بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 347

النفس والمال الكثير فليس ذلك من الحرج في شي‌ء نعم تعذيب النفس وتحريم المباحات والمنع من جميع المشتبهات أو نوع منها على الدوام حرج وضيق ومثله منتف في الشرع. والحاصل أن ما ورد من الشرع من التكاليف ليس مما يعد عسراً وحرجاً عرفاً لتداول وقوعه عند الناس واعتيادهم عليه حتى لو لم يأمرهم الشرع به. ولا يخفى عليك ما فيه فإنه لا يكاد ينكر أن المراد بالحرج والعسر في لسان الأدلة هو معناهما المتعارف ولا ريب في وجوده في بعض تكاليف الشريعة الشاقة كالجهاد ونحوه، ومجرد تداول وقوعها عند الناس وتعارفه بينهم لا يخرجه عن كونه حرجاً فإن الحمل الثقيل متعارف حمله فهل يخرج بذلك عن كونه مشقة وحرجاً؟

الجواب الثالث:عن هذه المناقشة الأولى أن العسر والحرج يختلف باختلاف العوارض الخارجية فقد يكون الشي‌ء عسراً وحرجاً ويصير سهلًا بإعطاء العوض الكثير عليه ولا ريب في أن كل ما كلف الله تعالى به يعطي عليه أجراً عظيماً وعوضاً جسيماً فلا يكون شي‌ء من التكاليف عسراً وحرجاً. ولا يخفى عليك ما فيه فإن زيادة العوض والأجر لا ترفع حرجية الشي‌ء وعسريته وإنما تولد الميل إليه والرغبة إلى الأمر الحرج وإلا فكلفة القيام به وصعوبة إتيانه باقية على حالها فتشمله العناوين المأخوذة في القاعدة. ولو سلمنا أنها ترفع‌


صفحه 348

حرجيته ولكنها إنما ترفعها بواسطة إحداثها الميل القوي والرغبة الأكيدة له. والوعد بالثواب الآخروي على العمل لا يولد الرغبة والميل المذكورين إلا فيما قل من الناس كسلمان الفارسي. سلمنا ذلك ولكن على هذا لا يرفع بقاعدة الحرج أي حكم شرعي ثابت بالدليل لأمر حرجي لأنه يثبت به الأجر والثواب على ذلك العمل فتزول حرجيته فتكون القاعدة من قبيل الأصول العملية لا تجري إلا في مورد عدم الدليل وهو ينافي الأخبار المتقدمة فإنها تشتمل على التمسك بالقاعدة في مقابل عموم أو إطلاق بل تصبح القاعدة قليلة النفع لأنه في مورد الدليل لا تنفع كما عرفت وفي مورد عدمه يرجع لأصل البراءة ونجوه من الأصول وهذا خلاف سيرة الفقهاء من التمسك بها في أغلب كتب الفقه نعم يمكن أن يتمسك بها في الشبهة غير محصورة فإن الحرج فيها غير مرتفع لأن دليل الواقع لا يثبت الأجر والثواب في الإتيان بأطرافها بأجمعها وأصل البراءة غير جاري في أطرافها فيرجع لقاعدة الحرج وهكذا الحال في سائر موارد الاحتياط الحرجية بل يمكن أن يقال أنه على ما ذكره الخصم لا يصح التمسك بها حتى في هذه الموارد لوجود الأدلة على الاحتياط والحاصل أنه على هذا لا يبقى مورد يخصص فيه عموم دليل التكليف أو يقيد فيه إطلاق دليل التكليف بقاعدة العسر والحرج، وقضية ذلك حكومة أدلة التكاليف على أدلة القاعدة المذكورة مع أن‌


صفحه 349

الأمر بالعكس عند الفقهاء لورودها في مقام الامتنان وضرب القاعدة واستدلال الإمام علي (ع) بها كما في رواية عبد الأعلى مولى آل سام.

الجواب الرابع:عن هذه المناقشة الأولى ما حكي عن الشيخ الحر العاملي في كتابه فصول المهمة فإنه قال بعد نقل طائفة من الأخبار النافية للحرج (أقول نفي الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق وإلا لزم رفع جميع التكاليف) انتهى، فهو (ره) في الجواب عن هذه المناقشة يلتزم بأن المراد من الحرج هو ما لا يطاق. وفيه ما لا يخفى فإن الحرج مطلق الضيق والشدة سواء كان مما يطاق أو لا يطاق وليست أغلب تكاليف الفقه فيها ضيق وشدة وإنما فيها النزر اليسير كالجهاد والقصاص وهي تكون مخصصة للقاعدة شأن سائر القواعد وكيف يدعى إجمال هذه القاعدة مع تمسك الفقهاء بها في أغلب كتب الفقه في الموارد الحرجية فإنه يدل على عدم إجمالها بل على عدم إرادة عدم الطاقة من نفي الحرج فإن فهمهم يوجب الوثوق بالدلالة كإستنادهم لها يوجب الوثوق بالصدور.

خامس الأجوبة:عن هذه المناقشة الأولى أن المراد بنفي العسر والحرج هو نفي ما هو الزائد على ما هو اللازم لطبائع متعلقات التكاليف بالنسبة لمتعارف أوساط الناس الذين هم الأعم الأغلب‌


صفحه 350

فأدلة الحرج لا تنفي أصل التكاليف الحرجية وإنما تنفي التكليف عن أفراده التي يكون فيها حرج أزيد من حرجية طبيعتها مثلًا أدلة الحرج لا تنفي التكليف بالجهاد وإنما تنفي التكليف بالجهاد عن الشخص الذي يكون الجهاد منه فيه حرج أزيد من الحرج المتعارف في الجهاد من أوساط الناس كالمريض والأعرج والأعمى فإن الجهاد منهم فيه حرج أزيد من الحرج المتعارف في الجهاد من عامة الناس. و لا يخفى عليك ما فيه فإن الحرج أمر عرفي واضح وهو الضيق وطبائع متعلقات تلك التكاليف المذكورة كالجهاد ونحوه حرجية فالقاعدة بعمومها تدل على نفيها عن متعلقاتها ومقتضى أخصيتها أن تكون مخصصة للقاعدة المذكورة كما تقدم في الجواب الأول عن هذه المناقشة.

ثاني وجوه المناقشة في أدلة قاعدة لا حرج‌: إن رفع التكاليف الحرجية ينافي قاعدة تبعية الأحكام الشرعية للمصالح والمفاسد لأن ثبوت التكليف في مورده إنما كان لوجود المصلحة والحكمة التي تقتضي جعل الشارع له حيث أنه بناءاً على قاعدة (تبعية الأحكام) تكون أحكام الشارع تابعة للمصالح والمفاسد وبالحرج لا ترتفع تلك المصلحة والمفسدة فرفعه عن مورده بواسطة الحرج ينافي ذلك. وفيها إن العناوين الطارئة قد توجب مصلحة تقتضي غير التكليف الموجود هي أقوى من مصلحة التكليف الموجود وقد توجب رفع المصلحة


صفحه 351

للتكليف الموجود كإباحة بعض المحرمات في بعض الحالات والشارع هو أبصر بالواقع فلعل التيسير على المكلف والتسهيل عليه كان أقوى من مصلحة الواقع فرفع التكليف الواقعي من أجله.

الثالث من وجوه المناقشة:في أدلة لا حرج ما يظهر من المحكي عن الشيخ الأنصاري (ره) من أن عمومات قاعدة الحرج موهونة من جهة كثرة الخارج منها. وفيه أنا لا نسلم ذلك وهي دعوى تستدعي الإثبات كيف والتكاليف بالأمور العسرة قليلة جداً ومحصورة عدداً وأغلب التكاليف سهلة لا صعوبة فيها وبعبارة أخرى إن كثرة الخارج منها إن كان على سبيل التخصيص فهو لا يوهنها وإن كان على سبيل التخصيص فلا نسلم كثرة تخصيصها خصوصاً مع قلة التكاليف التي يتوهم أنها حرجية قد خصصت بها القاعدة ثم أن كثرة التخصيص الموهنة للاستدلال بها لو كانت موجودة لما أستدل بها المعصومون (ع) وقد تقدم في الأخبار إستدلالهم بها. وما أبعد هذا القول والقول الذي نسب للفصول وغيره من أنها غير مخصصة أصلًا وأن لسانها أب عن التخصيص لورودها في مقام المنة.

الرابع من وجوه المناقشة: بأن الأئمة (ع) قد استدلوا بهذه القاعدة على نفي بعض التكاليف التي فيها أدنى مشقة كالمسح على الأظفر ونحوه مع أنه بعض التكاليف فيها مشقة أعظم بمراتب كالجهاد لم تنفها هذه القاعدة.


صفحه 352

وجوابه‌: إن الذي لم يستدل الإمام (ع) على نفيه بالقاعدة المذكورة لكون دليله أخص مطلقاً من دليلها كالجهاد ونحوه وأما ما أستدل على نفيه بالقاعدة المذكورة فلأنه لم يقم دليل عليه أخص مطلقاً من القاعدة المذكورة.

المقام الثالث: المرفوع بهذه القاعدة الحرج الشخصي أو النوعي؟

إن المستفاد من أدلة لا حرج كما نسب للمشهور هو أن المرفوع بها هو التكليف عن الموضوع الذي فيه العسر أو الحرج أعم من أن يكون الموضوع شخصياً خارجياً كالغسل الذي يكون فيه العسر والحرج أو كان الموضوع كلياً في نوعه العسر والحرج بمعنى كان أغلب أفراده فيها العسر والحرج إلا ما شذ وندر جداً بحيث يعد في العرف حكم العدم. وأما ما كان جميع أفراده فيها العسر والحرج فهذا لا إشكال في كون حكمه حكم الموضوع المشخص الخارجي الذي فيه الحرج لكون كل فرد يوجد منه يكون فيه حرج فمحل الكلام هو العنوان الكلي الذي يصدق في العرف أنه فيه الحرج بنفسه وذاته وإن كان بعض أفراده الشاذة النادرة لا حرج فيها لرؤية العرف لها بمنزلة العدم نظير الحديد فإنه يعسر اجتناب ما كان محل الابتلاء منه عند العرف إلا ما شذ وندر منه فيرفع عنه النجاسة لأدلة عدم الحرج، وهكذا لزوم تأخير العتمة إلى ثلث الليل فإنه يعسر على‌


صفحه 353

الإنسان نوعاً فيرفع وجوبه بأدلة عدم الحرج وكالسواك فإنه يعسر الالتزام به نوعاً فيرفع وجوبه لأدلة الحرج وكعدم بلع الصائم لريقه ولعاب فمه فإن الالتزام به عسر جداً فيرفع حرمته بأدلة الحرج. وتظهر الثمرة في الفرد النادر الذي لا حرج فيه فإنه على هذا يكون الحكم مرتفعاً عنه بخلاف ما لو قلنا بأن أدلة الحرج ترفع الحكم عن الموضوع الشخصي الخارجي الذي فيه الحرج دون ما عداه فإن الفرد النادر المذكور يكون الحكم ثابتاً له لعدم وجود الحرج في شخصه. ويدل على المدعى وهو أن أدلة الحرج تدل على رفع الحكم عن الموضوع الذي فيه الحرج سواء كان شخصاً أو كلياً، هو ظهور الأدلة المذكورة في ذلك كقوله (ص): ( (بعثت بالشريعة السهلة السمحة)) ونحوه مما تقدم مما يدل على أنه تعالى لم يكلف الأمة بالأمور التي فيها المشقة. مضافاً إلى أن إناطة الحكم الإلزامي بالموضوع الكلي مقيداً بصورة عدم الحرج مؤدية إلى العسر والحرج ألا ترى أنه لو أنيط وجوب اجتناب الحديد بصورة عدم العسر لأدى ذلك إلى العسر لعدم تشخيص ذلك بسهولة مضافاً إلى لزوم التخصيص بالفرد النادر لأن لزوم اجتناب الحديد حسب الفرض أغلب أفراده فيه عسر إلا ما ندر فتخصيص وجوب اجتنابه بما ليس فيه العسر موجب لاستعمال العام والمطلق في فرده النادر وهو مستهجن مضافاً إلى أن في أدلة الحرج ما يدل على رفع الحرج النوعي كقوله تعالى:


صفحه 354

[وَمَنْ كانَ مَرِيضَاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بَكًمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ] فإنه ليس جميع أفراد الصوم في السفر أو في المرض حرجية بل نوعها يكون كذلك ونحوهما مما يدل على ذلك أو فيه إشارة إليه. إن قلت إنه يلزم تفويت المصلحة الملزمة بالنسبة للفرد النادر الذي لا حرج فيه لو قلنا بارتفاع الحكم الإلزامي بالنسبة إليه؟ قلنا لعل الشارع قد تداركها بما يراه أنه يسد مسدها ولو من جهة خوف العسر على المكلف في تشخيص ذلك الفرد النادر وتميزه عما عداه أو لأجراء الباب على نسق واحد أو لنحو ذلك. إن قلت إن ظاهر أدلة الحرج إناطة رفع الحكم الإلزامي بالحرج فتكون الأدلة ظاهرة في كون الحرج علة لا أنه حكمة فيكون المرفوع بها هو الحكم للموضوع الشخصي الخارجي لا الحكم للموضوع الكلي الحرجي؟ قلنا لا وجه لدعوى ظهور الأدلة بأجمعها مع ما عرفت من ظهورها في رفع الحكم عن الموضوع الذي فيه الحرج سواء كان ذلك الموضوع شخصاً خارجياً أو نوعاً كلياً فإن ظاهرها أن الميزان يكون في الشي‌ء حرج عند العرف وفي نظرهم سواء كان الشي‌ء فرداً خارجياً أو كلياً طبيعياً. إن قلت أن إرادة كلا القسمين يستلزم إستعمال اللفظ في معنين؟ قلنا لا يلزم ذلك كيف وظاهر إطلاقها إرادة قدر جامع بينها وهو نفي الحكم عن الموضوع الذي فيه الحرج أعم من أن يكون ذلك الموضوع فرداً خارجياً أو كلياً طبيعياً بحيث‌