فيكون النزاع في الموضوع لا في المحمول لكونه ليس نزاعاً في الجواز وإنما هو نزاع في الأفعال ويسمى مثل ذلك بالنزاع الصغروي كما ان النزاع في المحمول يسمى بالكبروي.
ومنها: ان النزاع في العنوان إنما هو في الجواز للآمر العالم بإنتفاء الشرط ان يأمر بالجملة الشرطية على وجه الإشتراط مع العلم بإنتفاء الشرط أو لا يجوز؟ وعدم الجواز فيه مسلكان:
أحدهما:المنع من الإشتراط كلياً حتى لو كان صورياً كما هو المحكي عن السيد المرتضى (ره) والمحكي إرتضاءه من صاحب المعالم.
الثاني: ما هو المحكي عن المحقق القمي من دعوى إنحلال المعلق على الشرط إلى حكمين مطلقين غير مشروطين أحدهما حكم إثباتي للواجد للشرط والآخر سلبي لفاقد الشرط ومنها ان يكون النزاع في صحة الإشتراط من العالم بالعواقب وعدم صحته والثاني هو المحكي عن السيد المرتضى وصاحب المعالم وصاحب القوانين والأول هو الذي ذهب إليه الجمهور ومنها ان يكون النزاع في الأمر الحقيقي وفي شرط الوجود بان يكون المراد من العنوان انه يجوز للآمر العالم بالعواقب ان يأمر بالأمر الحقيقي مع علمه بإنتفاء شرط الوجود مثل الطهارة بالنسبة إلى الصلاة فإنها شرط وجود الصلاة كما ينسب إختيار ذلك للحاجبيان العضدي وابن الحاجب وعليه
فالحق مع المجوزين لأنه لو لم يجز ذلك لم يعص أحد ولزم إرتفاع التكاليف لأنه ما من مأمور به إلا وبعض شرائطه الوجودية منتفية حال الأمر وفيه مالا يخفى لوجوه:
أحدها: انه لا ينطبق على الثمرة لمحل النزاع كمسألة الحائض لان عدم الحيض شرط وجوب لاوجود.
ثانيها: انه ليس بمورد للنفي والإثبات بين المتنازعين لان الإمامية إستدلوا على المنع بلزوم التكليف بما لا يطاق ولو كان محل البحث شرط الوجود لم يلزم التكليف بما لا يطاق.
ثالثها: انه خلاف ظاهر العنوان فان الظاهر من قوله مع إنتفاء الشرط وهو شرط الأمر لان الأمر هو المذكور في المقام لإشتراط المأمور به فان (أل) في الشرط للعهد به وكذا لو كان في العنوان (شرطه) بالضمير فأنه ظاهر في العود إليه.
ومنهاان يكون النزاع في جواز الأمر الحقيقي مع العلم بإنتفاء الشرط الذي يكون شرطاً للوجود وللوجوب معاً كالقدرة فيكون المراد بالأمر في العنوان هو الأمر الحقيقي وبالشرط في العنوان هو الشرط للوجوب وللوجود جميعاً مثل القدرة فإنها شرط لهما. ويُبَعِد إرادة ذلك من العنوان أمور:
الأول: ان إبن الحاجب فصٌل في مسألة التكليف بما لا يطاق بين الإمتناع الذاتي كإجتماع الضدين والإمتناع العرضي كالصعود
على السطح مع فقد السلم فجٌوزه في الثاني ومنع منه في الأول ولم يفصٌل فيما نحن فيه فلو كان المراد بالعنوان ذلك لقال بالتفصيل هنا كما إلتزم بالتفصيل في تلك.
الثاني: ان الفاضل القمي فصل في مسألة التكليف بالمحال بين كون المحالية بسوء إختيار المكلف فجوز التكليف به وكون المحالية لا بسوء إختياره فمنع من التكليف به. وقالوا ان ما بالإختيار لا ينافي الإختيار ولو كان المراد بالعنوان ما ذكر لفصل الفاضل المذكور هذا التفصيل هنا.
الثالث: ان النزاع في تلك المسألة أعني مسألة التكليف بالمحال في الإمكان وعدمه وفيما نحن فيه في الوقوع وعدمه كما يشعر بذلك تمثيلهم بالسفر والحيض ولو كان المراد بالعنوان ذلك لكانت من مسألة التكليف بالمحال.
ومنهاان يكون النزاع في جواز الأمر التوطيني بان يكون المراد بالأمر في العنوان الأمر التوطيني وعلى هذا فالحق مع الأشاعرة القائلين بالوقوع لأنه لا مانع من الوقوع بحسب العقل لان الفعل غير مراد من المكلف بل إنما المراد هو التوطين عليه والإستخيار لحاله ولا مانع عقلًا من الأمر مع إنتفاء الشرط.
ومنهاان يكون النزاع في جواز الأمر الظاهري بان يكون المراد من الأمر في العنوان هو الأمر الظاهري وبالشرط الشرط الواقعي للأمر الواقعي فيكون النزاع في انه مع العلم بإنتفائه هل يجوز الأمر الظاهري أم لا؟ وعلى هذا فهو جائز لأنه لا إشكال في جوازه مع العلم بإنتفاءه شرطه الواقعي فمثلًا من أجرى إستصحاب النجاسة للثوب فيثبت عنده حكم ظاهري وهو النجاسة للثوب مع ان من شرط بقاء نجاسة الثوب عدم التطهير وهو في الواقع قد طهره.
ومنهاان يكون النزاع في صحة الأمر مع الإشتراط بان يكون المراد انه هل يصح من الآمر العالم بالعواقب ان يأمر على وجه الإشتراط والتعليق مع العلم بإنتفاء الشرط أو لا يجوز وقد عرفت ان الحق هو الجواز والحق ان محل النزاع في جواز الأمر المنجز لا المعلق وفي الحقيقي لا التوطيني وفي الواقعي لا الظاهري والمراد بالشرط هو شرط الوجوب لان هذا هو الذي ينطبق عليه الثمرات والأدلة كأمر الحائض بالصوم نعم هو مخالف لأدلة بعضهم كالأشاعرة حيث ذكروا ان الإرادة شرط للواجب مع انها شرط وجود ولكن يمكن إرجاع ذلك إلى شرط الوجوب على مذهبهم لأنهم قائلون بالجبر. ان قلت ان إبن الحاجب صرح بان المراد بالشرط هو شرط الوجود المعبر عنه بشرط الوقوع.
قلنايمكن ان يكون مراده بشرط الوقوع هو الشرط الذي يكون شرطاً للوقوع وللوجوب أيضاً كالحياة والقدرة فمرادهم
بالشرط اما شرط الوجوب أو مجمع شرطي الوجوب والوجود وان كان ظاهر كلام إبن الحاجب بل المتيقن منه هو الأول ولكن حملناه على الثاني من جهة التحاشي عن تخطئة مثل إبن الحاجب. ان قلت ان النزاع في مثله غير معقول إذ لا يسع المثبت التفوه بالجواز لأنه يكون من قبيل التكليف بالمحال لإستحالة وجود المشروط مع إنتفاء الشرط بل هو من التكليف المحال لان من شرط التكليف بالشيء هو إرادته ومع إنتفاء شرط الوجوب لا إرادة له ومع تخلف الإرادة لايعقل تحقق الطلب مضافاً إلا ان المحال لا يمكن تصوره فكيف يتصور جواز التكليف به مع ان ذلك مستلزم للتناقض من جهة ان فرض وجود الأمر يستلزم وجود شرط وجوب وإلا لم يكن الأمر امراً فعلياً حقيقياً وفرض إنتفاء الشرط يستلزم إنتفاء المشروط الذي هو الأمر الفعلي الحقيقي وذلك ما ذكر من التناقض.
قلناحيث ان مخالفينا في المسألة هم الأشاعرة فلا يقدح شيء مما ذكر في حكمهم بالجواز بناءاً على اصولهم اما التكليف بالمحال فهم بين مجوز له مطلقاً ومفصل بين المحال الذاتي فيمنع منه والمحال العرضي فمجوز له كإبن الحاجب فعلى مذهب المجوزين مطلقاً فالأمر ظاهر وعلى مذهب المُفَصل أيضاً كذلك لان إستحالة الأمر كانت مستندة إلى إنتفاء الشرط فيكون محالًا عرضياً وهو مما يجوزه المفصل وبهذا يظهر لك إندفاع ما تقدم تأييده لكون المسألة ليست من جزئيات مسألة التكليف بالمحال من أن إبن الحاجب يقول هناك
بالتفصيل، قال بعضهم لو فرض ان من الإشاعرة من يقول بعدم جواز التكليف بالمحال فذلك إنما هو فيما لو كان الآمر والمأمور كلاهما عالمين بان المأمور به محال لان محل الكلام في مسألة التكليف بالمحال هو إمكانه وعدم إمكانه من الحكيم وهو لابد ان يكون في صورة فرض علمهما بالحال إذ مع جهل أحدهما ممكن صدوره إذ الحكيم العالم قد يصدر منه الأمر بالمحال بالنسبة للجاهل بالمحال من باب الإمتحان والإختبار وهكذا إذا كان الآمر جاهلًا والمأمور عالماً فان التكليف قد يصدر من الحاكم لجهله بحقيقة الحال بخلاف ما نحن فيه من مسألة أمر الآمر مع العلم بإنتفاء الشرط فإنهم إعتبروا في حكمهم بالجواز في هذه المسألة جهل المأمور إلا من ندر منهم ممن لامعرفة له بطريقة أهل الفن ومن هنا ظهر وجه إفراد هذه المسألة عن مسألة التكليف بالمحال فان الكلام هناك على فرض علم الآمر والمأمور بكون التكليف متعلقاً بالمحال والكلام هنا على فرض جهل المأمور بكونه متعلقاً بالمحال- انتهى. وعهدة هذا النقل في ذمة الراوي وأما كون التكليف محالًا من جهة إشتراط سبق الإرادة عليه فإنما يقدح على مذهب من يشترط ذلك كالإمامية وأما الأشاعرة فلايعتبرون ذلك كيف لا وقد عرفت من مذهبهم انهم يقولون بان الله يأمر بما يكره وذلك لان جميع الأوامر التي هي من قبيل الأمر الحقيقي عندنا فهي عندهم لمجرد الإبتلاء وإيراد العبد مورد العقاب
عند عدم صدور المأمور به منه فالأمر صوري وبهذا يظهر ما في كلام الفاضل القمي عند تحرير محل النزاع في مسألة إجتماع الأمر والنهي فإنه قال: وأما الواحد بالشخص الذي لم يتعدد الجهة فيه بان يكون مورداً لهما من جهة واحدة فهو مما لا نزاع فيه في عدم جوازه إلا عند من يجوز التكليف بالمحال وربما منعه بعضهم تمسكاً بان هذا التكليف محالًا لا انه تكليف بالمحال ثم قال: توجهاً لكلام المانع ولعله نظر إلى كون الأمر والطلب مسبوقاً بالإرادة وإجتماع إرادة الفعل والترك محال- انتهى فأنك قد عرفت ان مجوزي التكليف بالمحال وهم الأشاعرة لا يرون كون الأمر والطلب مسبوقاً بالإرادة فكيف يصح ما ذكره توجيهاً لكلام من هو منهم مع عدم إنطباقه على مذهبه.
وأما كون التكليف محالًا من جهة إشتراط التكليف بسبق تصور المكلف به والمحال لا يمكن تصوره فيندفع بأنا لا نسلم ذلك ولو سلمناه فندفعه بما يحكى عن الشيخ الرئيس أبي علي إبن سينا من ان المحال وان كان تصوره بنفسه محالًا إلا انه يمكن تصوره بأشباهه ونظائره بان يلاحظ ان الخلافين كالسواد والحلاوة وكيف يجتمعان في شيء من أجزاء الجسم فيقاس عليه إجتماع البياض والسواد في تلك الجزء الشخصي وأما التناقض الذي ذكر في المقام على تقدير القول بالجواز فهو إنما يرد على من يقول بان المراد بالأمر في العنوان هو الأمر الحقيقي فإنه لابد ان لا يلتزم بالجواز ولذا الإمامية لما التزموا بذلك قالوا بعدم الجواز فراراً من التناقض وأما الأشاعرة القائلون
بان المراد بالأمر ليس الأمر الحقيقي بل إنما هو الأمر الإبتلائي فلا يرد ذلك عليهم لأنه يصح الأمر الإبتلائي وان علم بإنتفاء شرطه ولا يخفى عليك ان النزاع على هذا يكون لفظياً لان المجوز انما يجوز في الأوامر الإبتلائية والمانع إنما يمنع من الأوامر الحقيقية ومن هذا البيان ظهر لك ان الإمامية يقولون ان الوجوب لا ينفك عن الإيجاب أعني الطلب من جناب المولى وبخلافهم الأشاعرة فإنهم يقولون انه لا يستلزم الإيجاب لأنه يصح منه تعالى ان يأمر بما يكره.
إحتج المجوزون بوجوه:
أحدها: ان الأمر كما انه يحسن لمصالح تنشأ من المأموربه نفسه كذلك يحسن لمصالح تنشأ من الأمرنفسه وموضع النزاع من هذا القبيل فإن المكلف من حيث عدم علمه بإمتناع فعل المأمور به يوطن نفسه على الإمتثال فيحصل له بذلك لطف في الآخرة وفي الدنيا. وفيه ان ذلك خارج عن محل النزاع لان النزاع في الأمر الحقيقي لا التوطيني.
ثانيها: انه لو لم يصح التكليف بما علم عدم شرطه لم يعصِ أحد واللازم باطل بالضرورة من الدين وبيان الملازمة ان كل ما لم يقع فقد إنتفى شرط من شروطه وأقلها إرادة المكلف فلا تكليف فلامعصية. وفيه ان ذلك أيضاً خارج عن محل النزاع لان النزاع في شرط الوجوب لا في شرط الوجود والإرادة من شرائِط الوجود