المبحث السابع: صلاة الاستئجار
يجوز الاستئجار للصلاة، بل و لسائر العبادات عن الأموات إذا فاتت منهم، و تفرغ ذمّتهم بفعل الأجير، و كذا يجوز التبرّع عنهم، و لا يجوز الاستئجار و لا التبرّع عن الأحياء في الواجبات و إن كانوا عاجزين عن المباشرة إلّا الحج إذا كان مستطيعاً و كان عاجزاً من المباشرة. نعم، يجوز إتيان المستحبّات و إهداء ثوابها للأحياء، كما يجوز ذلك للأموات، و يجوز النيابة عن الأحياء في بعض المستحبّات.
(مسألة 800):يعتبر في الأجير العقل و الإيمان،
و في كفاية استئجار غير البالغ و لو بإذن وليّه و إن قلنا بكون عباداته شرعيّة، و علم بإتيانه على الوجه الصحيح إشكال و تأمّل.
(مسألة 801):لا يكفي في تفريغ ذمّة الميّت إتيان العمل و إهداء ثوابه،
بل لا بدّ من النيابة عنه بجعل نفسه نازلًا منزلته.
(مسألة 802):يعتبر في صحّة عمل الأجير و المتبرّع قصد القربة،
و تحقّقه في المتبرّع لا إشكال فيه، لكن لا بلحاظ أصل التبرّع، بل بلحاظ العمل. و أمّا بالنسبة إلى الأجير الذي من نيّته أخذ العوض فربّما يستشكل فيه، بل ربّما يقال من هذه الجهة: أنّه لا يعتبر فيه قصد القربة، بل يكفي الإتيان بصورة العمل، لكنّ التحقيق أنّه بعد حكم الشارع بصحّة النيابة و وقوع العبادة للمنوب عنه يكون لازمه أنّ القربة المنويّة هي قرب المنوب عنه لا النائب، فمرجعه إلى إمكان تحصيل قرب المنوب عنه بفعل النائب، من دون فرق بين أن يكون فعل النائب لداعي القربة أو أخذ الأُجرة.
(مسألة 803):يجوز استئجار كلّ من الرجل و المرأة عن الرجل و المرأة،
و في الجهر و الإخفات يراعى حال الأجير، فالرجل يجهر بالجهريّة و إن كان نائباً عن المرأة، و المرأة لا جهر عليها و إن نابت عن الرجل.
(مسألة 804):لا يجوز استئجار ذوي الأعذار،
خصوصاً من كانت صلاته بالإيماء، أو كان عاجزاً عن القيام و يأتي بالصلاة جالساً و نحوه، و إن كان ما فات من الميّت أيضاً كذلك، و لو استأجر القادر فصار عاجزاً وجب عليه التأخير إلى زمان رفع العذر، و إن ضاق الوقت انفسخت الإجارة.
(مسألة 805):إذا حصل للأجير شكّ أو سهو يعمل بأحكامهما بمقتضى تقليده أو اجتهاده،
و لا يجب عليه إعادة الصلاة، هذا مع إطلاق الإجارة، و إلّا لزم العمل بمقتضى الإجارة، فإذا استأجره على أن يعيد مع الشكّ و السهو تعيّن ذلك. و كذا الحكم في سائر أحكام الصلاة، فمع إطلاق الإجارة يعمل الأجير على مقتضى اجتهاده و تقليده، و مع تقييد الإجارة يعمل على ما يقتضيه التقييد.
(مسألة 806):إذا كانت الإجارة على نحو المباشرة
لا يجوز للأجير أن يستأجر غيره للعمل، و لا لغيره أن يتبرّع عنه فيه، إلّا مع الإذن من المستأجر. و أمّا إذا كانت مطلقة جاز له أن يستأجر غيره، و لكن لا يجوز أن يستأجره بأقلّ من الأُجرة في إجارة نفسه إلّا إذا أتى ببعض العمل و لو قليلًا.
(مسألة 807):إذا عيّن المستأجر للأجير مدّة معيّنة فلم يأت بالعمل كلّه أو بعضه فيها
لم يجز الإتيان به بعدها إلّا بإذن من المستأجر، و إذا أتى به بعدها بدون إذنه لم يستحقّ الأُجرة و إن برئت ذمّة المنوب عنه بذلك.
(مسألة 808):إذا تبيّن بطلان الإجارة بعد العمل استحقّ الأجير أُجرة المثل،
و كذا إذا فسخت بعد العمل لغبن أو غيره.
(مسألة 809):إذا لم تعيّن كيفيّة العمل من حيث الاشتمال على المستحبّات
يجب الإتيان به على النحو المتعارف.
(مسألة 810):إذا نسي الأجير بعض المستحبّات و كان مأخوذاً في متعلّق الإجارة
فالظاهر نقصان الأُجرة بالنسبة، إلّا إذا كان المقصود تفريغ الذمّة على الوجه الصحيح.
(مسألة 811):إذا تردّد العمل المستأجر عليه بين الأقلّ و الأكثر
جاز الاقتصار على الأقلّ، و إذا تردّد بين متبائنين وجب الاحتياط بالجمع.
(مسألة 812):يجب تعيين المنوب عنه و لو إجمالًا،
مثل أن ينوي من قصده المستأجر أو صاحب المال أو نحو ذلك.
(مسألة 813):إذا وقعت الإجارة على تفريغ ذمّة الميّت
فتبرّع متبرّع عن الميّت قبل عمل الأجير ففرغت ذمّة الميت انفسخت الإجارة، و يرجع المستأجر بالأُجرة أو ببقيّتها إن أتى الأجير ببعض العمل. نعم، لو تبرّع متبرّع عن الأجير ملك الأُجرة مع عدم اشتراط المباشرة.
(مسألة 814):يجوز مع عدم اشتراط الانفراد الإتيان بالصلاة الاستيجاريّة جماعة،
إماماً كان الأجير أو مأموماً، لكن يشكل الاقتداء بمن يصلّي الاستيجاري إلّا إذا علم اشتغال ذمّة من ينوب عنه بتلك الصلاة، و ذلك لاحتمال كون الصلوات الاستيجارية احتياطيّة.
(مسألة 815):إذا مات الأجير قبل الإتيان بالعمل،
فإن اشترط المباشرة بطلت الإجارة بالنسبة إلى ما بقي عليه، و تشتغل ذمّته بمال الإجارة إن قبضه، فيخرج من تركته، و إن لم يشترط المباشرة وجب استئجاره من تركته إن كانت له تركة، و إلّا فلا يجب على الورثة، كما في سائر الديون إذا لم تكن له تركة. نعم، يجوز تفريغ ذمّته من باب الزكاة أو نحوها أو تبرّعاً.
(مسألة 816):يجب على من عليه واجب من الصلاة و الصيام و عجز عن قضائه الوصيّة به عند ظهور أمارات الموت،
و يخرج حينئذٍ عن ثلثه كسائر الوصايا، و إذا كان عليه دين ماليّ للناس و لو كان مثل الزكاة و الخمس و ردّ المظالم وجب عليه المبادرة إلى وفائه، و لا يجوز التأخير و إن علم ببقائه حيّاً، و إذا عجز عن الوفاء و كانت له تركة وجب عليه الوصيّة بها إلى ثقة مأمون ليؤدّيها بعد موته و هذه تخرج من أصل المال و إن لم يوص به.
(مسألة 817):إذا آجر نفسه لصلاة شهر مثلًا فشكّ في أن المستأجر عليه صلاة السفر أو الحضر،
و لم يمكن الاستعلام من المؤجر أيضاً، فالظاهر وجوب الاحتياط بالجمع، و كذا لو آجر نفسه لصلاة و شكّ في أنّها الصبح أو الظهر مثلًا وجب الإتيان بهما.
(مسألة 818):إذا علم أنّ على الميّت فوائت و لم يعلم أنّه أتى بها قبل موته أو لا
استؤجر عنه.
(مسألة 819):إذا آجر نفسه لصلاة أربع ركعات من الزوال في يوم معيّن إلى الغروب،
فأخّر حتّى بقي من الوقت مقدار أربع ركعات و لم يصلّ عصر ذلك اليوم فالظاهر لزوم تقديم صلاة الوقت.
(مسألة 820):الأحوط اشتراط عدالة الأجير،
و إن كان الأقوى كفاية الاطمئنان بإتيانه بالعمل و إن لم يكن عادلًا.
(مسألة 821):يشترط في الأجير أن يكون عمله صحيحاً
و لو من جهة عمله بالاحتياط، و لا يشترط كونه عارفاً بأجزاء الصلاة و شرائطها و منافياتها.
(مسألة 822):لا تفرغ ذمّة الميّت بمجرّد الاستئجار،
بل تتوقّف على الإتيان بالعمل صحيحاً. نعم، إذا علم بأصل الإتيان بالعمل و شكّ في صحّته فهو محكوم بالصحّة.
المبحث الثامن: صلاة الجماعة
و فيه فصول
الفصل الأوّل: استحبابها
تستحبّ الجماعة في جميع الفرائض غير صلاة الطواف، فإنّ الأحوط لزوماً عدم الاكتفاء فيها بالإتيان بها جماعة مؤتّماً، و يتأكّد الاستحباب في اليوميّة، خصوصاً في الأدائيّة، و خصوصاً في الصبح و العشائين، و لها ثواب عظيم، و قد ورد في الحثّ عليها و الذمّ على تركها أخبار كثيرة و مضامين عالية لم يرد مثلها في أكثر المستحبّات.
(مسألة 823):تجب الجماعة في الجمعة و العيدين مع اجتماع شرائط الوجوب،
و هي حينئذٍ شرط في صحّتها، و لا تجب بالأصل في غير ذلك. نعم، قد تجب بالعرض عقلًا، كما إذا ضاق الوقت عن إدراك ركعة إلّا بالائتمام، أو لعدم تعلّمه القراءة مع قدرته عليها على الأحوط فيه.
(مسألة 824):لا تشرع الجماعة لشيء من النوافل الأصليّة
و إن وجبت بالعارض لنذر أو نحوه، حتى صلاة الغدير على الأقوى، إلّا في صلاة الاستسقاء. نعم، لا بأس بها فيما صار نفلًا بالعرض، كصلاة العيدين مع عدم اجتماع شرائط الوجوب، و الصلاة المعادة جماعةً، و الفريضة المتبرّع بها عن الغير، و في المأتيّ بها من جهة الاحتياط الاستحبابي يجوز الاقتداء بمثلها و بالفريضة، و لكن لا يجوز الاقتداء في الفريضة بها كما سيأتي.
(مسألة 825):يجوز اقتداء من يصلّي إحدى الصلوات اليوميّة بمن يصلّي الأُخرى
و إن اختلفتا بالجهر و الإخفات، و الأداء و القضاء، و القصر و التمام، و لا
يجوز الاقتداء في صلاة الاحتياط، و كذا في الصلوات الاحتياطية كما في موارد العلم الإجمالي بوجوب القصر أو الإتمام، إلّا إذا اتّحدت الجهة الموجبة للاحتياط؛ كأن يعلم الشخصان إجمالًا بوجوب القصر أو الإتمام فيصلّيان جماعة قصراً أو تماماً، و كذا لا يجوز اقتداء مصلّي اليوميّة بمصلّي العيدين، أو الآيات، أو صلاة الأموات، و كذا لا يجوز العكس، و الأحوط ترك اقتداء مصلّي اليومية بمصلّي صلاة الطواف أو العكس.
(مسألة 826):أقلّ عدد تنعقد به الجماعة في غير الجمعة و العيدين اثنان،
أحدهما الإمام، و لو كان المأموم امرأة أو صبيّاً على الأقوى، و أمّا في الجمعة و العيدين فلا تنعقد إلّا بخمسةٍ أحدهم الإمام.
(مسألة 827):تنعقد الجماعة بنيّة المأموم للائتمام
و لو كان الإمام جاهلًا بذلك غير ناوٍ للإمامة، فإذا لم ينو المأموم لم تنعقد، و كذلك في الجمعة و العيدين، إلّا أنّ الفرق بينهما الجمعة و العيدين و بين غيرهما أنه يعتبر فيهما علم الإمام بصيرورة صلاته جماعة بالائتمام به مع نيّة، و لا يعتبر ذلك في غيرهما.
(مسألة 828):لا يجوز الاقتداء بالمأموم لإمام آخر،
و لا بشخصين و لو اقترنا في الأقوال و الأفعال، و لا بأحد شخصين على الترديد، و لا تنعقد الجماعة إن فعل ذلك، و يكفي الإجمالي، مثل أن ينوي الائتمام بإمام هذه الجماعة، أو بمن يسمع صوته و إن تردّد ذلك المعيّن بين شخصين.
(مسألة 829):إذا شكّ في أنّه نوى الائتمام أم لا
بنى على العدم و أتمّ منفرداً و إن علم أنّه قام بنيّة الدخول. نعم، لو ظهر عليه أحوال الائتمام كالإنصات بعنوان المأموميّة و كذا الاشتغال بشيء ممّا هو وظيفة المأموم فالأقوى عدم الالتفات و لحوق أحكام الجماعة.
(مسألة 830):إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان عمرواً،
فإن لم يكن
عمرو عادلًا بطلت جماعته، بل صلاته إذا وقع فيها ما يبطل الصلاة عمداً و سهواً، و إن كان عمرو عادلًا صحّت جماعته و صلاته.
(مسألة 831):إذا صلّى اثنان و عُلم بعد الفراغ أنّ نيّة كلّ منهما كانت الإمامة للآخر صحّت صلاتهما،
و إذا عُلم أنّ نيّة كلّ منهما كانت الائتمام بالآخر استأنف كلّ منهما الصلاة، حتّى و لو لم تكن الصلاة مخالفة لصلاة المنفرد على الأحوط.
(مسألة 832):لا يجوز نقل نيّة الائتمام من إمام إلى آخر اختياراً،
إلّا أن يعرض للإمام ما يمنعه من إتمام صلاته من موت، أو جنون، أو إغماء، أو حدث، أو تذكّر حدثٍ سابق على الصلاة، فيجوز للمأمومين تقديم إمام آخر و إتمام صلاتهم معه، و الأحوط اعتبار أن يكون الإمام الآخر منهم.
(مسألة 833):لا يجوز للمنفرد العدول
إلى الائتمام في الأثناء.
(مسألة 834):يجوز العدول عن الائتمام إلى الانفراد اختياراً
في جميع أحوال الصلاة على الأقوى و إن كان ذلك من نيّته في أوّل الصلاة، لكنّ الأحوط عدم العدول إلّا لضرورة و لو دنيويّة، خصوصاً في الصورة الثانية.
(مسألة 835):إذا نوى الانفراد في أثناء قراءة الإمام
فالأحوط وجوباً استئنافها، و كذا إذا كان بعد القراءة و قبل الركوع إذا كان الاقتداء في تلك الحال، بأن كانت نيّة الانفراد بعد نيّة الاقتداء بلا فصل.
(مسألة 836):إذا نوى الانفراد صار منفرداً
و لا يجوز له الرجوع إلى الائتمام حتّى و لو كان بعد نيّة الانفراد على الأحوط فيه، نعم لو تردّد في الانفراد و عدمه ثمّ عزم على عدم الانفراد صحّ.
(مسألة 837):إذا شكّ في أنّه عدل إلى الانفراد أو لا
بنى على العدم.
(مسألة 838):يعتبر في صحّة الجماعة قصد القربة من حيث الجماعة على الأحوط،
سواء بالنسبة للإمام أم المأموم.
(مسألة 839):تدرك الجماعة بالدخول في الصلاة من أوّل قيام الإمام للركعة إلى منتهى ركوعه،
فإذا دخل مع الإمام في حال قيامه قبل القراءة أو في أثنائها، أو بعدها قبل الركوع، أو في حال الركوع فقد أدرك الركعة، و يعتبر في إدراكه في الركوع أن يصل إلى حدّ الركوع قبل أن يرفع الإمام رأسه و لو كان بعد فراغه من الذكر على الأقوى، فلا يدركها إذا أدركه بعد رفع رأسه، بل و كذا لو وصل المأموم إلى الركوع بعد شروع الإمام في رفع الرأس و إن لم يخرج بعد عن حدّه على الأحوط.
(مسألة 840):إذا ركع بتخيّل إدراك الإمام راكعاً فتبيّن عدم إدراكه بطلت صلاته،
و كذا إذا شكّ في ذلك، و الأحوط في الصورتين الإتمام مع عدم الاعتداد بذلك الركوع و الإعادة، أو العدول إلى النافلة و الإتمام ثمّ اللحوق في الركعة الأُخرى.
(مسألة 841):الأحوط عدم الدخول إلّا مع الاطمئنان بإدراك ركوع الإمام
و إن كان الأقوى جوازه مع الاحتمال، و حينئذٍ فإن أدرك صحّت، و إلّا فيراعي الاحتياط المتقدّم.
(مسألة 842):إذا نوى و كبّر فرفع الإمام رأسه قبل أن يصل إلى حدّ الركوع
تخيّر بين الانفراد، أو انتظار الإمام قائماً إلى الركعة الأُخرى، فيجعلها الاولى له، إلّا إذا أبطأ الإمام بحيث يلزم الخروج عن صدق الاقتداء.
(مسألة 843):إذا أدرك الإمام و هو في التشهّد الأخير
يجوز له أن يكبّر للإحرام و يجلس معه و يتشهّد، فإذا سلّم الإمام قام لصلاته من غير حاجة إلى استئناف التكبير، و يحصل له بذلك فضل الجماعة و إن لم تحصل له ركعة. و كذا إذا أدركه في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة، و أراد إدراك فضل الجماعة نوى و كبّر و سجد معه السجدة أو السجدتين و تشهّد، ثمّ يقوم بعد تسليم الإمام