بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 205


إليه جمع كثير من أصحابه ، وفيهم زيد بن عدي بن حاتم ، فخرج عدي في طلب ابنه حتى انتهى إلى المدائن ، فلم يلحقه ، فأتى سعد بن مسعود الثقفي ، وكان سعد عامل علي على المدائن ، فأخذ حذره ، وتحاماه القوم .
وخرج عبد الله بن وهب الراسبي في جوف الليل ، والتأم إليه جميع أصحابه ، فصاروا جمعا كبيرا منهم ، فأخذوا على الأنبار ، وتبطنوا شط الفرات حتى عبروا من قبل ( دير العاقول ) فاستقبله عدي بن حاتم ، وهو منصرف إلى الكوفة ، فأراد عبد الله أخذه ، فمنعه منه عمرو بن مالك النبهاني وبشير بن يزيد البولاني ، وكانا من رؤساء الخوارج ، فاستخلف سعد بن مسعود على المدائن ابن أخيه ، المختار ابن أبي عبيد ، وخرج في طلب عبد الله بن وهب وأصحابه ، فلقيهم بكرخ بغداد مع مغيب الشمس ، وسعد في خمسمائة فارسي ، والخوارج ثلاثون رجلا ، فتناوشوا ساعة ، فقال أصحاب سعد لسعد : ( أيها الأمير ، ما تريد إلى قتال هؤلاء ، ولم يأتك فيهم أمر ؟ خل سبيلهم ، واكتب إلى أمير المؤمنين تعلمه أمرهم ) ، فمضى وتركهم .
وسار عبد الله بن وهب ، فمر ببغداد ، وأخذ دهاقينها بالمعابر ، وذلك قبل أن تبنى بغداد ، فأتاه الدهقان بها ، فعبر إلى أرض ( جوخى ) ثم مضى من هناك حتى انضم إلى أصحابه ، وهم بنهروان ، ووافاهم من كان على رأيهم من أهل البصرة ، وكانوا خمسمائة رجل .
( قتال الخوارج[2]) وكان على البصرة يومئذ عبد الله بن العباس ، فلما بلغه خروجهم وجه في طلبهم أبا الأسود الديلي في ألف فارس ، فلحقهم بجسر تستر ، وحال بينهم الليل ، ففاتوه

( 1 ) بلد في العراق واقعة بين بغداد وواسط ، وقد حدثت فيها الوقعة بين علي بن أبي طالب والخوارج سنة 658 م .
[2]كان في سنة 39 ه‌ ( 659 ) .


صفحه 206


وكانوا في جميع مسيرهم لا يلقون أحدا إلا قالوا له : ( ما تقول في الحكمين ؟ ) فإن تبرأ منهما تركوه ، وإن أبى قتلوه ثم أقبلوا حتى انتهوا إلى دجلة ، فعبروها من ناحية صريفين[1]حتى وافوا نهروان ، فكتب إليهم علي رضي الله عنه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن وهب الراسبي ويزيد بن الحصين ومن قبلهما ، سلام عليكم ، فإن الرجلين اللذين ارتضيناهما للحكومة خالفا كتاب الله ، واتبعا هواهما بغير هدى من الله ، فلما لم يعملا بالسنة ولم يحكما بالقرآن تبرأنا من حكمهما ، ونحن على أمرنا الأول ، فأقبلوا إلي رحمكم الله ، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم ، لنعود لمحاربتهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، وهو خير الحاكمين ) .
فلما وصل إليهم كتابه ، كتبوا إليه : ( أما بعد ، فإنك لم تغضب لربك ، ولكن غضبت لنفسك ، فإن شهدت على نفسك أنك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين ، واستأنفت التوبة والإيمان نظرنا فيما سألتنا من الرجوع إليك ، وإن تكن الأخرى ، فإننا ننابذك على سواء ، إن الله لا يهدي كيد الخائنين ) .
فلما قرأ علي كتابهم ، يئس منهم ، ورأى أن يدعهم على حالهم ، ويسير إلى الشام ، ليعاود معاوية الحرب ، فسار بالناس حتى عسكر بالنخيلة ، وقال لأصحابه :
( تأهبوا للمسير إلى أهل الشام ، فإني كاتب إلى جميع إخوانكم ليقدموا عليكم ، فإذا وافوا شخصنا إن شاء الله ) . ثم كتب كتابه إلى جميع عماله أن يخلفوا خلفاءهم على أعمالهم ، ويقدموا عليه ، وكتب إلى عبد الله بن عباس ، وكان على البصرة : ( أما بعد ، فإنا قد عسكرنا بالنخيلة ، وقد أزمعنا على المسير إلى عدونا ، إلى أهل الشام ، فأشخص إلي فيمن قبلك حين يأتيك كتابي والسلام ) . فقدم عليه عبد الله بن عباس في فرسان البصرة ، وكانوا زهاء سبعة آلاف رجل


[1]قرية من قرى الكوفة .


صفحه 207


فلما تهيأ للمسير أتاه عن الخوارج أخبار فظيعة ، من قتلهم عبد الله بن خباب وامرأته .
وذلك انهم لقوهما ، فقالوا لهما : ( أرضيتما بالحكمين ؟ ) قالا : ( نعم ) . فقتلوهما ، وقتلوا أم سنان الصيداوية ، واعتراضهم الناس يقتلونهم . فلما بلغه ذلك بعث إليهم الحارث بن مرة الفقعسي ليأتيه بخبرهم ، فأخذوه ، فقتلوه .
فلما بلغ الناس ذلك اجتمعوا إلى علي ، فقالوا : ( يا أمير المؤمنين ، أتدع هؤلاء على ضلالتهم وتسير ، فيفسدوا في الأرض ، ويعترضوا الناس بالسيف ؟ سر إليهم بالناس ، وأدعهم إلى الرجوع إلى الطاعة والجماعة ، فإن تابوا وقبلوا فإن الله يحب التوابين ، وإن أبوا فإذنهم بالحرب ، فإذا أرحت الأمة منهم سرت إلى الشام ) .
فنادى في الناس بالرحيل ، وسار حتى ورد عليهم نهروان ، فعسكر على فرسخ منهم ، وأرسل إليهم قيس بن سعد بن عبادة ، وأبا أيوب الأنصاري ، فأتياهم ، فقالا : ( عباد الله ، إنكم قد ارتكبتم أمرا عظيما باستعراضكم الناس تقتلونهم ، وشهادتكم علينا بالشرك ، والشرك ظلم عظيم ) .
فأجابهما عبد الله بن السخبر ، فقال : ( إليكما عنا ، فإن الحق قد أضاء لنا كالصبح ، ولسنا بمتابعيكم ولا راجعين إليكم ، أو تأتوا بمثل عمر بن الخطاب ) . فقال قيس بن سعد ( ما نعرفه فينا إلا علي بن أبي طالب فهل تعرفونه فيكم ) ؟ . قالا : ( لا ) . قال :
( فأنشدكم الله في أنفسكم أن تهلكوها ، فإني أرى الفتنة قد دخلت قلوبكم ) .
ثم تكلم أبو أيوب بنحو هذا ، فقالوا : ( يا أبا أيوب ، إنا إن بايعناكم اليوم حكمتم غدا آخر ) .
قال : ( فإنا ننشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما نأتي به في قابل ) . قالوا : ( إليكما عنا ، فقد نابذناكم على سواء .
فانصرفا إلى علي ، فأخبراه حتى وقف عليهم بحيث يسمعون كلامه ، فنادى :
( أيتها العصابة التي أخرجتها اللجاجة ، وصدها عن الحق الهوى ، فأصبحت


صفحه 208


في لبس وخطأ ، إني نذير لكم أن تتمادوا في ضلالتكم فتلفوا مصرعين من غير بينة من ربكم ولا برهان ، ألم تعلموا أني شرطت على الحكمين أن يحكما بما في كتاب الله ؟ وأخبرتكم أن طلب القوم الحكومة مكيدة ، فلما أبيتم إلا الحكومة شرطت عليهم أن يحييا ما أحيا القرآن ، ويميتا ما أمات القرآن ، فخالفا الكتاب والسنة ، وعملا بالهوى ، فنبذنا أمرهما ، ونحن على أمرنا الأول ، فأين يتاه بكم ، ومن أين أتيتم ؟ ) .
فقالوا : ( إنا كفرنا حين رضينا بالحكمين ، وقد تبنا إلى الله من ذلك ، فإن تبت كما تبنا فنحن معك ، وإلا فائذن بحرب ، فإنا منابذوك على سواء ) .
فقال لهم علي : ( أشهد على نفسي بالكفر . . ؟ ! لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين ) . ثم قال : ( ليخرج إلى رجل منكم ترضون به حتى أقول ويقول ، فإن وجبت على الحجة أقررت لكم وتبت إلى الله ، وإن وجبت عليكم فاتقوا الذي مردكم إليه ) .
فقالوا لعبد الله بن الكواء ، وكان من كبرائهم : ( أخرج إليه حتى تحاجه ) ، فخرج إليه .
فقال علي : ( هل رضيتم ؟ ) .
قالوا : ( نعم ) .
قال : ( اللهم اشهد ، فكفى بك شهيدا ) .
فقال علي رضي الله عنه : ( يا ابن الكواء ، ما الذي نقمتم علي بعد رضاكم بولايتي وجهادكم معي وطاعتكم لي ؟ فهلا برئتم مني يوم الجمل ؟ ) .
قال ابن الكواء : ( لم يكن هناك تحكيم ) .
فقال علي : يا ابن الكواء ، أنا أهدى أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ) .
قال ابن الكواء : ( بل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
قال : ( فما سمعت قول الله عز وجل : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ) .
أكان الله يشك انهم هم الكاذبون ؟ ) .


صفحه 209


قال : ( إن ذلك احتجاج عليهم ، وأنت شككت في نفسك حين رضيت بالحكمين ، فنحن أحرى أن نشك فيك ) .
قال : ( وإن الله تعالى يقول : فائتوا بكتاب من عند الله ، هو أهدى منهما ، اتبعه ) .
قال ابن الكواء : ( ذلك أيضا احتجاج منه عليهم ) .
فلم يزل علي عليه السلام يحاج ابن الكواء بهذا وشبهه ، فقال ابن الكواء :
أنت صادق في جميع ما تقول ، غير أنك كفرت حين حكمت الحكمين ) قال علي : ( ويحك يا ابن الكواء ، إني إنما حكمت أبا موسى وحده وحكم معاوية عمرا ) .
قال ابن الكواء : ( فإن أبا موسى كان كافرا ) .
فقال علي : ( ويحك ، متى كفر ، أحين بعثته أم حين حكم ؟ ) .
قال : ( لا ، بل حين حكم ) .
قال : ( أفلا ترى أني إنما بعثته مسلما ، فكفر في قولك بعد أن بعثته ؟
أرأيت لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من المسلمين إلى أناس من الكافرين ، ليدعوهم إلى الله ، فدعاهم إلى غيره ، هل كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك شئ ؟ ) .
قال : ( لا ) .
قال : ( ويحك ، فما كان علي أن ضل أبو موسى ؟ أفيحل لكم بضلالة أبي موسى أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم فتعترضوا بها الناس ؟ ) .
فلما سمع عظماء الخوارج ذلك قالوا لابن الكواء : ( انصرف ودع مخاطبة الرجل ) .
فانصرف إلى أصحابه ، وأبى القوم إلا التمادي في الغي .


صفحه 210


وأمر على بالنداء في الناس أن يأخذوا أهبة الحرب ، ثم عبى جنوده ، فولى الميمنة حجر بن عدي ، وولى الميسرة شبث بن ربعي ، وولى الخيل أبا أيوب الأنصاري ، وولى الرجالة أبا قتادة .
واستعد الخوارج فجعلوا على ميمنتهم يزيد بن حصين ، وعلى ميسرتهم شريح ابن أبي أوفى العبسي - وكان من نساكهم - وعلى الرجالة حرقوص بن زهير ، وعلى الخيل كلها عبد الله بن وهب .
ورفع علي راية ، وضم إليها ألفي رجل ، ونادى : ( من التجأ إلى هذه الراية فهو آمن ) .
ثم تواقف الفريقان ، فقال فروة بن نوفل الأشجعي - وكان من رؤساء الخوارج - لأصحابه : ( يا قوم ، والله ما ندري ، علام نقاتل عليا ، وليست لنا في قتله حجة ولا بيان ، يا قوم ، انصرفوا بنا حتى تنفذ لنا البصيرة في قتاله أو اتباعه ) .
فترك أصحابه في مواقفهم ، ومضى في خمسمائة رجل حتى أتى إلى البندنيجين[1]، وخرجت طائفة أخرى حتى لحقوا بالكوفة ، واستأمن إلى الراية منهم ألف رجل ، فلم يبق مع عبد الله بن وهب إلا أقل من أربعة آلاف رجل .
فقال علي لأصحابه : ( لا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم ) ، فتنادت الخوارج :
( لاحكم إلا الله ، وإن كره المشركون ) . ثم شدوا على أصحاب علي شدة رجل واحد ، فلم تثبت خيل علي لشدتهم ، وافترقت الخوارج فرقتين ، فرقة أخذت نحو الميمنة ، وفرقة أخرى نحو الميسرة .
وعطف عليهم أصحاب علي ، وحمل قيس بن معاوية البرجمي من أصحاب علي على شريح بن أبي أوفى ، فضربه بالسيف على ساقه ، فأبانها ، فجعل يقاتل برجل واحدة وهو يقول : ( الفحل يحمي شوله معقولا )[2]، فحمل عليه قيس ابن سعد فقتله ، وقتلت الخوارج كلها ربضة[3]واحدة .


[1]بلدة مشهورة في طرف النهروان من ناحية الجبل ، وهي من أعمال بغداد .
[2]عقل الفحل : ثنى وظيفه مع زراع وشدهما في وسط الذراع والشول : جمع شائل وهو الناقة اللاقح التي تشول بذنبها آية لقاحها .
[3]مقتل كل قوم قتلوا في بقعة واحدة .


صفحه 211


قال : وأمر علي بمن كان منهم ذا رمق أن يدفعوا إلى عشائرهم ، وأمر بأخذ ما كان في معسكرهم من سلاح ودواب ، فقسمه في أصحابه ، وأمر بما سوى ذلك ، فدفع إلى وراثهم .
فلما أراد علي الانصراف من النهروان قام في أصحابه ، فقال : ( أيها الناس ، إن الله قد نصركم على المارقين ، فتوجهوا من فوركم هذا إلى القاسطين ) يعني أهل الشام ، فقام إليه رجال من أصحابه ، فيهم الأشعث بن قيس ، فقالوا :
( يا أمير المؤمنين ، نفدت نبالنا ، وكلت سيوفنا ، ونصلت أسنة رماحنا ، فارجع بنا إلى مصرنا ، لنستعد بأحسن عدتنا ) .
فرحل بالناس حتى نزل النخيلة ، فعسكر بها ، فأقاموا أياما ، فجعلوا يتسللون إلى الكوفة ، فلم يبق معه في المعسكر إلا زهاء ألف رجل من الوجوه .
فلما رأى ذلك دخل الكوفة ، فأقام بها ، وسار فروة بن نوفل بمن كان معه إلى حلوان ، فجعل يجبي خراجها ويقسمه في أصحابه .
( نهاية علي بن أبي طالب ) قالوا ولما رأى علي رضي الله عنه تثاقل أصحابه أهل الكوفة عن المسير معه إلى قتال أهل الشام ، وانتهى إليه ورود خيل معاوية الأنبار ، وقتلهم مسلحة علي بها والغارة عليها ، كتب كتابا ، ودفعه إلى رجل ، وأمره أن يقرأه على الناس يوم الجمعة إذا فرغوا من الصلاة ، وكانت نسخته :
( بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى شيعته من أهل الكوفة ، سلام عليكم ، أما بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، من تركه ألبسه الله الذلة وشمله بالصغار ، وسيم الخسف وسيل[1]الضيم ، وإني قد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وجهارا ، وقلت لكم ، اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا واجترأ عليهم عدوهم ، هذا أخو بني عامر قد ورد الأنبار ، وقتل


[1]كذا في الأصل ، وفي روايات أخرى ( ومنع النصف ) .


صفحه 212


ابن حسان البكري ، وأزال مسالحكم عن مواضعها ، وقتل منكم رجالا صالحين ، وقد بلغني انهم كانوا يدخلون بيت المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة ( 1 ) فينزع حجلها ( 2 ) من رجلها ، وقلائدها من عنقها ، وقد انصرفوا موفورين ، ما كلم رجل منهم كلما ، فلو أن أحدا مات من هذا أسفا ما كان عندي ملوما ، بل كان جديرا ، يا عجبا من أمر يميت القلوب ، ويجتلب الهم ويسعر الأحزان من اجتماع القوم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم ، فبعدا لكم وسحقا ، قد صرتم غرضا ، ترمون ولا ترمون ، ويغار عليكم ولا تغيرون ، ويعصى الله فترضون ، إذا قلت لكم سيروا في الشتاء قلتم كيف نغزو في هذا القر والصر ( 3 ) وإن قلت لكم سيروا في الصيف قلتم حتى ينصرم عنا حمارة القيظ ، وكل هذا فرار من الموت ، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف أفر ، والذي نفسي بيده ، ما من ذلك تهربون ، ولكن من السيف تحيدون ، يا أشباه الرجال ولا رجال ، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال ، أما والله لوددت أن الله أخرجني من بين أظهركم وقبضني إلى رحمته من بينكم ، ووددت أن لم أركم ولم أعرفكم ، فقد والله ملأتم صدري غيظا ، وجرعتموني الأمرين أنفاسا ، وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان ، حتى قالت قريش :
إن ابن أبي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب . لله أبوهم ، هل كان فيهم رجل أشد لها مراسا وأطول مقاساة مني ؟ ولقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وها أنا ( ذا ) اليوم قد جنفت الستين . لا ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع ) .
فقام إليه الناس من كل ناحية ، فقالوا : ( سر بنا ، فوالله لا يتخلف عنك إلا ظنين ) .
فأمر الحارث الهمذاني بالنداء في الناس أن يصبحوا غدا في الرحبة ( 4 ) ، ولا يأتينا إلا صادق النية .
فلما أصبح صلى الغداة ، وأقبل إلى الرحبة ، فلم ير فيها إلا نحو من ثلاثمائة