بيان من قال بجواز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرط فأولى له ان يقول بالنسخ إذا كان ممن يقول به وإلا فليس هو مقصوده بيان ان النسخ أولى حتى يلزمه المحذور الذي ذكر.
خاتمة
ذكروا للمسألة ثمرات منها انه لو دخل الوقت ولم يمض منه مقدار يسع وقوع المأمور به فيه فجُنَّ المكلف أو مات أو حاضت المرأة فهل يجب القضاء أم لا؟ فعلى القول بجواز الأمر مع العلم بإنتفاء شرطه لزوم القضاء على المكلف إذا بريء من جنونه وإذا مات فيقضي عنه وليُه وعلى المرأة إذا طهرت. وعلى القول بعدمه فلا قضاء، ومثله الحج إذا فاته بالعام الأول من الإستطاعة فإذا قلنا بالجواز يلزمه القضاء وإذا قلنا بعدمه فلا.
ويمكن المناقشة في هذه الثمرة بان يقال القضاء لا يخلو أما ان يكون بأمر جديد مثل قوله (ع): (من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته) وأما ان يكون تابعاً للأداء وأما على الأول فلان أدلة القضاء لا تشمل صورة الفوت بسبب فقدان شرط الوجوب فان الفوت لا يصدق مع فقدان الشرط ولذا من دخل عليه الوقت وهو فاقد للشرط لا يقال انه فاته الفرض وأما على الثاني فان التبعية للأداء
بعد فرض وجود الأمر به مستمراً وقت الأداء اما إذا زال حين الأداء بسبب فقدان الشرط فالتابع يزول بزوال المتبوع ومنها انه من أفطر شهر رمضان عمداً ثم انه سافر أو تمرض فهل يرتب عليه الكفارة أم لا؟ فإن قلنا يجوز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرط لزمت.
توضيح: لا يجوز ان نقول لزمت ونسكت فان السامع لايفهم منا أو القاريء ولكن لو قلنا لزمت الكفارة فهم السامع وأدرك الشرط.
وان قلنا بعدم الجواز فلا، وقد ناقش بعضهم بكل من الطرفين فقال بعدم وجوب الكفارة حتى لو قلنا بجواز الأمر وذلك لان أدلة الكفارة إنما تنصرف إلى إرتكاب المفطرات مع إجتماع شرائط الوجوب.
ومنها انه لو تيمم ثم انه بعد ذلك رأى ماء أوقبل مقدار يسع فيه الوضوء فقد الماء فهل يجب عليه التيمم مرة ثانية أولا؟ فعلى القول بجواز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرط يجب عليه التيمم مرة ثانية لأنه عند وجدانه الماء صار مأموراً بالوضوء لوجود المقتضي وهي العمومات الدالة على وجوب الوضوء وفقدان المانع من شمولها فيرتفع التيمم إذ لو بقي التيمم لزم تحصيل الحاصل. وعلى القول بعدمه فلا يجب عليه ثانياً بل يكفي التيمم الأول ولا يجب عليه الإعادة لعدم أمره بالوضوء.
ومنها انه على القول بجواز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرط القول بتنجز التكليف في جميع الأوامر وذلك لأنه على فرض وجود الشرط يتم المطلوب في تنجز التكليف وعلى تقدير عدمه فإنه ممن يرى صحة جواز الأمر مع علم الآمر بإنتفاء الشرط فيقول بتنجز التكليف وعلى ذلك الفاضل القمي في الحاشية فإنه يلتزم بتنجز التكليف حيث انه التزم بتحليل الخطاب الشرعي إلى توطيني بالنسبة إلى الفاقد والى حقيقي بالنسبة إلى الواجد فهو في الحقيقة يلتزم بتنجز التكليف في الأمر التوطيني كما انه يلتزم به في الأمر الحقيقي. ومن هذا الباب الأستدلال بالعمومات المتعلقة بها الأوامر في الشبهات الموضوعية إذا كان الشك فيها من جهة الشك في فقدان شرط وجوبها كمن شك في وجوب الصلاة من جهة الشك في انه بالغ أم لا؟ أو مجنون أم لا؟ فإنه على تقدير جواز الأمر يتمسك بعموم (أقيموا الصلاة) لأنه ان كان واجداً للشرط فلا إشكال في شمول العموم له مع عدم ما يمنع منه وان كان فاقداً للشرط فكذلك لان العموم شامل له وفقدان الشرط غير مانع من الشمول لجواز أمر الآمر مع إنتفاء الشرط. ومن هذا الباب ما صدر من بعضهم من التمسك في البيع المشكوك صحته من جهة الشك في كونه كان عن إكراه أم لا أو فيه غبن أم لا أو من سفيه أم لا بقوله تعالى: [أَوْفُوا بِالعُقُودِ] وذلك لان البيع ان كان في الواقع جامعاً للشرائط فلا ريب في صحة التمسك بأمر (أوفوا) وان كان فاقداً لبعض الشرائط
فأيضاً يصح التمسك بأمر (أوفوا) بناءاً على جواز أمر الآمر مع إنتفاء الشرط إذ لا شيء يزيل شمول الأمر له ولعل من هذا الباب ما يحكى من إستدلال الفاضل القمي على صحة العبادة المشكوكة شرائطها الوجوبية في الشبهات الموضوعية بألفاظ العبادة وأما على القول بعدم جواز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرط فإنه يبني على أصالة البراءة في نفي التكليف لأنه لا يشك في كونه مكلفاً لإحتمال وجود الشرائط جميعاً، أو انه غير مكلف لإحتمال إنتفاء شرط من شروطه فيرجع الشك في الحقيقة إلى الشك في التكليف وهو من مجاري أصالة البراءة لا أصل الاشتغال، ان قلت فعلى هذا لا يجب على العبد التكاليف الشرعية المتعلقة بالأعمال المستمرة كالتكليف بالصلاة والصوم والحج لأنه لا يعلم العبد بقاءه على شرائط التكليف إلى حين إنتهاء العمل فيجري أصالة البراءة عنه ولازم ذلك سقوط التكاليف عنه، قلنا ان ظن البقاء هو حجة عليه فان العقلاء يعملون بهذا الظن في سائر أعمالهم المستمرة والشارع قد أمضى ذلك. وقد أجاب بعضهم عن ذلك أيضاً بان الإستصحاب جاري في بقائه على شرائط التكليف فان من دخل عليه وقت الصلاة وهو صحيح سالم جامع للشرائط يستصحب هذه الحالة إلى إنتهاء الوقت.
ومن جملة الثمرات التي ذكروها للمسألة الإستصحاب فيمن رأى الماء ومضى من الوقت مقدار يسع فيه الوضوء ثم انه بعد ذا فُقِدَ الماء عنه وكان فاقداً للتراب الذي هو بدل عنه ولم يجدهما، فعلى
القول بجواز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرط يستصحب التكليف بالصلاة فيصلي وان كان فاقداً للطهورين، وأما على القول بعدم جواز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرط عدم الإستصحاب لتلك الحالة السابقة لان التكليف بالصلاة قد زال بفقد الشرط له وهو التمكن من الطهارة. وتفصيل الحال وتحقيقه يطلب من محله في الفقه،
ومن جملة الثمرات التي ذكروها حرمة أخذ أجره على المقدمات الواجبة وحرمة الأجرة على فعل الضد عندما ينكشف عدم وجوب ذي المقدمة وعدم وجوب الشيء لفقد شرط الوجوب فإنه على القول بجواز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرط يحرم أخذ الأجرة عليها وان إنكشف عدم وجوب ذي المقدمة، وعدم وجوب الشيء لأنها من مقدمات واجبة فيحرم اخذ الأجرة عليها ولان فعل الضد حرام فيحرم أخذ الأجرة على فعله وعلى القول بعدم جواز الأمر عدم الحرمة لأنها مقدمات غير واجبة لعدم وجوب ذيها لكون شرط وجوبه مفقوداً فلا يحرم أخذ الأجرة عليها. وفيه إنا نقول بعدم الحرمة على كلا القولين وذلك لان التحريم في أخذ الأجرة إنما هو على الواجبات التعبدية والحرمة الأصلية وأما الواجبات التوصلية والحرمة العرضية فلم يثبت الحرمة على أخذ الأجرة عليها.
ومن جملة الثمرات التي ذكروها انه لو توضأ قبل الوقت ندبا فغسل وجهه ثم انه بعد ذا دخل عليه الوقت قبل الفراغ منه
فعلى القول بجواز الأمر مع العلم بإنتفاء شرطه يمضي في الوضوء بنيته الأولى وعلى القول بعدم جواز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرطه لا يمضي لان الوقت الذي أتى فيه بالوضوء الندبي لم يكن يسع الوضوء الندبي فيكون الوضوء الندبي فاقداً للشرط. وفيه انه يمضي على كلا القولين لان الوضوء محبوب له ومطلوب لديه وكذا الغسل لو أتى به ندباً قبل الوقت وكان الوقت لندبه لا يسعه. هذا كله في شرائط الحاكم.
شروط المحكوم عليه والمكَلف
وأما شروط المحكوم عليه والمكَلف بالفتح فهي خمسة:
الأول: قدرته على الفعل المطلوب منه لان الغرض من التكليف الحقيقي هو الإتيان بالفعل المطلوب منه وإذا كان غير مقدور للمكلف إنتفى الإتيان به مع ان تكليف غير القادر قبيح. وقد قال الله تعالى: [لا يُكَلِّفُ الله نَفْسَاً إّلا وُسْعَها] ومن هذا وقع البحث بين أصحابنا والأشاعرة في صحة التكليف بما لا يطاق وسيجيء إنشاء الله البحث منا في ذلك مفصلًا في البحث عن اشتراط القدرة.
الثاني:علمه بالفعل المطلوب منه بحيث يتمكن معرفته وتشخيصه وتمييزه عما عداه ولو بنحو الإجمال وإلا كان مقدوراً له ولذا كان الجاهل المتمكن من العلم غير معذور وغير المتمكن من العلم ولو بنحو الإجمال معذور عقلًا.
الثالث:إمكان ما يتوقف عليه الفعل المطلوب منه وهذا الشرط يُغني عنه الشرط الأول وهو القدرة على العمل فإنه إذا لم يتمكن من مقدمات العمل لم يكن قادراً عليه.
الرابع: العقل.
الخامس: الإختيار.
السادس:عدم الغفلة لان التكليف بالشيء إنما يبعث العبد نحو العمل إذا علم به والتفت إليه ومع الغفلة لا علم بالتكليف وهذا الشرط يرجع إلى إعتبار العلم لدى الحقيقة. وكيف كان فلا يلزم في مقام الإمتثال إستمرار الإلتفات إلى التكليف حتى في العبادات لعدم القدرة على ذلك من سائر العبادات إلا للأوحدي من الناس كالمعصومين (ع) وأما إجزاء صوم النائم المستوعب نومه لزمان الصوم فهو من باب التفضل بسقوط الواجب به لا من باب الإطاعة لأمره وإلا ففعل النائم لا يتصف بالحسن ولا بالقبح وأما البلوغ فأعتباره في التكليف من جهة الشرع لا العقل، ولذا أدلة التكاليف تشمل المميز وإنما خصصتها أدلة البلوغ.
شروط الحكم والتكليف
وأما الشروط العائدة للحكم والتكليف نفسه هي:
الأول: إنتفاء المفسدة فيه وإلا كان قبيحاً ولا يصح فعل القبيح من الحكيم المتعال كما هو مذهب العدلية.
الثاني: تقدمه على وقت الفعل ليُمكن للعبد ان ينبعث منه إلى الفعل المطلوب به فان سمة التكليف سمة العلة للعمل لان منزلته منزلة الداعي إليه والباعث نحوه وأيضاً لو كان آن الطلب آن الفعل لايمكن قصد القربة لأن قصد القربة متأخر عن الطلب ومتقدم على العمل، فالطلب متقدم على العمل في مقام قصد القربة بمرتبتين بل قيل لو كان آن الطلب آن العمل لم يتحقق المعصية للأمر لأنه عند عدم تحقق العمل لم يتحقق الطلب فتأمل فأنه يمكن ان يقال في جوابه إن آن العمل من قبيل الظرف للطلب لا من قبيل الشرط هذا هو رأي المعتزلة وتبعهم أصحابنا، ومن هذه الأدلة يظهر مقدار ما يعتبره العقل من تقدم الطلب على العمل وإنه بمقدار ما يتمكن من العمل خلافاً للأشاعرة حيث نُسِبَ لهم القول بان الطلب حال زمان العمل وقبل ذلك لاطلب وان العبد إنما يصير مأموراً حال زمان العمل مستدلين على ذلك بأنه حال الطلب لو كان المطلوب ممكن الوقوع فقد صار الطلب حال زمان العمل وان كان غير ممكن الوقوع فيلزم طلب مالا قدرة عليه أعني التكليف بغير المقدور وفيه مالا