لا يجوز له الإنفاق على نفسه من مال ولده ولو دلت على الولاية فهي إنما تدل هذا المقدار الخاص من الولاية وهو الولاية على الإقتراض من مال ولده لنفسه وتقويم جاريته على نفسه فقط وهو غير ما نحن فيه من ثبوت الولاية له بالإتجار والنكاح وباقي الشئون الأخرى.
الثانية: أخبار الوصية المشتملة على جواز تصرف الوصي عن الأب والجد في مال القصر فإنها مختصة بالقصر ولا تشمل لحالهم ما بعد البلوغ على ان هذا الحكم الذي أستفيد منه الولاية للوصي على القصر يزول قطعاً عن الوصي عند بلوغ القصر ورشدهم ضرورة عدم جواز تصرف الوصي في مالهم عند بلوغهم ورشدهم، فثبوته للوصي بعد بلوغهم ورشدهم عند عروض الجنون أو السفه لهم يحتاج إلى دليل فالأصل عدمه.
الثالثة: الأخبار الدالة على جواز معاملاتهم العائدة إلى الصغير كتزويجه والإتجار بماله، فانه مضافاً إلى اختصاصه بالصغير فإنه لايدل على ثبوت الولاية إلّا في مورد ثبت هذا الحكم لأنها مستفادة من ثبوته ولا ريب في إنقطاع هذا الحكم عند بلوغهم وكمالهم ولادليل على عودته بعد عروض الجنون والسفه عليهم والأصل عدمه بعين ماذكرناه في الطائفة الثانية هذا مع أنه قد ناقش بعضهم في أصل دلالتها على الولاية بإعتبار ان أدلة الترويج مختصة بالنكاح وأدلة الاتجار أنما هي مسوقة لبيان تعلق الزكاة إذا إتجر الأب بمال ولده.
الرابعة: مادلَّ على أنَّ الولد وماله لأبيه كرواية علي بن جعفر عن أخيه (ع) قال: سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان فهوى جد البنت ان يزوج رجلًا وهوى أبوها الآخر أيهما أحق ان ينكح؟ قال: الذي هوى الجد أحق بالجارية لأنها وأباها للجد. ورواية عبيد بن زارة عن أبي عبد الله (ع) انه قال: (إني ذات يوم عند زياد بن عبد الله إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال: أصلح الله الأمير ان أبي زوج ابنتي بغير إذني، فقال لجلسائه: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ فقالوا نكاحه باطل، قال (ع): ثم أقبل عليٌ فقال: ما تقول يا أبا عبد الله فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم: أليس فيما تروون أنتم عن رسول الله (ص) ان رجلًا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا فقال له رسول الله أنت ومالك لأبيك قالوا بلى فقلت لهم كيف يكون هو وماله لأبيه ولا يجوز نكاحه قال فأخذ بقولهم وترك قولي. ورواية الحسين بن أبي العلا قال: قلت لأبي عبد الله (ع) ما يحل للرجل من مال ولده قال قوته بغير سرف إذا اضطر إليه، قال: فقلت له قول رسول الله (ص) للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له أنت ومالك لأبيك ... الحديث)، وقد إستدل بهذه الطائفة المحقق مُلا كتاب على ثبوت الولاية للأب على ولده إذا عرض عليه السفه أو الجنون بعد بلوغه ورشده. ولا يخفى عليك ما فيه فإنه لا يعقل ان يُراد بها الولاية لورود بعضها في الولد الكبير الرشيد البالغ كرواية علي بن جعفر ورواية عبيد بن
زارة ورواية إبن أبي العلا التي تقدم ذكرها فلو كان ذلك يقتضي الولاية للزم ثبوت ولاية الأب على البالغ الرشيد إذ لا يعقل خروج المورد عن الوارد مع انه إنما تدل على ذلك لو قلنا بان اللام للملك مثل الملُك لله تعالى ولا يعقل إرادة ذلك منه لان الولد وماله ليس بمملوك لوالده فلابد ان تكون اللام للاختصاص بنحو من الأنحاء مثل العبادة لله. وعليه فهي لا تقتضي الولاية إذ الاختصاص يحتمل ان يكون بإعتبار انه فرع منه كما يقال الغصن للشجرة وهذا الفرخ للطير، ويحتمل ان يكون من جهة شدة الإرتباط به كما يقال هذا صديق لفلان. وغاية ما يستفاد من هذا التعبير هو أولوية الجد من الأب كان يجوز لكل منهما فعله. وقد أستدل بعضهم بالسيرة المستمرة عند العقلاء على تصرف الجد والأب في شئون أولادهم مع عدم الردع وهذا يقتضي ثبوت الولاية لهما عليهم ولكن لا يخفى ان القدر المتيقن من هذه السيرة هو ما قبل البلوغ ولا يعلم ثبوتها ما بعد البلوغ و (أما إذا كان الجنون والسفه مستمرين من الصغر إلى مابعد البلوغ) فالولاية للحاكم الشرعي، إذا لم يكن له جد أو أب أو وصي عنهما لما تقدم في صدر هذا البحث من ان الفقيه هو القدر المتيقن ولايته عليهما، وأما إذا كان أحدهم موجوداً فالولاية له لا للحاكم الشرعي لإستصحاب ولايته مضافاً إلى ما يظهر من صاحب الحدائق من عدم الخلاف في ذلك ومن صاحب المفاتيح في كتاب النكاح، وان كان يظهر من خصوص صاحب المفاتيح في الباب الخامس في
التصرف بالنيابة ان الولاية في خصوص السفيه للحاكم مطلقاً حتى لو كان السفه متصلًا بما بعد البلوغ، ونظيره المحكي عن التذكرة، واستدل في التذكرة بان الحجر يفتقر إلى حكم الحاكم وزواله أيضاً يفتقر إليه فكان النظر في ماله إليه سواء تجدد السفه بعد البلوغ، أو كان مستمراً لما بعد البلوغ ولا يخفى عليك ما فيه فان الظاهر انه لا نزاع في عدم توقف حجر السفيه على حكم الحاكم إذا كان السفه متصلًا بالبلوغ، وقد نقلت الإجماعات على ذلك كما ان فك الحجر لا نسلم انه يتوقف على حكم الحاكم لقوله تعالى: [فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً] ولزوال المقتضي للحجر ولأنه لو توقف على ذلك لطلب الناس عند بلوغهم فك الحجر عنهم من الحاكم ولكان عندهم من أهم الأشياء مضافاً إلى ان كون الحجر وفكه بيد الحاكم لا ينافي كون الولاية على التصرف في شئونه لغير الحاكم فإنه نظير إثبات الحق له فإنه بيد الحاكم. وأما لو كان الجنون والسفه حال الصغر فأيضاً كذلك من ان الولاية للحاكم الشرعي مع فقد الجد والأب والوصي وإلا فهي لهم اما انها للحاكم الشرعي مع فقدهم لما تقدم في صدر هذا المبحث وأما انها لهم عند وجودهم فللإجماع المنقول والمحقق.
تعيين المراد بالأب والجد ومقدار ولايتهما على المجنون:
ثم ان المراد بالجد والأب إنما هما النسبيان وأما الرضاعيان فلاولاية لهما قطعاً لانصراف لفظ الأب والجد اليهما لا إلى
الرضاعيين وللإجماع على ذلك وان كان قضية التنزيل بقوله (ع): (ان الرضاع لحمة كلحمة النسب) هو جريان أحكام النسب على الرضاع كما ان الظاهر ان المراد الجد للأب لا للأم للانصراف له وأما من ولد منهما بالزنا فقد ذهب بعضهم إلى ثبوت ولايتهما عليه لصدق ذلك عرفاً عليه والأحكام الشرعية تابعة للمعاني العرفية، ولا ريب انه لم يثبت في الجد والأب حقيقة شرعية. ثم ان ولاية الجد والأب لا تختص بشيء دون شيء فتجري بالنسبة إلى التصرف بالأموال والنكاح، قال المرحوم المامقاني: ان ولايتهما تجري في كل أمر عدا طلاق زوجته لقوله (ع): (الطلاق بيد من أخذ بالساق) وغيره من الأخبار وأما هبة مدة المتعة وفسخ النكاح الدائم بالأسباب الموجبة للفسخ فهي ثابتة لهما لعموم الولاية أو إطلاقها وإنما الخارج منها بدليل خاص هو الطلاق فيبقى هبة المدة والفسخ وغيرهما مندرجة تحت عموم الولاية أو إطلاقها.
مقدار ولاية الحاكم الشرعي على المجنون والسفيه:
ثم ان بعد ما عرفت ثبوت ولاية الحاكم الشرعي على المجنون والسفيه بقطع النظر عن أدلة الولاية العامة فمقتضى الأدلة هو ثبوتها للحاكم الشرعي بشرط الصلاح كما تقدم في صدر البحث كما هو ظاهر المشهور. كما لا إشكال في ولاية الحاكم الشرعي في إجارتهم
واستيفاء منافع أبد انهم وإستيفاء حقوقهم المالية وغيرها كحق الشفعة والفسخ بالخيار ودعوى الغبن والأحلاف ورد الحلف وحق القصاص في الدم والجنايات وإقامة البينة وجرح الشهود وأمثالها لأنه مقتضى الأدلة الدالة على ولاية الحاكم عليهما. (نعم) محل الكلام في ولايته عليهما في النكاح ففي المجنون والمجنونة اختلفوا في ثبوت ولاية الحاكم عليهما فان المحكي عن جماعة كالمبسوط والإرشاد والتحرير والمحقق الشيخ علي والفاضل الهندي وشارح المفاتيح يشترطونها بشرط الحاجة والضرورة في نكاح المجنون بل المحكي عن الشيخ علي دعوى الإجماع على إشتراط ذلك، وقال المحقق الثاني (ره): ان كلمات أكثر القدماء خالية عن ذكر ولاية الحاكم على نكاح المجنون بل يظهر من كثير مصنفاتهم إنتفائها كالفقيه والخلاف والمبسوط والنهاية والتبيان والجامع والوسيلة والغنية وغيرها- انتهى. والحق ثبوتها وقد تقدم في أخبار ولاية الحاكم على الصغير ما يدل على ولاية الحاكم على نكاح المجنون، وأما السفيه ففي ولاية الحاكم على نكاحه مع فقد ولي عليه خلاف بين المتأخرين فالمحكي عن المحقق في الشرائع والعلامة في القواعد والتحرير والإرشاد إلى عدم ثبوت الولاية عليه وصحة عقده بنفسه لو أوقعه من دون إذن المولى كما صرحوا بذلك في نكاح المحجور عليه وان كان لهم كلام في المهر. وذهب جمع آخر كما في التذكرة ونكت
الإرشاد والمسالك وشرح القواعد للمحقق الشيخ علي إلى ثبوت الولاية لابمعنى استقلال الحاكم في تزويجه بل بمعنى عدم إستقلاله وتوقف صحة نكاحه على إذن الحاكم قال (ره): لا ريب ان السفيه لا يجبر على النكاح لأنه بالغ عاقل ولا يجوز له الإستقلال لأنه لسفهه وتبذيره محجور عليه شرعاً ممنوع من التصرفات المالية ولما كان هذا القول مركب من دعويين:
(أحدهما): عدم إستقلال الحاكم بتزويج السفيه والسفيهة وتوقف النكاح على إذنهما.
(ثانيهما): توقف صحة تزويجها على إذن الحاكم.
إستدلوا على (الأولى) بالإجماع وبقوله تعالى: [فإِذا بَلَغْن أَجَلَهُنَّ فَلَا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ في أَنفُسِهِنَ] وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) انه قال في المرأة الثيب تخطب إلى نفسها قال هي أملك لنفسها تولي أمرها مَن شائت وصحيحة البزنطي قال: قال أبو الحسن (ع): والثيب أمرها إليها. وعلى (الدعوى الثانية) بصحيحة الفضلاء المتقدمة في مبحث ولاية الفقيه على الصغير فإنها دلت بمفهومها على جواز تزويج السفيه بغير ولي ورواية زرارة المتقدمة هناك أيضاً المصرحة بإنه لا يجوز تزويج المرأة المالكة لأمرها إلا بأمر وليها والنبوي المشهور السلطان ولي من لا ولي له فان مقتضى الجمع بين هذه الأخبار مع الإجماع المذكور هو ان يكون
المراد ان إختيار الزوج السفيه والزوجة السفيهة راجع لهما ولكن يكون بإذن المولى عليهما لئلا يكون الاختيار واقعاً على من هو ضرر عليهما ومضراً بمستقبلهما وبعد وجود الإجماع لا مجال للتمسك بالروايات المذكورة أو غيرها على إستقلال ولاية الحاكم الشرعي في تزويجهما ويؤكد الإجماع على ذلك إكتفاء العلماء في باب شرائط المتزوجين في النكاح بالبلوغ والعقل والحرية وتفريعهم على ذلك عدم صحة عقد الصبي والصبية والمجنون والمجنونة والسكران والعبد فقط من غير التعرض لذكر السفيه أصلًا وتفريعهم عدم صحة التصرفات المالية من السفيه في باب المعاملات على إشتراط الرشد.
ولاية المجتهد على المغمى عليه والسكران:
ومنها ولاية الحاكم الشرعي على المغمى عليه والسكران لان الأدلة الدالة على ولايته على المجنون بتنقيح المناط أو الأولوية.
الشك في العقل والجنون:
العقل والجنون موضوعان معروفان ومع الشك فيهما فإنْ كانت الشبهة مفهومية فالمرجع هو عموميات الأحكام كما هو الشان في المخصصات المجملة مفهومها إذا كان الأمر دائراً بين الأقل والأكثر وان كان دائراً بين المتباينين فالمرجع هو الأصول، وان كانت الشبهة