بقيام غيره به وأخرى يسامحه فيه لرأفة منه عليه فإذا أراد العبد الإتيان به حباً لإطاعة مولاه عد من أعظم المطيعين. والحاصل إن الأذن والمسامحة من المولى للعبد من باب الإشفاق والمنة على العبد لا تنافي إرادة الفعل والتكليف به، وإن شئت قلت إن إرادة الفعل والتكليف به إذ ذاك كانت معلقة على عدم المنة على العبد فإذا كان العبد لا يرد هذه المنة زالت المنة من البين لأن المنة لا تكون في أمر غير مراد لمن يُمنّ عليه وإذا زالت المنة كان التكليف ثابتاً بلا مزاحم له فصح الإتيان بالفعل إمتثالًا لوجوبه بل يمكن أن يقال إن المنساق من الأدلة هو نفي الحرج غير المراد للعبد وأما الحرج المراد للعبد فهو ليس بمنفي إذ المنة في نفي الأمر غير المراد ولا منة في رفع شيء بكونه مراداً بل ذلك خلاف المنة. وينسب لصاحب الفصول (ره) التعليل لصحة العبادات الحرجية بأن مقتضى الجمع بين المصلحة المقتضية لوجوب الفعل وبين المصلحة المقتضية لنفي الحرج هو بقاء وجوب ذلك الفعل على سبيل التخيير لو كان للفعل المذكور بدلًا اضطرارياً كما في الطهارة المائية التي بدلها الإضطراري التيمم. وإستحباب الفعل المذكور عند عدم البدل له كما في الصوم الواجب في شهر رمضان الحرجي ويمكن توضيحه بأن نقول إن المصلحة التي تقتضي الإلزام بالفعل أو الترك لما أصطدمت بالمصلحة التي تقتضي عدم الحرج وكانت الثانية أقوى من الأولى فتقدم عليه بمقدار الضرورة
والضرورة إنما تقتضي تقديم الثانية على الأولى في الواجب العيني الذي له بدل إضطراري بأن تنزيل العينية من وجوبه فإنها إنما تصطدم معها في هذا الحد فقط فتبقى الأولى على إقتضائها للوجوب لكن لا على سبيل التعيين. وعليه فلا بد من أن يصير واجباً تخييرياً متعلقاً بالواجب وببدله الإضطراري كما إنها تصطدم في الواجب الذي لا بدل له في عينيته أيضاً وإذا أزالت عينيته بقي طلبه من دون الإلزام به وحيث كان لا بدل له كان جائز الترك لا إلى بدل وهو عبارة عن إستحبابه وعليه فلا يرد عليه أن الحكمة المقتضية لنوع خاص من الطلب لا تقتضي نوعاً آخر من الطلب مع وجود المانع عن إقتضائها. ووجه عدم وروده أنه بعد الكسر والإنكسار بين المصلحتين كانت المصلحة تقتضي هذا النوع الآخر من الطلب. ولا يرد عليه أيضاً من عدم إشتمال الخطاب الوجوبي على الخطاب الإستحبابي حتى يكون الخطاب الإستحبابي ثابتاً عند إرتفاع الخطاب الوجوبي فيما لابدل له، ووجه عدم وروده أن الخطاب الإستحبابي أستفيد من حكم العقل بعد إنكسار مصلحة الوجوب بمصلحة عدم الحرج بمقدار ما تقتضيه ضرورة الحال.
وقد يعلل صحة العبادة الحرجية كما يظهر من الإشتياني (ره) ببيان أمرين:
أحدهما: أنه يكفي في قصد التقرب في صحة العبادة كون الفعل راجحاً عند المولى وإن لم يتعلق به أمر من جهة قصور في المكلف أو المكلف به فإذا أتى بالعبادة بداعي رجحانها عند المولى صحت تلك العبادة منه لأن القربة إنما تحصل بوجود العلاقة بين الفعل والمولى إذا أتى بالفعل بهذا الداعي تحقق ذلك بل لو قصد الأمر وهو غير موجود فبإعتبار حسن الفعل في حد ذاته وعلاقته بالمولى تحقق التقرب به أيضاً ومن هنا حكموا بصحة العبادة في موارد لا يوجد فيها الأمر لا الوجوب ولا الاستحباب كالوضوء عند ضيق الوقت للصلاة مع أنه مأمور بالتيمم على القول بأن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده كما هو الحق ومثل العبادات الواجبة في حق الصبي المميز على القول بشرعيتها وصحتها وعدم استفادة الأمر الندبي من أمر الشارع وليه بإتيانها من المميز وكالعبادات مع الإخلال ببعض ما يعتبر فيها سهواً إذا لم يكن من الأركان أو بالإخلال بالقصر جهلًا في حق المسافر وبكل من الجهر والإخفات جهلًا ونحو ذلك فإن المصحح في الجميع ليس إلا كون العمل حسناً في حد ذاته وراجحاً في نفسه ومطلوباً في حد ذاته.
ثانيها: إن عروض الحرج على الفعل لا يزيل حسنه ومصلحته بحكم العقل فإن الواقع لا ينقلب عما هو عليه من الحسن لو تعسر
كما يشهد بذلك الوجدان والمشاهدة والعيان، غاية الأمر أن الشارع ألقى جهة الحسن من جهة رعاية العنوان الطاري وهو الحرج. إذا عرفت ذلك فالعبد إذا أتى بالعبادة الحرجية كالوضوء والغسل سقط عنه وجوب التيمم من حيث إرتفاع موضوعه وهو الحدث لا بإعتبار أنه فرد من الواجب المخير إذ المسقط للوجوب لا يلزم أن يكون فرداً للواجب هذا إذا كان فعل الطهارة في حقه حرجياً وأما إذا كان تحصيل الماء في حقه حرجياً فيتعين في حقه التيمم لكن لو تحمل الحرج وحصل الماء لم يجز له التيمم من حيث دخوله في عنوان واجد الماء. وكذا من يكون الصوم في حقه حرجياً مع عدم تضرره به ولا يستحب في حقه إلا أنه لو صام من حيث حسنه ورجحانه الذاتي كان هذا الصوم عنه صحيحاً مسقطاً للقضاء وهكذا الكلام في جميع فروع المسألة.
المقام الثامن: في عدم مشروعية المعاملات الحرجية
قد تقدم أن أدلة الحرج كما تقدم على أدلة الأحكام التكليفية كذلك تقدم على أدلة الأحكام الوضعية فلو كان الحكم بالنجاسة موجباً للعسر في حق العباد كانت قاعدة العسر نافية له فلو كان قد اتصل بالبدن عضو من نجس العين أو من الميتة يحكم بعدم نجاسته للزوم العسر في نجاسته وقد نسب ذلك لصاحب المعالم (ره)
وغيره كما أنه يظهر من غير واحد التمسك بها في المعاملات وقد تمسك الكثير من الفقهاء على ما ببالي على نفي نجاسة الحديد بهذه القاعدة. كما أنه لا فرق بين العبادات والمعاملات فإنه إذا فرض حرج في تحصيل مقدار النفقة الواجبة أو ما يؤدي به الدين أو في رد الوديعة أو العارية أو تنفيذ الوصية أو القسم بين الزوجات ونحو ذلك فلا يجب لقاعدة الحرج أما لو أوقع المعاملة من بيع أو إجارة أو نكاح أو نحو ذلك وكان إيقاعه لها فيها حرج عليه فهو إن كان مكرهاً فالمعاملة فاسدة لكونه مكرهاً عليها وإن كان لا إكراه فيها عليه وبمحض اختياره فتكون نظير العبادة الحرجية التي أتى بها بإختياره فهي صحيحة غير باطلة لما تقدم في صحة العبادة الحرجية التي أتى بها بإختياره.
المقام التاسع: في قبول قاعدة لا حرج للتخصيص
إن قاعدة نفي العسر والحرج هل هي من القواعد غير القابلة للتخصيص المسماة بأصول المذهب مثل الحر لا يصير رقاً والتكليف بالغير مقدور منفي في الشريعة؟ أم هي من القواعد القابلة للتخصيص مثل حلية البيع؟ أم هي من الأصول التي يرتفع موضوعها بالدليل على التكليف؟ والقول الأول هو المنسوب للسيد الجليل الطباطبائي صاحب الدرة وينسب لصاحب الفصول وقد
عرفت ما فيه في جواب المناقشة الأولى، والقول الثاني هو المنسوب للأكثر، والقول الثالث مما قامت سيرة العلماء على خلافه حيث يتمسكون بهذه القاعدة في مقابل الأدلة الإجتهادية. نعم استظهره بعضهم من كلمات المحقق الثالث في بادي النظر لكنك بالتأمل في كلامه تجده ممن صرح بخلافه. كيف وقاعدة العسر لم يؤخذ في موضوعها عدم العلم حتى تكون من الأصول العملية وإنما هي تدل على الحكم الواقعي الثانوي فثبت أنها من الأدلة الإجتهادية.
المقام العاشر: في اشتراط الفحص في التمسك بهذه القاعدة في الشبهة الحكمية
إن التمسك بهذه القاعدة في الشبهة الحكمية لنفي التكليف يشترط فيه الفحص عن المخصص لها كما هو الشأن في سائر القواعد العامة.
ملحوظة: ذكر الشيخ (قدس سره) شرطاً عاشراً للأحكام وهو (عدم الضرر والإضرار)، وهذا الشرط بعينه مذكور في كتاب مصادر الحكم الشرعي للمؤلف تحت عنوان (المصدر التاسع والعشرون قاعدة لا ضرر ولا ضرار في الجزء الثاني ص 169،
والكتاب قد طبع ولله الحمد في بغداد سنة 1990 مطبعة العاني فليراجع كمالًا للفائدة.