بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 233


عاصيكم ومريبكم ، وأنا منته في ذلك إلى أمره ، وأنا لمطيعكم كالوالد الشفيق ، ولمخالفكم كالسم النقيع ، فلا يبقين أحد منكم إلا على نفسه ) .
ثم نزل ، فأتى القصر ، فنزله ، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام .
وبلغ مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد وانصراف النعمان ، وما كان من خطبة ابن زياد ووعيده ، فخاف على نفسه .
فخرج من الدار التي كان فيها بعد عتمة حتى أتى دار هانئ بن ورقة المذحجي ، وكان من أشراف أهل الكوفة ، فدخل داره الخارجة ، فأرسل إليه وكان في دار نسائه ، يسأله الخروج إليه ، فخرج إليه .
وقام مسلم ، فسلم عليه ، وقال :
( إني أتيتك لتجيرني وتضيفني ) .
فقال له هانئ :
( لقد كلفتني شططا بهذا الأمر ، ولولا دخولك منزلي لأحببت أن تنصرف عني ، غير أنه قد لزمني ذمام لذلك ) .
فأدخله دار نسائه ، وأفرد له ناحية منها .
وجعلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ .
وكان هانئ بن عروة مواصلا لشريك بن الأعور البصري الذي قام مع ابن زياد ، وكان ذا شرف بالبصرة وخطر ، فانطلق هانئ إليه حتى أتى به منزله ، وأنزله مع مسلم بن عقيل في الحجرة التي كان فيها .
وكان شريك من كبار الشيعة بالبصرة ، فكان يحث هانئا على القيام بأمر مسلم ، وجعل مسلم يبايع من أتاه من أهل الكوفة ، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق المؤكدة بالوفاء .
* * *


صفحه 234


ومرض شريك بن الأعور في منزل هانئ بن عروة مرضا شديدا ، وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد ، فأرسل إليه يعلمه أنه يأتيه عائدا .
فقال شريك لمسلم بن عقيل : ( إنما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية ، وقد أمكنك الله منه ، هو صائر إلى ليعودني ، فقم ، فادخل الخزانة حتى إذا اطمأن عندي ، فاخرج إليه ، فقاتله ، ثم صر إلى قصر الإمارة ، فاجلس فيه ، فإنه لا ينازعك فيه أحد من الناس ، وإن رزقني الله العافية صرت إلى البصرة ، فكفيتك أمرها ، وبايع لك أهلها ) .
فقال هانئ بن عروة : ( ما أحب أن يقتل في داري ابن زياد ) .
فقال له شريك : ( ولم ؟ فوالله إن قتله لقربان إلى الله ) .
ثم قال شريك لمسلم : ( لا تقصر في ذلك ) .
فبينما هم على ذلك إذ قيل لهم : ( الأمير بالباب ) .
فدخل مسلم بن عقيل الخزانة ، ودخل عبيد الله بن زياد على شريك ، فسلم عليه ، وقال :
( ما الذي تجد وتشكو ؟ ) .
فلما طال سؤاله إياه استبطأ شريك خروج مسلم ، وجعل يقول ، ويسمع مسلما :
ما تنظرون بسلمى عند فرصتها * فقد وفى ودها ، واستوسق الصرم[1]وجعل يردد ذلك .
فقال ابن زياد لهانئ : ( أيهجر ؟ ) - يعني يهذي - . قال هانئ : ( نعم ، أصلح الله الأمير ، لم يزل هكذا منذ أصبح ) .
ثم قام عبيد الله وخرج ، فخرج مسلم بن عقيل من الخزانة ، فقال شريك :
( ما الذي منعك منه إلا الجبن والفشل ؟ ) .


[1]استوسق الأمر إذا أمكن ، والصرم : الطائفة المجتمعة من القوم .


صفحه 235


قال مسلم : ( منعني منه خلتان : إحداهما كراهية هانئ لققله في منزله ، والأخرى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الإيمان قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن ) .
فقال شريك : ( أما والله لو قتلته لاستقام لك أمرك ، واستوسق لك سلطانك ) .
ولم يعش شريك بعد ذلك إلا أياما ، حتى توفي ، وشيع ابن زياد جنازته ، وتقدم فصلى عليه .
ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل في ستر ورفق .
* * * وخفي على عبيد الله بن زياد موضع مسلم بن عقيل ، فقال لمولى له من أهل الشام يسمى معقلا ، وناوله ثلاثة آلاف درهم في كيس ، وقال : ( خذ هذا المال ، وانطلق ، فالتمس مسلم بن عقيل ، وتأت له بغاية التأتي ) .
فانطلق الرجل حتى دخل المسجد الأعظم ، وجعل لا يدري كيف يتأتى الأمر ثم إنه نظر إلى رجل يكثر الصلاة إلى سارية من سواري المسجد ، فقال في نفسه : ( إن هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة ، وأحسب هذا منهم ) .
فجلس الرجل حتى إذا انفتل من صلاته قام ، فدنا منه ، وجلس ، فقال :
( جعلت فداك ، إني رجل من أهل الشام ، مولى لذي الكلاع ، وقد أنعم الله على بحب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحب من أحبهم ، ومعي هذه الثلاثة الآلاف[1]درهم ، أحب إيصالها إلى رجل منهم ، بلغني أنه قدم هذا المصر داعية للحسين بن علي عليه السلام ، فهل تدلني عليه لأوصل هذا المال إليه ؟
ليستعين به على بعض أموره ، ويضعه حيث أحب من شيعته ) .
قال له الرجل : وكيف قصدتني بالسؤال عن ذلك دون غيري ممن هو في المسجد ؟ ) .


[1]في الأصل : آلاف .


صفحه 236


قال : ( لأني رأيت عليك سيما الخير ، فرجوت أن تكون ممن يتولى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
قال له الرجل : ( ويحك ، قد وقعت على بعينك ، أنا رجل من إخوانك ، واسمي مسلم بن عوسجة ، وقد سررت بك ، وساءني ما كان من حسي قبلك ، فإني رجل من شيعة أهل هذا البيت ، خوفا من هذا الطاغية ابن زياد ، فأعطني ذمة الله وعهده أن تكتم هذا عن جميع الناس ) .
فأعطاه من ذلك ما أراد .
فقال له مسلم بن عوسجة : ( انصرف يومك هذا ، فإن كان غد فائتني في منزلي حتى أنطلق معك إلى صاحبنا - يعني مسلم بن عقيل - فأوصلك إليه ) .
فمضى الشامي ، فبات ليلته ، فلما أصبح غدا إلى مسلم بن عوسجة في منزله ، فانطلق به حتى أدخله إلى مسلم بن عقيل ، فأخبره بأمره ، ودفع إليه الشامي ذلك المال ، وبايعه .
فكان الشامي يغدو إلى مسلم بن عقيل ، فلا يحجب عنه ، فيكون نهاره كله عند ، فيتعرف جميع أخبارهم ، فإذا أمسى وأظلم عليه الليل دخل على عبيد الله ابن زياد ، فأخبره بجميع قصصهم ، وما قالوا وفعلوا في ذلك ، وأعلمه نزول مسلم في دار هانئ بن عروة .
* * * ثم إن محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة دخلا على ابن زياد مسلمين ، فقال لهما :
( ما فعل هانئ بن عروة ؟ ) .
فقالا : ( أيها الأمير ، إنه عليل منذ أيام ) .
فقال ابن زياد : ( وكيف ؟ وقد بلغني أنه يجلس على باب داره عامة نهاره ، فما يمنعه من إتياننا ، وما يجب عليه من حق التسليم ؟ ) .
قالا : ( سنعلمه ذلك ، ونخبره باستبطائك إياه ) .


صفحه 237


فخرجا من عنده ، وأقبلا حتى دخلا على هانئ بن عروة ، فأخبراه بما قال لهما ابن زياد ، وما قالا له ، ثم قالا له :
( أقسمنا عليك إلا قمت معنا إليه الساعة لتسل سخيمة[1]قلبه ) .
فدعا ببغلته ، فركبها ، ومضى معهما ، حتى إذا دنا من قصر الإمارة خبثت نفسه .
فقال لهما :
( إن قلبي قد أوجس من هذا الرجل خيفة ) .
قالا : ( ولم تحدث نفسك بالخوف وأنت برئ الساحة ؟ ) .
فمضى معهما حتى دخلوا على ابن زياد ، فأنشأ ابن زياد يقول متمثلا :
أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد قال هانئ : ( وما ذاك أيها الأمير ؟ ) . قال ابن زياد : ( وما يكون أعظم من مجيئك بمسلم بن عقيل ، وإدخالك إياه منزلك ، وجمعك له الرجال ليبايعوه ؟ ) .
فقال هانئ : ( ما فعلت ، وما أعرف من هذا شيئا ) .
فدعا ابن زياد بالشامي ، وقال : ( يا غلام ، ادع لي معقلا ) .
فدخل عليهم .
فقال ابن زياد لهانئ بن عروة : ( أتعرف هذا ؟ ) .
فلما رآه علم أنه إنما كان عينا عليهم .
فقال هانئ : ( أصدقك والله أيها الأمير ، إني والله ما دعوت مسلم بن عقيل ، وما شعرت به ) . ثم قص عليه قصته على وجهها .
ثم قال : ( فأما الآن فأنا مخرجة من داري لينطلق حيث يشاء ، وأعطيك عهدا وثيقا أن أرجع إليك ) .


[1]السخيمة : الحقد والضغينة والموجدة في النفس .


صفحه 238


قال ابن زياد : ( لا والله ، لا تفارقني حتى تأتيني به ) .
فقال هانئ : ( أو يجمل بي أن أسلم ضيفي وجاري للقتل ؟ والله لا أفعل ذلك أبدا ) .
فاعترضه ابن زياد بالخيزرانة ، فضرب وجهه ، وهشم أنفه ، وكسر حاجبه ، وأمر به ، فأدخل بيتا .
وبلغ مذحجا أن ابن زياد قد قتل هانئا ، فاجتمعوا بباب القصر ، وصاحوا .
فقال ابن زياد لشريح القاضي - وكان عنده - : ( ادخل إلى صاحبهم ، فانظر إليه ، ثم اخرج إليهم ، فأعلمهم أنه حي ) . ففعل .
فقال لهم سيدهم عمرو بن الحجاج : ( أما إذ كان صاحبكم حيا فما يعجلكم الفتنة ؟ انصرفوا ) . فانصرفوا .
فلما علم ابن زياد انهم قد انصرفوا أمر بهانئ ، فأتي به السوق ، فضربت عنقه هناك .
* * * ولما بلغ مسلم بن عقيل قتل هانئ بن عروة نادى فيمن كان بايعه ، فاجتمعوا ، فعقد لعبد الرحمن بن كريز الكندي على كندة وربيعة ، وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج وأسد ، وعقد لأبي ثمامة الصيداوي على تميم وهمدان ، وعقد للعباس بن جعدة بن هبيرة على قريش والأنصار ، فتقدموا جميعا حتى أحاطوا بالقصر ، واتبعهم هو في بقية الناس .
وتحصن عبيد الله بن زياد في القصر مع من حضر مجلسه في ذلك اليوم من أشراف أهل الكوفة والأعوان والشرط ، وكانوا مقدار مائتي رجل ، فقاموا على سور القصر يرمون القوم بالمدر[1]والنشاب ، ويمنعونهم من الدنو من القصر ، فلم يزالوا بذلك حتى أمسوا .


[1]رماح كانت تركب فيها القرون المحددة مكان الأسنة .


صفحه 239


وقال عبيد الله بن زياد لمن كان عنده من أشراف أهل الكوفة : ليشرف كل رجل منكم في ناحية من السور ، فخوفوا القوم .
فأشرف كثير بن شهاب ، ومحمد بن الأشعث ، والقمقاع بن شور ، وشبث ابن ربعي ، وحجار بن أبجر ، وشمر بن ذي الجوشن ، فتنادوا : ( يا أهل الكوفة ، اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة ، ولا تشقوا عصا هذه الأمة ، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام ، فقد ذقتموهم ، وجربتم شوكتهم ) .
فلما سمع أصحاب مسلم مقالتهم فتروا بعض الفتور .
وكان الرجل من أهل الكوفة يأتي ابنه ، وأخاه ، وابن عمه فيقول : انصرف ، فإن الناس يكفونك . وتجئ المرأة إلى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلق به حتى يرجع .
فصلى مسلم العشاء في المسجد ، وما معه إلا زهاء ثلاثين رجلا .
فلما رأى ذلك مضى منصرفا ماشيا ، ومشوا معه ، فأخذ نحو كندة ، فلما مضى قليلا التفت فلم ير منهم أحدا ، ولم يصب إنسانا يدله على الطريق ، فمضى هائما على وجهه في ظلمة الليل حتى دخل على كندة .
فإذا امرأة قائمة على باب دارها تنتظر ابنها - وكانت ممن خف مع مسلم - فآوته وأدخلته بيتها ، وجاء ابنها ، فقال : من هذا في الدار ؟
فأعلمته ، وأمرته بالكتمان .
* * * ثم إن ابن زياد لما فقد الأصوات ظن أن القوم دخلوا المسجد ، فقال : انظروا ، هل ترون في المسجد أحدا ؟ - وكان المسجد مع القصر - .
فنظروا فلم يروا أحدا ، وجعلوا يشعلون ( أطناب ) القصب[1]، ثم يقذفون بها في رحبة المسجد ليضئ لهم ، فتبينوا ، فلم يروا أحدا .
فقال ابن زياد : إن القوم قد خذلوا ، وأسلموا مسلما .
وانصرفوا .


[1]أطناب القصب : عروقه التي تتشعب من أرومته . وفي الأصل أطناب والصواب ما ذكر .


صفحه 240


فخرج فيمن كان معه ، وجلس في المسجد ، ووضعت الشموع والقناديل ، وأمر مناديا فنادى بالكوفة ( ألا برئت الذمة من رجل من العرفاء والشرط والحرس لم يحضر المسجد ) .
فاجتمع الناس ، ثم قال : ( يا حصين بن نمير - وكان على الشرطة - ثكلتك أمك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة ، فإذا أصبحت فاستقر الدور ، دارا ، دارا ، حتى تقع عليه .
وصلى ابن زياد العشاء في المسجد ، ثم دخل القصر .
فلما أصبح جلس للناس ، فدخلوا عليه ، ودخل في أوائلهم محمد بن الأشعث ، فأقعده معه على سريره .
وأقبل ابن تلك المرأة التي مسلم في بيتها إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث - وهو حينئذ غلام حين راهق - فأخبره بمكان مسلم عنده .
فأقبل عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث ، وهو جالس مع ابن زياد ، فأسر إليه الخبر .
فقال ابن زياد : ( ما سار به ابنك ؟
قال : ( أخبرني أن مسلم بن عقيل في بعض دورنا ) .
فقال : ( انطلق ، فأتني به الساعة ) .
وقال لعبيد بن حريث : ( ابعث مائة رجل من قريش ) وكره أن يبعث إليه غير قريش من العصبية أن تقع .
فأقبلوا حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل ، ففتحوها ، فقاتلهم ، فرمى ، فكسر فوه ، وأخذ ، فأتي ببغلة فركبها ، وصاروا به إلى ابن زياد .
( قتل مسلم بن عقيل ) فلما أدخل عليه ، وقد اكتنفه الجلاوزة قالوا له : ( سلم على الأمير ) .
قال : ( إن كان الأمير يريد قتلي ، فما أنتفع بسلام عليه ، وإن كان لم يرد فسيكثر عليه سلامي ) .