بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 73

أحدها: انه تعالى كلف الكافر بالأيمان مع انه ممتنع في حقه لأنه لم يرده تعالى منه. وفيه أنا لا نسلم عدم إرادته إيمان الكافر كيف والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر فلا ينافي كونه بإختيار الكافر وتمكنه كما مر فليس تكليفاً بالمحال.

وثانيها: انه تعالى علم بعدم إطاعة العاصي وقد كلفه بالإطاعة وهو تكليف بالمحال لان الإطاعة لو وقعت منه لزم الجهل في علمه تعالى وفيه ما عرفته بان علمه وان إستحال إنفكاكه عن المعلوم إلا انه لا ينافي القدرة فليس التكليف بخلاف المعلوم تكليفاً بغير المقدور.

وثالثها: انه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان بجميع ما جاء به النبي (ص) مع ان من جملة ما جاء به (ص) ان أبا لهب لايؤمن بالنبي (ص) فيجب على أبي لهب الإيمان بأنه لا يؤمن وهو محال. وفيه بان أبا لهب لم يكلف بالإيمان بأنه لا يؤمن بل قد أخبر عنه بذلك من باب الإخبار عن المغيبات والإخبار بالمستقبل حسب ما تقتضيه الأحوال كما يخبر الطبيب عن موت المريض مع ان هذه الوجوه الثلاثة لو تمت لدلت على وقوع التكليف بالمحال ولا يلتزمونه في ظاهر مقالهم ومناف لقوله تعالى: [لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلّا وُسْعَها] وإلا ما أتاها ونحو ذلك.


صفحه 74

رابعها: ان التكليف بالمحال مقدور في نفسه ولا مانع منه إلا قبحه العقلي وقد مر انه لا قبيح منه تعالى. وفيه ما تقدم من إثبات القبح العقلي وإمتناع صدوره منه تعالى. إحتج الحاجبي على جوازه في غير الممتنع الذاتي ببعض ما مر وعلى إمتناعه فيه بأنه مما يمتنع تصور وقوعه فيمتنع التكليف به فان التكليف بشي‌ء عبارة عن إستدعاء حصوله فيتوقف على تصوره وتصور حصوله تصور الشي‌ء على خلاف مهيتهُ وهو محال. ثم أورد الحاجبي على نفسه:

أولًا: بان المحال كالجمع بين الضدين لو لم يمكن تصوره لم يكن وصفه بالإستحالة لان العلم بصفة الشي‌ء فرع تصوره. وأجاب عن ذلك أولًا بان الجمع المتصور هو الجمع بين المختلفات وهو الذي حكم بنفيه. وقد وجه كلامه بأن المستحيل مما يمتنع ان يحصل له صورة في العقل كأن يتصور شي‌ء هو إجتماع النقيضين أو إجتماع الضدين فتصوره اما على سبيل التشبيه بان يلاحظ بين المختلفين كالسواد والحلاوة وصف الإجتماع ثم يقال مثل هذا الوصف لايمكن حصوله بينهما أو على سبيل النفي بان العقل انه لا يمكن ان يوجد مفهوم هو إجتماع السواد والبياض. وفيه انه ان أُريد بإستحالة حصول صورته في الخيال فمسلم لكن نمنع توقف الطلب على إمكان حصول صورة المطلوب في الخيال وإنما يتوقف على إمكان تصوره في الجملة وان أُريد إستحالة حصول صورته في العقل فممنوع كيف‌


صفحه 75

وهذا المفهوم حاصل في العقل وحصوله فيه عبارة عن تصوره وذلك لان دائرة العقل أوسع من دائرة الخيال والخارج ولذا يوجد الكليات في العقل ويمتنع تحققها في الخيال والخارج. والتحقق ان يقال ان الممتنع إنما يمتنع وجوده الخارجي لا الذهني فحصوله في الذهن لا ينافي حقيقته وإنما الذي ينافيها هو وجوده الخارجي. وأجاب عنه ثانياً بان الممتنع هو تصوره مثبتاً لامطلقاً حتى لو كان منفياً والذي يلزم من ذلك إمكان تصوره منفياً لامطلقاً حتى لو كان مثبتاً فلا منافاة وفيه ان الحكم بالنفي فرع تصور الطرفين كالحكم بالإثبات وما يقال من ان السالبة لا تستدعي وجود الموضوع مطلقاً بخلاف الموجبة فمعناها ان السالبة من حيث الصدق لا تستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي اعتبر السلب بالنسبة إليه مطلقاً بخلاف الموجبة فان صدقها يستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي أعتبر الإيجاب بالنسبة إليه محققاً أو مقدراً ومرجع ذلك إلى ان إنتفاء شي‌ء عن شي‌ء لا يستدعي وجود ما إنتفى عنه بحسب الظرف الذي اعتبر الإنتفاء بالقياس إليه لا محققاً ولا مقدراً سواء كان الظرف ذهناً أو خارجاً بخلاف ثبوت شي‌ء لشي‌ء فإنه يستدعي ثبوت ما ثبت له بحسب الظرف الذي إعتبر الثبوت فيه بأحد الإعتبارين وليس المراد ان السالبة من حيث كونها حكماً بالسلب لا تستدعي وجود الموضوع مطلقاً كيف ومورد السلب إنما هو النسبة الحكمية كالإيجاب‌


صفحه 76

وهي مما يمتنع تعقلها من دون تعقل طرفيها. وأورد الحاجبي على نفسه:

ثانياً: بأنه لو امتنع تصور الممتنع الذاتي لامتنع الحكم عليه بحكم ثبوثتي كالحكم عليه بأنه ممتنع أو معدوم فان ثبوت شي‌ء لشي‌ء فرع ثبوت المثبت له.وأجاب عنه أولًابان المستحيل هو الأمر الخارجي دون الذهني المتصور فلا يكون المتصور هو المستحيل فإذا لا يمكن تصوره. وفيه ان الأمر الذهني المتصور عنوان للأمر الخارجي المستحيل ومرآة لملاحظته فكيف يكون المتصور أي الملحوظ بذلك العنوان غير المستحيل وإلا لاستحال الحكم عليه بالاستحالة.وأجاب عنه ثانياًبأنه لو كان الممتنع متصوراً لكان ممكناً فيكون الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل. وفيه ان كون الشي‌ء ممكن الوجود في الذهن لا ينافي كونه ممتنع الوجود في الخارج فالحكم على الموجود الذهني بالامتناع ليس من حيث كونه موجوداً في الذهن لأمكانه بهذا الإعتبار بل بإعتبار ما جعل مرآة لملاحظته أعني وجوده في الخارج فلا منافاة وكذا الحال في الحكم على الممتنع الذهني كحكمنا على الوجود الخارجي بأنه ممتنع التحقق في الذهن فإنه حكم على العنوان الموجود في الذهن باعتبار كونه آلة ومرآة لملاحظة ما يمتنع تحققه فيه فان إمتناع وجود أمر في الذهن لا ينافي إمكان وجود وجهة فيه الحاكي عنه المعرف لأحكامه ولوازمه ومثله الكلام في الحكم على ما


صفحه 77

ليس بموجود ذهناً وخارجاً كقولنا المعدوم المطلق لا يحكم عليه بشي‌ء، ولا يشكل بان هذا حكم عليه أيضاً لان المراد انه لا يحكم عليه بإعتبار نفسه لا بإعتبار وجهة. وكذلك الحال في الممتنع وجوده ذهناً وخارجاً كوجود الممتنع الخارجي. وأجاب عنه ثالثاً بان الحكم على الخارج بالإمتناع يستدعي تصوره في الخارج وهو محال لأنه تصور للشي‌ء على خلاف حقيقته. وفيه بان تصور المستحيل في الخارج لا يوجب كونه تصوراً له على خلاف حقيقته أي مفهومة كيف والتقدير انه تصور لمفهومه وإنما يوجب كونه تصوراً له على خلاف حقيقته لو تصور بخلاف ما يمكن تحققه به.

هذا ملخص ما ذكرناه وذكره القوم من الرد على إبن الحاجب ولا يهمنا تحقيق ذلك وتنقيحه لأنه يتفق معناً في أصل المطلب وهو عدم جواز التكليف بالممتنع غاية الأمر أختلف معنا في وجهة.

حجة المفصل بين ما لا يستند إلى إختيار المكلف وبين مايستدل إلى إختياره فمنع التكليف في الأول دون الثاني. اما منعه من التكليف في الأول لما تقدم في حجة المانعين وأما تجويزه في الثاني فلان ما يستند إستحالتة إلى إختيار المكلف لو منعنا التكليف به لخرج الواجب المطلق عن كونه واجباً مطلقاً والتالي باطل اما الملازمة فلان الواجب إذا توقف على مقدمات مقدورة وتركها المكلف فلا يخلو اما


صفحه 78

ان يبقى في حقه التكليف فهو التكليف بالمحال أو لا فيلزم ان لا يكون وجوب الواجب مطلقاً بل مشروطاً بحصول تلك المقدمات وهو المراد بالتالي وبطلانه واضح مضافاً إلى ان المستند في إمتناع التكليف بالمحال هو قبحه العقلي وهو غير جار فيما إذا إستند إلى فعل المكلف إذ لا يقطع العقل بقبحه. والجواب عن الأول بأنه بعد ترك المقدمة ان كانت القدرة على الواجب مع تلك المقدمة أو بدلها باقية فالوجوب باقِ وغير مرتفع وان زالت القدرة فالوجوب يرتفع لزوال شرطه وهو القدرة لا من جهة ترك المقدمة ثم لما كان العقاب على العصيان والعصيان إنما يكون بترك الواجب بسوء الإختيار فالمولى يعاقبه وان زال الوجوب لأنه قد تركه لسوء إختياره حال ما كان متصفاً بالوجوب وهو حال تمكنه منه بإتيان مقدمته وان كان فعلًا لا يتمكن من إتيانه فالعصيان قد تحقق منه وهو علة تامة لإستحقاق العقاب. وأجيب عن الثاني ان حكم العقل بقبح التكليف بالمحال وطلبه لاإختصاص له بالمحال الذاتي كما ان الآيات والأخبار النافية لوقوع ذلك كك أيضا بل ولا فرق في ذلك بين التكليف الإبتلائي وغيره أيضاً وان توهم فيه من توهم وذلك لعموم دليل الإستحالة نعم قد ينفع التكليف بغير المقدور من باب التحكم أو الإهانة أو حمل المخاطب على التحسر والتحزن كما في قوله تعالى: [قيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فالْتَمِسُوا نُوراً] وقوله: [ويُدْعَوْنَ إِلى السُّجُودِ فَلا


صفحه 79

يَسْتَطِيعُون‌] ونحو ذلك لا قبح فيه وما ورد في بعض الأخبار من (ان من كذب في رؤياه متعمداً يكلفه الله ان يعقد شعيرة وما هو بعاقدها) فلعل المراد بالتكليف فيه بيان طريق التخليص من عقوبة تلك المعصية أو للتنبيه على العجز عن التخلص كالعجز عن عقد الشعيرة أو هو عند التكليف متمكن من عقدها لكن لا يفعله لصعوبة عليه فيستسهل العقوبة بالنسبة إليه.


صفحه 80

التكليف المحال والتكليف بالمحال‌

وينبغي التنبيه على أمور:

الأول ان ماذكرناه هو الكلام في التكليف بالمحال وهو غير التكليف المحال فان الأول يكون التكليف بنفسه ليس بمحال ولكنه متعلق بالمحال وأما الثاني فيكون التكليف بنفسه محالًا وان تعلق بأمر ليس بمحال وقد مثل له بالإيجاب والحرمة المتعلقين بشي‌ء واحد من جميع الوجوه ولهذا كان الكل مطبقين على ان التكليف المحال يستحيل تحققه ووقوعه بخلاف التكليف بالمحال فقد قال الأشاعرة كما عرفت بإمكانه بل بوقوعه كما تقدم. والحاصل ان التكليف المحال لا يعقل ان يقول أحد بإمكانه فضلًا عن وقوعه لان ذلك من القضايا التي قياساتها معها إذ مع فرض انه محال لا مجال لتجويز وقوعه وهل ذلك إلا من قبيل وصف الشي‌ء بالمتناقضين فتصور الموضوع كاف في الجزم بالحكم وهو عدم الإمكان فضلًا عن عدم الوقوع من غير حاجة إلى كلفة الإستدلال.

عدم الفرق بين أقسام التكليف بالمحال:

الثاني‌ان التكليف بالمحال على المختار لا فرق فيه بين علم المأمور أو جهله بحقيقة الحال، نعم لا مانع من الجواز مع جهل الآمر