع.

ومنها الخبر الذي عد موثوقاً إنما يصام يوم الشك من شعبان ولا يصام من شهر رمضان لأنه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك وإنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان فإن كان من شهر رمضان أجزء عنه بتفضل الله عز وجل وبما قد وسع على عباده ولولا ذلك لهلك الناس.

ومنها صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال سئلت عن الجنب يجعل الركوة أو الثور فيدخل إصبعه فيه قال إن كانت يده قذرة فليهرقه وإن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه هذا مما قال الله تعالى: [مَاجَعَلَ عَلَيكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ‌]. ومنها حسنة محمد بن الميسر قال سئلت أبي عبد الله (ع) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد أن يغتسل منه وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان قال يضع يده ويتوضأ ثم يغتسل هذا مما قال الله تعالى: [مَاجَعَلَ عَلَيكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ‌]. ومنها صحيح الفضيل بن بشار عن أبي عبد الله (ع) قال في الرجل الجنب يغتسل فينضح من الماء في الإناء فقال لا بأس ما جعل عليكم في الدين من حرج. ومنها صحيحة البزنطي قال: سئلته عن الرجل يأتي السوق ويشتري جبة لا يدري أذكية هي أم غير ذكية أيصلي فيها؟ قال (ع) نعم‌


صفحه 336

ليس عليكم المسئلة إن أبا جعفر (ع) كان يقول إن الخوارج كانوا يضيقون على أنفسهم بجهالتهم وإن الدين أوسع من ذلك. ومنها ما عن الصدوق في الفقيه قال سئل علي (ع) أيتوضأ من فضل وضوء جماعة المسلمين أحب إليك أو يتوضأ من ركو أبيض مخمر؟ فقال: لا بل من فضل وضوء جماعة المسلمين فإن أحب دينكم إلى الله الحنفية السمحة السهلة. ومنها ما في خبر حمزة الطيار عن أبي عبد الله (ع) ما أمروا بدون سعتهم وكل شي‌ء أمر الناس به فهو متسعون له وكل شي‌ء لا يتسعون له فهو موضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم. ومنها ما في الحرز اليماني المنسوب إلى أمير المؤمنين (ع): (فما أيسر ما كلفتني به من حقك). ومنها ما في الصحيفة السجادية في دعاء التحميد" فما هكذا كانت سنة في التوبة لمن كان قبلنا لقد وضع عنا ما لا طاقة لنا به ولم يكلفنا إلا وسعاً ولا يحتمنا إلا يسراً ولم يدع لأحد منا حجة ولا عذراً. ومنها ما روي عن الكافي وتوحيد الصدوق والخصال وغيرها بطرق متعددة مع تفاوت قليل في الألفاظ أنه قال رسول الله (ص):" رفع عن أمتي تسعة الخطاء والنسيان وما أكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه. ويؤيد صحة هذه القاعدة ما نرى من تبديل الشارع التكاليف عندما تشق على المكلف كما في التيمم والجبائر والقصر والإفطار في السفر ونحوها فهذه جملة من الأخبار


صفحه 337

وفيها الصحيح والموثق وهما يعضدان الضعيف منه فيحصل الوثوق به ولو لم يسلم ذلك فيكفينا عمل القوم بهذه الأخبار في مسألة مقدار الفحص عن المخصص والمعارض والدليل عند العمل بالأصول وفي مسألة حجية الظن في قبال الاحتياط ومسألة الشبهة غير المحصورة ومسألة عدم نقض الآثار عند تبدل رأي المجتهد أو العدول لغيره وفي مسألة إجزاء الحكم الظاهري أو الثانوي عن الواقع وفي مسألة الجبائر والدماء المعفوة ومسألة الاكتفاء بالميسور من الانحناء والركوع والسجود ومسألة عدم وجوب الصوم على ذي العطاش والشيخ والشيخة إلى غير ذلك من الموارد من أول الفقه إلى آخره. وقد تمسك صاحب العناوين وغيره على صحة قاعدة الحرج بالعقل فإنه حاكم بعدم التكليف الحرجي واستدلوا على حكم العقل بذلك بوجهين:

أحدهما:إن العقلاء يقبحون المولى إذا كلف عبده بتكليف فيه مشقة وحرج ولولا حكم العقل بذلك لما صح منهم ما ذكرناه.

ثانيهما: من جهة اللطف نظراً إلى أن المتفق عليه بين أصحابنا وجوب اللطف على الله تعالى عقلًا وهو عبارة عن صنع كل ما يقرب للطاعة ويبعد عن المعصية فعلًا كان أو تركاً وإلا لزم القبح على الله تعالى والمخالفة للعدل ولا ريب في أن التكليف الحرجي خلاف اللطف لأن صعوبة إمتثاله تقرب العبد للمعصية وتبعده عن‌