( خروج الحسين إلى الكوفة ) وخرج الحسين بن علي عليه السلام من مكة في ذلك اليوم .
ثم إن ابن زياد وجه بالحصين بن نمير - وكان على شرطه - في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة ، وأمره أن يقيم بالقادسية[1]إلى القطقطانة[2]، فيمنع من أراد النفوذ من ناحية الكوفة إلى الحجاز ألا من كان حاجا أو معتمرا ومن لا يتهم بممالاة الحسين .
قالوا : ولما ورد كتاب مسلم بن عقيل على الحسين عليه السلام :
( أن الرائد لا يكذب أهله ، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل ، فاقدم ، فإن جميع الناس معك ، ولا رأي لهم في آل أبي سفيان ) .
فلما عزم على الخروج ، وأخذ في الجهاز بلغ ذلك عبد الله بن عباس ، فأقبل حتى دخل على الحسين ، رضي الله عنه ، فقال :
يا ابن عم ، قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق .
قال الحسين : أنا على ذلك .
قال عبد الله : أعيذك بالله يا بن عم من ذلك .
قال الحسين : قد عزمت ، ولا بد من المسير .
قال له عبد الله : أتسير إلى قوم طردوا أميرهم عنهم ، وضبطوا بلادهم ؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم ، وإن كانوا إنما يدعونك إليهم ، وأميرهم عليهم ، وعماله يجبونهم ، فإنهم إنما يدعونك إلى الحرب ، ولا آمنهم أن يخذلوك كما خذلوا أباك وأخاك .
قال الحسين : يا بن عم ، سأنظر فيما قلت .
[1]قرية بين الكوفة وعذيب في قضاء الديوانية .
[2]موضع بقرب الكوفة . ( 3 ) الرائد هو الذي يتقد القوم يبصر لهم الكلأ ومساقط الغيث .
وبلغ عبد الله بن الزبير ما يهم به الحسين ، فأقبل حتى دخل عليه ، فقال له :
لو أقمت بهذا الحرم ، وبثثت رسلك في البلدان ، وكتبت إلى شيعتك بالعراق أن يقدموا عليك ، فإذا قوي أمرك نفيت عمال يزيد عن هذا البلد ، وعلي لك المكانفة والمؤازرة ، وإن عملت بمشورتي طلبت هذا الأمر بهذا الحرم ، فإنه مجمع أهل الآفاق ، ومورد أهل الأقطار لم يعدمك بإذن الله إدراك ما تريد ، ورجوت أن تناله .
قالوا : ولما كان في اليوم الثالث عاد عبد الله بن عباس إلى الحسين ، فقال له :
- يا بن عم لا تقرب أهل الكوفة ، فإنهم قوم غدرة ، وأقم بهذه البلدة ، فإنك سيد أهلها ، فإن أبيت فسر إلى أرض اليمن ، فإن بها حصونا وشعابا ، وهي أرض طويلة عريضة ، ولأبيك فيها شيعة ، فتكون عن الناس في عزلة ، وتبث دعاتك في الآفاق ، فإني أرجو إن فعلت ذلك أتاك الذي تحب في عافية .
قال الحسين عليه السلام : يا بن عم ، والله إني لأعلم أنك ناصح مشفق ، غير أني قد عزمت على الخروج .
قال ابن عباس : فإن كنت لا محالة سائرا ، فلا تخرج النساء والصبيان ، فإني لا آمن أن تقتل كما قتل ابن عفان ، وصبيته ينظرون إليه .
قال الحسين : عم ، ما أرى إلا الخروج بالأهل والولد .
فخرج ابن عباس من عند الحسين فمر بابن الزبير ، وهو جالس ، فقال له :
قرت عينك يا بن الزبير بخروج الحسين .
ثم تمثل :
خلالك الجو ، فبيضي واصفري * ونقري ، ما شئت أن تنقري قالوا : ولما خرج الحسين من مكة اعترضه صاحب شرطة أميرها ، عمرو بن سعيد ابن العاص في جماعة من الجند ، فقال : إن الأمير يأمرك بالانصراف ، فانصرف ، وإلا منعتك .
فامتنع عليه الحسين ، وتدافع الفريقان ، واضطربوا بالسياط .
وبلغ ذلك عمرو بن سعيد ، فخاف أن يتفاقم الأمر ، فأرسل إلى صاحب شرطه ، يأمره بالانصراف .
قالوا ( ولما فصل الحسين بن علي من مكة سائرا ، وقد وصل إلى التنعيم[1]لحق عيرا مقبلة من اليمن ، عليهما ورس ( 2 ) . وحناء ، ينطلق به إلى يزيد بن معاوية ، فأخذها وما عليها .
وقال لأصحاب الإبل : من أحب منكم أن يسير معنا إلى العراق أوفيناه كراه ، وأحسنا صحبته ، ومن أحب أن يفارقنا من هاهنا أعطيناه من الكرى ( 3 ) بقدر ما قطع من الأرض ) .
ففارقه قوم ، ومضى معه آخرون .
ثم سار حتى إذا انتهى إلى الصفاح ( 4 ) لقيه هناك الفرزدق الشاعر مقبلا من العراق ، يريد مكة ، فسلم على الحسين .
فقال له الحسين : كيف خلفت الناس بالعراق ؟
قال : خلفتهم ، وقلوبهم معك ، وسيوفهم عليك .
ثم ودعه .
ومضى الحسين عليه السلام حتى إذا صار ببطن الرمة ( 5 ) كتب إلى أهل الكوفة .
( بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين بالكوفة ) ، سلام عليكم ، أما بعد ، فإن كتاب مسلم بن عقيل ورد على باجتماعكم لي ، وتشوفكم إلى قدومي ، وما أنتم عليه منطوون من نصرنا ، والطلب بحقنا ، فأحسن الله لنا ولكم الصنيع ، وأثابكم على ذلك بأفضل الذخر ، وكتابي إليكم من بطن الرمة ، وأنا قادم عليكم ، وحثيث السير إليكم ، والسلام ) .
[1]مكان بين مكة والمدينة بالقرب من مكة . ( 3 ) الورس : نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغمرة للوجه . ( 3 ) الأجر ( 4 ) موضع بين حنين وأنصاب الحرم يسره الداخل إلى مكة ، وصفاح نعمان جبال بين مكة والطائف . ( 5 ) قاع عظيم بنجد تصب فيه جماعة أودية .
ثم بعث بالكتاب مع قيس بن مسهر ، فسار حتى وافى القادسية[1].
فأخذه حصين بن نمير ، وبعث به إلى ابن زياد ، فلما أدخل عليه أغلظ لعبيد الله ، فأمر به أن يطرح من أعلى سور القصر إلى الرحبة ، فطرح ، فمات .
وسار الحسين عليه السلام من بطن الرمة[2]، فلقيه عبد الله بن مطيع ، وهو منصرف من العراق ، فسلم على الحسين ، وقال له :
بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله ، ما أخرجك من حرم الله وحرم جدك ؟
فقال : إن أهل الكوفة كتبوا إلي يسألونني أن أقدم عليهم لما رجوا من إحياء معالم الحق ، وإماتة البدع .
قال له ابن مطيع : أنشدك الله أن ( لا ) تأتي الكوفة ، فوالله لئن أتيتها لتقتلن .
فقال الحسين عليه السلام : ( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) .
ثم ودعه ومضى .
ثم سار حتى انتهى إلى زرود[3]، فنظر إلى فسطاط[4]مضروب ، فسأل عنه ، فقيل له : هو لزهير بن القين .
وكان حاجا أقبل من مكة يريد الكوفة .
فأرسل إليه الحسين ، أن القني أكلمك .
فأبى أن يلقاه .
وكانت مع زهير زوجته ، فقالت له : سبحان الله ، يبعث إليك ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تجيبه .
فقام يمشي إلى الحسين عليه السلام ، فلم يلبث أن انصرف ، وقد أشرق وجهه ،
[1]القادسية ، قرية قرب الكوفة من جهة البرية ، بينها وبين العذيب أربعة أميال ، وعندها كانت الواقعة الكبرى بين المسلمين والفرس ، وقد فتحت بلادهم على المسلمين .
[2]بطن الرمة : منزل لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة ، بها يجتمع أهل البصرة والكوفة .
[3]موضع بطريق مكة بعد الرمل .
[4]الفسطاط : بيت من الشعر .
فأمر بفسطاطه فقلع ، وضرب إلى لزق فسطاط الحسين .
ثم قال لامرأته : أنت طالق ، فتقدمي مع أخيك حتى تصلي إلى منزلك ، فإني قد وطنت نفسي على الموت مع الحسين عليه السلام .
ثم قال لمن كان معه من أصحابه : من أحب منكم الشهادة فليقم ، ومن كرهها فليتقدم .
فلم يقم معه منهم أحد ، وخرجوا مع المرأة وأخيها حتى لحقوا بالكوفة .
* * * قالوا : ولما رحل الحسين من زرود تلقاه رجل من بني أسد ، فسأله عن الخبر .
فقال : لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل ، وهانئ بن عروة ، ورأيت الصبيان يجرون بأرجلهما .
فقال : إنا لله ، وإنا إليه راجعون ، عند الله نحتسب أنفسنا .
فقال له : أنشدك الله يا بن رسول الله في نفسك ، وأنفس أهل بيتك ، هؤلاء الذين نراهم معك ، انصرف إلى موضعك ، ودع المسير إلى الكوفة ، فوالله ما لك بها ناصر .
فقال بنو عقيل - وكانوا معه - : ما لنا في العيش بعد أخينا مسلم حاجة ، ولسنا براجعين حتى نموت .
فقال الحسين : ( فما خير في العيش بعد هؤلاء ) ، وسار .
فلما وافى زبالة[1]وافاه بها رسول محمد بن الأشعث ، وعمر بن سعد بما كان سأله مسلم أن يكتب به إليه من أمره ، وخذلان أهل الكوفة إياه ، بعد أن بايعوه ، وقد كان مسلم سأل محمد بن الأشعث ذلك .
[1]موضع بطريق مكة ، وبها بركتان ، قال الشماخ : وراحت رواحا من زرود فنازعت زبالة جلبابا من الليل أخضرا
فلما قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر ، وأفظعه مسلم بن عقيل ، وهانئ ابن عروة .
ثم أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر رسوله الذي وجهه من بطن الرمة .
وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق ، فلما سمعوا خبر مسلم ، وقد كانوا ظنوا أنه يقدم على أنصار وعضد تفرقوا عنه ، ولم يبق معه إلا خاصته .
فسار حتى انتهى إلى بطن العقيق[1]، فلقيه رجل من بني عكرمة ، فسلم عليه ، وأخبره بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية إلى العذيب[2]رصدا له .
ثم قال له : ( انصرف بنفسي أنت ، فوالله ما تسير إلا إلى الأسنة والسيوف ، ولا تتكلن على الذين كتبوا لك ، فإن أولئك أول الناس مبادرة إلى حربك ) .
فقال له الحسين : ( قد ناصحت وبالغت ، فجزيت خيرا ) .
ثم سلم عليه ، ومضى حتى نزل بشراة[3]بات بها ، ثم ارتحل وسار .
فلما انتصف النهار ، واشتدت الحر ، وكان ذلك في القيظ ، تراءت لهم الخيل .
فقال الحسين لزهير بن القين :
أما هاهنا مكان يلجأ إليه ، أو شرف ، نجعله خلف ظهورنا ، ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ ) ) .
قال له زهير : بلى ، هذا جبل ذي جشم ، يسره عنك ، فمل بنا إليه ، فإن سبقت إليه فهو كما تحب .
فسار حتى سبق إليه ، وجعل ذلك الجبل وراء ظهره .
[1]موضع بالقرب من ذات عرق قبلها بمرحلة ، وذات عرق منزل معروف من منازل الحاج ، ويحرم أهل العراق بالحج منه .
[2]ماء لبني تميم على مرحلة من الكوفة ، سمى بذلك لأنه طرف أرض العرب .
[3]مرتفع من الأرض بالقرب من عسفان .
وأقبلت الخيل ، وكانوا ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ، ثم اليربوعي ، حتى إذا دنوا أمر الحسين عليه السلام فتيانه أن يستقبلوهم بالماء ، فشربوا ، وتغمرت خيلهم ، ثم جلسوا جميعا في ظل خيولهم ، وأعنتها في أيديهم حتى إذا حضرت الظهر قال الحسين عليه السلام للحر : أتصلي معنا ، أم تصلي بأصحابك وأصلي بأصحابي ؟
قال الحر : ( بل نصلي جميعا بصلاتك ) .
فتقدم الحسين عليه السلام ، فصلى بهم جميعا .
فلما انفتل من صلاته حول وجهه إلى القوم ، ثم قال :
( أيها الناس ، معذرة إلى الله ، ثم إليكم ، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ، وقدمت على رسلكم ، فإن أعطيتموني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم دخلنا معكم مصركم ، وإن تكن الأخرى انصرفت من حيث جئت ) .
فأسكت القوم ، فلم يردوا عليه ، حتى إذا جاء وقت العصر نادى مؤذن الحسين ، ثم أقام ، وتقدم الحسين عليه السلام ، فصلى بالفريقين ، ثم انفتل إليهم ، فأعاد مثل القول الأول .
فقال الحر بن يزيد : ( والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر ) .
فقال الحسين عليه السلام : ( ايتني بالخرجين[1]اللذين فيهما كتبهم ) .
فأتي بخرجين مملوءين كتبا ، فنثرت بين يدي الحر وأصحابه ، فقال له الحر :
( يا هذا ، لسنا ممن كتب إليك شيئا من هذه الكتب ، وقد أمرنا ألا نفارقك إذا لقيناك أو نقدم بك الكوفة على الأمير عبيد الله بن زياد ) .
فقال الحسين عليه السلام : ( الموت دون ذلك ) .
[1]وعاء معروف ذو جانبين . )
ثم أمر بأثقاله ، فحملت ، وأمر أصحابه ، فركبوا ، ثم ولى وجهه منصرفا نحو الحجاز ، فحال القوم بينه وبين ذلك .
فقال الحسين للحر : ما الذي تريد ؟
قال : أريد والله إن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد .
قال الحسين : إذن والله أنابذك الحرب .
فلما كثر الجدال بينهما قال الحر : ( إني لم أومر بقتالك ، وإنما أمرت ألا أفارقك ، وقد رأيت رأيا فيه السلامة من حربك ، وهو أن تجعل بيني وبينك طريقا ، لا تدخلك الكوفة ، ولا تردك إلى الحجاز ، تكون نصفا بيني وبينك حتى يأتينا رأي الأمير ) .
قال الحسين : ( فخذ هاهنا ، فأخذ متياسرا من طريق العذيب[1]، ومن ذلك المكان إلى العذيب ثمانية وثلاثون ميلا ) .
فسارا جميعا حتى انتهوا إلى عذيب الحمامات ، فنزلوا جميعا ، وكل فريق منهما على غلوة[2]من الآخر .
* * * ثم ارتحل الحسين من موضعه ذلك متيامنا عن طريق الكوفة حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل ، فنزلوا جميعا هناك ، فنظر الحسين إلى فسطاط مضروب ، فسأل عنه ، فأخبر أنه لعبيد الله بن الحر الجعفي ، وكان من أشراف أهل الكوفة ، وفرسانهم .
فأرسل الحسين إليه بعض مواليه يأمره بالمصير إليه ، فأتاه الرسول ، فقال :
- هذا الحسين بن علي يسألك أن تصير إليه .
فقال عبيد الله : والله ما خرجت من الكوفة إلا لكثرة من رأيته خرج لمحاربته
[1]العذيب : تصغير العذب ، ماء على يمين القادسية ، بينه وبين القادسية أربعة أميال ، منه إلى مفازة القرون في طريق مكة .
[2]الغلوة قدر رمية بسهم .