ما يطيقون. إن قلت إن المستفاد من هذا الخبر انتفاء التكليف عند عدم الطاقة والقدرة وهو ليس محل كلام فالرواية من أدلة امتناع التكليف بالمحال؟ قلنا قد ذكر بعضهم أنه يصدق عدم الطاقة والقدرة حقيقة في صورة التعسر ولزوم الحرج. ولا يخفى عليك ما فيه فالحق عدم صحة الاستشهاد بمثل هذا الخبر، ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) وهي طويلة وفيها" ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج" والحرج هو الضيق، ومنها موثق أبي بصير عن الصادق (ع) قال قلت إنا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فيكون فيه العذرة ويبول فيه في الصبي وتبول فيه الدابة وتروث؟ فقال إن عرض في قلبك منه شيء فافعل هكذا يعني أخرج الماء بيدك ثم توضأ فإن الدين ليس بمضيق فإن الله عز وجل يقول: ما جعل عليكم في الدين من حرج ومنها موثق محمد بن علي الحلبي عن الصادق (ع):" ما أمر الله العباد إلا بوسعهم وكل شيء أمر الناس فهم متوسعون ومالا يتسعون له فهو موضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم".
ومنها حسنة عبد الأعلى مولى آل سام قال قلت لأبي عبد الله (ع) عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل قال الله تعالى: [ومَاجَعَلَ عَلَيكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ] امسح عليه.
وقد ناقش الشيخ الأنصاري (ره) في سند هذه الرواية فقال إنها غير نقية السند، ولا يخفى عليك ما فيه فإنها مروية في الكافي في باب الجبائر والقروح والجراحات عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن أبي عبد محبوب عن علي بن الحسن بن رباطة عن عبد الأعلى مولى آل سام وهذه الرواية بهذا السند هي أما صحيحة أو حسنة كالصحيحة، أو موثقة كالصحيحة لأن عدة الكافي عن أحمد المذكور هي جمع من الثقات، على ما يستفاد من خلاصة العلامة في بيان أسامي عدة الكافي ولا يضر اشتراك أحمد بن محمد بن البرقي وبين أبي عيسى لأنهما كليهما من الثقات مع أن أحمد بن محمد الذي يروي عن أبي محبوب هو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الذي لا خلاف في وثاقته وأبن محبوب هو الحسن بن محبوب وهو من أجل الثقات ومن أصحاب الإجماع وعلي بن الحسن المذكور قد نص النجاشي على أنه ثقة وأما عبد الأعلى فعلى القول بأنه هو عبد الأعلى بن أعين كما يظهر من نقد الرجال فهو ثقة كما هو ظاهر المحكي عن المفيد (ره) وأما على القول بأنه غيره كما يظهر من رجال الشيخ (ره) حيث عدهما بعنوانين مختلفين في رجال الصادق (ره) فيكون هذا الذي هو من آل سام والذي وقع في سند هذا الخبر ممدوحاً كما يظهر من الكشي فيكون الخبر حسناً كالصحيح وعلى فرض عدم ثبوت مدح له فكون الراوي عنه بالواسطة هو
الحسن بن محبوب يكون الخبر قوياً كالصحيح لكون الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع.
ومنها الخبر الذي عد موثوقاً إنما يصام يوم الشك من شعبان ولا يصام من شهر رمضان لأنه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك وإنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان فإن كان من شهر رمضان أجزء عنه بتفضل الله عز وجل وبما قد وسع على عباده ولولا ذلك لهلك الناس.
ومنها صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال سئلت عن الجنب يجعل الركوة أو الثور فيدخل إصبعه فيه قال إن كانت يده قذرة فليهرقه وإن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه هذا مما قال الله تعالى: [مَاجَعَلَ عَلَيكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ]. ومنها حسنة محمد بن الميسر قال سئلت أبي عبد الله (ع) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد أن يغتسل منه وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان قال يضع يده ويتوضأ ثم يغتسل هذا مما قال الله تعالى: [مَاجَعَلَ عَلَيكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ]. ومنها صحيح الفضيل بن بشار عن أبي عبد الله (ع) قال في الرجل الجنب يغتسل فينضح من الماء في الإناء فقال لا بأس ما جعل عليكم في الدين من حرج. ومنها صحيحة البزنطي قال: سئلته عن الرجل يأتي السوق ويشتري جبة لا يدري أذكية هي أم غير ذكية أيصلي فيها؟ قال (ع) نعم
ليس عليكم المسئلة إن أبا جعفر (ع) كان يقول إن الخوارج كانوا يضيقون على أنفسهم بجهالتهم وإن الدين أوسع من ذلك. ومنها ما عن الصدوق في الفقيه قال سئل علي (ع) أيتوضأ من فضل وضوء جماعة المسلمين أحب إليك أو يتوضأ من ركو أبيض مخمر؟ فقال: لا بل من فضل وضوء جماعة المسلمين فإن أحب دينكم إلى الله الحنفية السمحة السهلة. ومنها ما في خبر حمزة الطيار عن أبي عبد الله (ع) ما أمروا بدون سعتهم وكل شيء أمر الناس به فهو متسعون له وكل شيء لا يتسعون له فهو موضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم. ومنها ما في الحرز اليماني المنسوب إلى أمير المؤمنين (ع): (فما أيسر ما كلفتني به من حقك). ومنها ما في الصحيفة السجادية في دعاء التحميد" فما هكذا كانت سنة في التوبة لمن كان قبلنا لقد وضع عنا ما لا طاقة لنا به ولم يكلفنا إلا وسعاً ولا يحتمنا إلا يسراً ولم يدع لأحد منا حجة ولا عذراً. ومنها ما روي عن الكافي وتوحيد الصدوق والخصال وغيرها بطرق متعددة مع تفاوت قليل في الألفاظ أنه قال رسول الله (ص):" رفع عن أمتي تسعة الخطاء والنسيان وما أكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه. ويؤيد صحة هذه القاعدة ما نرى من تبديل الشارع التكاليف عندما تشق على المكلف كما في التيمم والجبائر والقصر والإفطار في السفر ونحوها فهذه جملة من الأخبار
وفيها الصحيح والموثق وهما يعضدان الضعيف منه فيحصل الوثوق به ولو لم يسلم ذلك فيكفينا عمل القوم بهذه الأخبار في مسألة مقدار الفحص عن المخصص والمعارض والدليل عند العمل بالأصول وفي مسألة حجية الظن في قبال الاحتياط ومسألة الشبهة غير المحصورة ومسألة عدم نقض الآثار عند تبدل رأي المجتهد أو العدول لغيره وفي مسألة إجزاء الحكم الظاهري أو الثانوي عن الواقع وفي مسألة الجبائر والدماء المعفوة ومسألة الاكتفاء بالميسور من الانحناء والركوع والسجود ومسألة عدم وجوب الصوم على ذي العطاش والشيخ والشيخة إلى غير ذلك من الموارد من أول الفقه إلى آخره. وقد تمسك صاحب العناوين وغيره على صحة قاعدة الحرج بالعقل فإنه حاكم بعدم التكليف الحرجي واستدلوا على حكم العقل بذلك بوجهين:
أحدهما:إن العقلاء يقبحون المولى إذا كلف عبده بتكليف فيه مشقة وحرج ولولا حكم العقل بذلك لما صح منهم ما ذكرناه.
ثانيهما: من جهة اللطف نظراً إلى أن المتفق عليه بين أصحابنا وجوب اللطف على الله تعالى عقلًا وهو عبارة عن صنع كل ما يقرب للطاعة ويبعد عن المعصية فعلًا كان أو تركاً وإلا لزم القبح على الله تعالى والمخالفة للعدل ولا ريب في أن التكليف الحرجي خلاف اللطف لأن صعوبة إمتثاله تقرب العبد للمعصية وتبعده عن
الطاعة حيث إنها تبعثه لكثرة المخالفة مع أن التكليف الحرجي منافٍ للرحمة بالعباد والرأفة عليهم والله هو الرحيم بعباده والرؤوف بمخلوقاته. والمناقشة بمنع كون اللطف بهذا المعنى أو عدم عمومه لهذا المقام ساقطة إذ ليس المدار على لفظ اللطف بل المدار على الدليل العقلي وهو يدل على ما ذكرناه بالتقريب المتقدم ويكون عاماً لهذا المقام. ودعوى أن الواجب هو اللطف الواقعي لا ما تتخيل أنه لطف ولعل التكليف الحرجي لطف واقعاً ونحن لا نعرفه فاسدة، إذ لازمه سد باب حكم العقل مضافاً إلى أن هذا الاحتمال لا يؤثر على حكم العقل المذكور لأنه مركب من صغرى وجدانية وهي تبعيد التكاليف الحرجية عن الطاعة وتقريبها للمعصية وكبرى عقلية وهي أن كل ما يقرب للمعصية ويبعد عن الطاعة يجب على الله تعالى أن لا يفعله لقبحه عليه ومنافاته لعدله. ودعوى أن الحرج غير موجب لكثير المخالفة فاسدة، لأنها خلاف الوجدان هذا غاية ما يمكن من تقريب دليل العقل على صحة قاعدة الحرج. ولا يخفى عليك ما فيه فإن حكم العقل مسلم في التكليف بما لا يطاق أو فيما يوجب إختلال النظام لوجوب حفظ النظام على الحكيم المتعال، أما حكم العقل فيما دون ذلك من مراتب الحرج فالعقل لا يدل عليه. وكيف يدل العقل على نفي الحرج مع وقوعه في الشرائع السابقة كما دلت عليه الروايات والأخبار؟ ثم أنا لا نسلم تقبيح العقلاء للتكليف الحرجي
إذا كانت فيه مصلحة مهمة ملزمة فهل ترى أن العقلاء يقبحون المولى إذا ألزم عبده بإجراء عملية شاقة له لبرئه من المرض. وأما اللطف فإنا نسلم أنه يجب للتقرب للطاعة والبعد عن المعصية لا أنه يجب في رفع الطاعة فإذا كان مصلحة ملزمة في العمل ليس من اللطف رفع التكليف بها وإنما اللطف هو إيجاد ما يقرب لطاعة التكليف بها ويبعد عن معصية التكليف بها وإلا لوجب عدم نوع التكاليف وأغلبها لأنه أيضاً يبعد العبد عن المعصية ويقرب للطاعة. وأما رحمة الله تعالى بعباده ورأفته بمخلوقاته فهي لا تقتضي رفع التكليف إذا كان فيه مصلحة ملزمة تنفع العبد فإنه لا تستحسن الرأفة والرحمة من الأب لابنه بترك تعليمه الكتابة والقراءة إذا كان فيها صعوبة على الابن فالله تعالى أيضاً لا يستحسن فيه ذلك ولذا حكم العقل بوجوب التكليف منه على العبد فيما فيه مصلحة ويمكنه فعله. ثم أنه ينبغي لتنقيح هذه القاعدة التكلم في مقامات:
المقام الأول: في الألفاظ المستعملة في هذه القاعدة
أنه قد جاء في أدلة هذه القاعدة من الآيات الشريفة والأخبار الجليلة ألفاظ هي الحرج والعسر والضيق والإصر والطاقة والسعة والاستطاعة. فالحرج الضيق كما ذكرته كتب اللغة وفسرته بعض الأخبار المتقدمة، والعسر هو نقيض اليسر وهو الصعوبة، والضيق
هو المشقة فإن معنى ضاق عليه الأمر هو أن يكون عليه فيه مشقة، والإصر هو الأمر الثقيل، والطاقة هي القوة، والسعة هي خلاف الضيق وهي القدرة على الشيء من دون مشقة عليه، والاستطاعة هي القدرة. وفي المحكي عن المجمع [مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا] أي قدر على ذلك و [لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً] أي لن تقدر على ما أفعل.
المقام الثاني: ما يورد على هذه القاعدة
أنه قد يناقش في هذه القاعدة بوجوه:
أحدها: إن في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة الشاقة كالحج والجهاد وقبول الإسلام للمعاند فإنه قد يفضل قتل نفسه على قبوله وتمكين النفس من القصاص والحدود والزكاة والدية على العاقلة والصوم في اليوم الشديد الحر فكيف ينفي الحرج عن الشريعة؟ وقد أجيب عنها بعدة أجوبة:
الأول: ما عن النراقي وغيره من أدلة قاعدة الحرج مخصصة بتلك الأمور كما في سائر العمومات المخصصة في الكتاب الكريم وليس في ذلك أدنى إشكال إلا ترى أن قوله تعالى: [وَأُحِلَلَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ] وقد خصص بكثير من الأشياء ولم يرد عليه من أحد أي أشكال. وفيه إن لسانها آب عن التخصيص كما هو ظاهر