أطلق هذا الكلام عند العرف لا يفهم منه غير ذلك فإذا قبل فلان رفع عنه القلم فأنه لا يراد منه الا عدم الإلزام له بشيء ولذا العرف يستعملون هذه الكلمة غالباً في حق شخص يتوهم انه ملزم بالعمل فيقول في رد المتوهم رفع عن الشخص المذكور القلم ولهذا تجد نوع الفقهاء فسروا رفع القلم بقلم المؤاخذة أو بقلم التكليف أو بقلم كتابة السيئات بإعتبار ان معنى الكلمة المذكورة هو رفع الإلزام ولازمه ذلك. بل إدعى الأيرواني (ره) ان كلمة الرفع إنما تطلق مقام إزالة الثقل والثقل إنما بالإلزام ويؤيد ذلك ان الحديث المذكور إنما هو وارد في مقام الإمتنان والإمتنان إنما هو برفع الإلتزام الفعلي المنجز دون غيره. بل إرادة رفع قلم الوضع والجعل للأحكام مطلقاً حتى الوضعية بقطع بعدمها لان معناه ان الصبي يكون أدون من الجمادات لان الحكم الوضعي قد ثبت لبعض أفعالها كسببية الكسوف والخسوف والدلوك للصلاة. والحاصل ان ظاهر هذه الكلمة هو رفع الأحكام الإلزامية وهي خصوص الوجوب والتحريم دون الإستحباب والكراهة والأحكام الوضعية حيث انها لا إلزام عليه مادام صبياً ولو سلمنا عدم الظهور فهو القدر المتيقن منه فيجب حمله عليه ودعوى ان إرادة هذا المعنى من الكلمة المذكورة ينافي ذكر النائم والمجنون في متعلقها لان العقل مستقل بعدم إلزامها بشيء فلا فائدة معتدة بذكرها مع الصبي في رفع القلم بهذا المعنى الذي
ذكرته وهذا بخلاف ما إذا أردنا بها رفع الأحكام بأجمعها فاسدة، فإن الحديث النبوي الشريف بين الفريقين: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه) وفي بعض النسخ بدل (حتى يحتلم) حتى يبلغ ولا ريب ان في الأخبار عن رفع القلم عن المجنون وعن النائم بالحد الذي ذكره لهما فيه فائدة وهي ثبوت التكليف عليها بعد ذلك، مضافاً إلى ان الكثير من الأحكام الشرعية قد حكم بها العقل المستقل كالبراءة الشرعية وكقبح الظلم وحرمة الكذب أو أخبر عنها الشارع كوجوب إطاعته وحرمة معصيته فهل يكون ذلك موجباً للغّوية. والحاصل ان الشارع طالما يحكم أو يخبر بما حكم به العقل تأكيداً لحكمه أو دفعاً لتوهم عدم حكمه بذلك كمن يرى ان للشارع ان يحكم بغير المستقلات العقلية ويأمر بالمحال وعليه فالشارع يحكم عن طبق العقل لرفع توهم الأشاعرة ونحوهم فالحق ان الحديث إنما يرفع خصوص الوجوب والتحريم الفعلي المنجز عن الصبي دون الأحكام التكليفية غير الإلزامية كالإستحباب والكراهة والإباحة ودون الأحكام الوضعية لأنه بنفسها لا إلزام فيها ولا تحديد لعمله ولا تقييد لعمله في ثبوتها عليه لأنه لا يوجه عليه طلب إلزامي عند تحققها حال كونه صبياً بل لو كانت تستلزم طلباً فهو إنما يتوجه لوليه أو بعد بلوغه ولكن يمكن ان يقال بان حديث الرفع ظاهر في الرفع كلية قبل البلوغ وبعده بمعنى
انه ظاهر في ان الفعل الصادر من الصبي مرفوع عنه تبعاته قبل البلوغ وبعده فالبيع الصادر منه يظهر من حديث الرفع انه مرفوع أثره قبل البلوغ وبعده لإطلاق الرفع فيه فحديث الرفع يدل عل ارتفاع الأحكام الوضعية كلية لاعلى رفعها في حال الصبا فالأولى ان يقال ان حديث الرفع ظاهر في ارتفاع كل ما يترتب شرعاً على العمل الذي يصدر عن إختيار العبد ولذا جعله الشارع الصبي في سياق المجنون والنائم وعليه فحديث الرفع يدل على ارتفاع الأحكام الوضعية للأعمال الإختيارية كسببية البيع والإجارة للنقل والإنتقال ونحو ذلك مما تعتبر في ترتيب الأثر عليها بصدورها بالإختيار فان حديث الرفع يرفع مثل هذه الأحكام الوضعية عن الصبي. نعم الأحكام الوضعية التي تثبت للصبي اما ان لا تكون من هذا القبيل ثابتة للأعمال وان صدرت من دون اختيار كالإتلاف فإنه سبب
للضمان وان صدر من دون اختيار وهكذا الجنابة ونحوها فإنها سبب للغسل وان صدرت من دون اختيار وأما ان تكون كذلك ويعتبر فيها الاختيار ولكن قام الدليل الخاص على ثبوتها للصبي كالوصية ونحوها فيكون ذلك الدليل مخصص لحديث الرفع وأما ان تكون كذلك لا يشملها حديث الرفع من جهة ان حديث الرفع وارد في مقام الإمتنان وارتفاعها خلاف المنه وذلك كسببية الحيازة للتملك فإنه وان كان تثبت للحيازة إذا صدرت عن إختيار ولكنها لا ترتفع
عن الصبي بحديث الرفع لكون حديث الرفع وارد في مقام المنه وخلاف المنه رفع سببية الحيازة للتملك عن الصبي وبهذا نعرف الكلام في عمد الصبي خطأ وأمر الصبي غير نافذ فان مساقها واحد وان أردت توضيح الحال في هذه الأخبار بأجمعها فانظر لما سيجيء إنشاء الله في مبحث معاملات الصبي.
رابعها: ان القول بثبوت الأحكام الوضعية لموضوعاتها الصادرة من الصبي يستلزم الحرج النوعي على الصبي إذا بلغ. وفيه إنا لا نسلم ذلك وعلى تقديره فهو من الشاذ النادر فيقدر بالمقدار الذي لا حرج فيه عليه فان الضرورات تقدر بقدرها وسيجيء إنشاء الله بيان المعاملات التي قيل بعدم إعتبار البلوغ فيها.
ماهية البلوغ وعلاماته[1]:
المطلب الثالث: ان البلوغ عبارة عن مرتبة وقوة باطنية واستعداد معنوي في الإنسان ينتقل به الأطفال إلى حد الكمال ويبلغ الذكر منهم مبالغ الرجال في قابلية الوطىء بشهوة وتبلغ الأنثى منهم مبالغ النساء في قابلية الموطئية لها بشهوة وطاقة يصح إناطة التكليف
[1]() اعتمدنا في هذا المقام في نقل الأقوال وبعض الفوائد عن المرحوم المامقاني( قدس سره).
بواسطتها من جانب الشارع وحيث كان أمراً باطنياً لا يعرفه الناس باديء بدء جعل له الشارع علامات ظاهرية ويطلق على المقارن له غالباً كخروج المني والإنبات إسم السبب. وعلى الكاشف عن سبقه كالحمل اسم الامارة و الدليل فإذا اتفق واحدة منها كشفت عن تحققه وعلى هذا فلابد من كون العلامة منصوبة من جانب الشارع إذ لايعلم تحقق الأمر الباطني في أوائل وجوده الا هو وإنما قلنا أن البلوغ عبارة عن القوة و الاستعداد ولم نجعاه عبارة عن نفس العلامات كما سماها بعضهم بلوغاً بأنه لا معنى لإناطة التكليف ببنات شعر العانه مثلًا حتى يقول الشارع لعبده إذا نبت شعر عانتك فأنت مكلف بأوامري ويدل على ما ذكرناه قوله تعالى: [حتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ] وقد فسرها المفسرون بالقوة. وقد ورد ما يدل على كون الأمور المذكورة علامات وكواشف قول الصادق (ع) في رواية
هشام بن سالم: (انقطاع يتم اليتيم بالإحتلام) وهو أشده وقوله (ع) في موثقة عبد الله بن سنان سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله عز وجل: [حتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ] قال الإحتلام وما رواه الشيخ (ره) وابن بابويه (ره) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا بلغ الغلام أشده ثلاث عشرة سنة ودخل الأربع عشرة سنة وجب عليه ما وجب على المحتلمين إحتلم أو لم يحتلم وكتب عليه السيئات وكتب له الحسنات وجاز له كل شيء إلا ان
يكون ضعيفاً أو سفيهاً) فقد تبين ان الأمور المذكورة ليست هي البلوغ وإنما هي علامات وكواشف وأما تعبير العلامة (ره) عنها بالأسباب في التذكرة فالظاهر انه مبني على كونها أسباباً لانكشاف البلوغ ويؤيد ما ذكر أنه (ره) قال في التذكرة: نبات هذا الشعر دليل على البلوغ في حق المسلمين والكفار عند علمائنا أجمع- انتهى. وقال: فيها السٌن عندنا دليل على البلوغ- انتهى ولكنه قال في الإحتلام ان الإحتلام وهو خروج الماء الدافق الذي يخلق منه الولد بلوغ في الرجل والمرأة عند علمائنا أجمع- انتهى وهو مبني على المسامحة وربما يقولون في شيء انه دليل على البلوغ أو علامة على البلوغ أو أمارة على البلوغ وليس بلوغاً ويريدون به انه دليل على سبق البلوغ على ذلك الشيء كما في الحمل مثلًا فإنه كاشف عن سبق البلوغ عليه باعتبار تحقق الإنزال وان ذلك الشيء ليس مقارناً للبلوغ. وكيف كان فقد كان لتحقق البلوغ علامات ذكرها القوم:
الأول: (إلاحتلام) فإنه قد قام الإجماع والضرورة ونطق به الكتاب والسنة على انه علامة للبلوغ قال الله تعالى: [وإذا بلغ الأطفال منكم الحُلم فليستأذنوا] وقال تعالى: [وأبتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح] وقال تعالى: [وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إّلا بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ] ومعلوم ان النكاح ملازم لذلك وقد عرفت تفسير أشده في رواية هشام وموثقة ابن سنان بذلك وفي النبوي الذي رواه الفريقان بل عن ابن إدريس (ره) انه مجمع على روايته: (رفع القلم عن ثلثه عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه) بل روي هذا الحديث على وجوه مختلفة بأسانيد عديدة عنه (ص) بل ووصفه بعض علمائنا بأنه مشهور متلقي بالقبول بل رواه في الخصال بسنده عن ابن ظبيان قال: أُتِيَ عمر بمجنونة قد زنت فأمر برجمها فقال علي (ع) اما علمت ان القلم يرفع عن ثلثه عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه) ويدل على المطلب أيضاً الصحيحان قوله (ع): لا تغطي المرأة شعرها عنه حتى تحتلم وقوله (ع): (إنقطاع يُتم اليتيم بالإحتلام وهو أشده) والمروي عن الخصال قوله متى يجوز أمر اليتيم قال حتى يبلغ أشده قال وما أشده قال إحتلامه وفي موثق أسحق بن عمار انه سأل أبا الحسن (ع) عن ابن عشر سنين يحج قال (ع) عليه حجة الإسلام إذا إحتلم. ثم ان الكلام يقع هنا في مقامات:
أحدها: ان الاحتلام وان فسره بعض اللغويين كصاحب المصباح بمطلق الرؤيا في المنام سواء خرج منه المني أم لا لكن الظاهر المتبادر منه خروج المني عند الرؤية في المنام من الذكر وقبل المرأة
وكما ان الظاهر ان علامة البلوغ هو خروج المني مطلقاً سواء كان بشهوة أم بغير شهوة وسواء كان بجماع أم بغير جماع وسواء كان في نوم أم يقظة ولايختص بالإحتلام بل هو منوط بالخروج مع إمكانه ويشهد بذلك الإجماع المحكي عن الغنية وغيرها على ان خروج المني مطلقاً دليل على البلوغ وقوله تعالى: [حتّى إِذَا بلَغُوا النِّكاحَ] فإنه لو كان الاعتبار بالإحتلام لزم ان لا يتحقق البلوغ في الرجال ما لم يتحقق الإحتلام وان نكحوا وأولدوا وهو واضح البطلان ويشهد بذلك أيضاً ان العلامة (ره) في التذكرة وفاقاً لغيره جعل الحبل دليل على البلوغ لأنه مسبوق بالإنزال ولو كان المعتبر هو خصوص الإحتلام لم يكن ذلك متجهاً.
ثانيها: هل يعتبر فعلية الخروج أم يكفي؟ القوة قال في الجواهر: يقوى كون العلامة هو الاستعداد لخروج المني بالقوة القريبة من الفعل وذلك بتحريك الطبيعة والإحساس بالشهوة سواء إنفصل المني معه عن الموضع المعتاد أم لم ينفصل لكن بحيث لو أراد ذلك بالوطي أو الاستمناء يتيسر له ذلك وكونه شرطاً في الغسل لا يقضي بكونه كذلك في البلوغ ضرورة دوران الأمر في الأول على الحدث المتوقف صدقه ولو شرعاً على الخروج بخلاف الثاني وهو البلوغ فإنه أمر طبيعي لا يختلف بظهور انفصال المني منه وعدمه بل تكوٌن الولد في الأنثى لا يكاد يتحقق معه خروج المني إلى الخارج مع