بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 253


قالوا له : كربلاء .
قال : ذات كرب وبلاء ، ولقد مر أبي بهذا المكان عند مسيرة إلى صفين ، وأنا معه ، فوقف ، فسأل عنه ، فأخبر باسمه ، فقال : ( هاهنا محط ركابهم ، وهاهنا مهراق دمائهم ) ، فسئل عن ذلك ، فقال : ( ثقل لآل بيت محمد ، ينزلون هاهنا ) .
ثم أمر الحسين بأثقاله ، فحطت بذلك المكان يوم الأربعاء غرة المحرم من سنة إحدى وستين[1]، وقتل بعد ذلك بعشرة أيام ، وكان قتله يوم عاشوراء .
فلما كان اليوم الثاني من نزوله كربلاء وافاه عمر بن سعد في أربعة آلاف فارس .
وكانت قصة خروج عمر بن سعد ، أن عبيد الله بن زياد ولاه الري وثغر دستبي[2]والديلم ، وكتب له عهدا عليها ، فعسكر للمسير إليها ، فحدث أمر الحسين ، فأمره ابن زياد أن يسير إلى محاربة الحسين ، فإذا فرغ منه سار إلى ولايته .
فتلكأ عمر بن سعد على ابن زياد ، وكره محاربة الحسين .
فقال له ابن زياد : ( فأردد علينا عهدنا ) .
قال : ( فأسير إذن ) .
فسار في أصحابه أولئك الذين ندبوا معه إلى الري ودستبي ، حتى وافى الحسين ، وانضم إليه الحر بن يزيد فيمن معه .
ثم قال عمر بن سعد لقره بن سفيان الحنظلي ( انطلق إلى الحسين ، فسله ما أقدمك ) . فأتاه ، فأبلغه .
فقال الحسين : ( أبلغه عني أن أهل هذا المصر كتبوا إلي يذكرون أن لا إمام لهم ، ويسألونني القدوم عليهم ، فوثقت بهم ، فغدروا بي ، بعد أن بايعني منهم ثمانية عشر ألف رجل ، فلما دنوت ، فعلمت غرور ما كتبوا به إلي أردت الانصراف إلى حيث


[1]اكتوبر 685
[2]كورة كبيرة ، كانت مشتركة بين الري وهمذان ، فقسمت كورتين ، وتشتمل على قريب تسعين قرية .


صفحه 254


منه أقبلت ، فمنعني الحر بن يزيد ، وسار حتى جعجع بي في هذا المكان ، ولي بك قرابة قريبة ، ورحم ماسة ، فأطلقني حتى انصرف .
فرجع قرة إلى عمر بن سعد بجواب الحسين بن علي .
فقال عمر : ( الحمد لله ، والله إني لأرجو أن أعفى من محاربة الحسين ) .
ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بذلك .
فلما وصل كتابه إلى ابن زياد كتب إليه في جوابه :
( قد فهمت كتابك ، فأعرض على الحسين البيعة ليزيد ، فإذا بايع في جميع من معه ، فأعلمني ذلك ليأتيك رأيي ) .
فلما انتهى كتابه إلى عمر بن سعد قال : ما أحسب ابن زياد يريد العافية .
فأرسل عمر بن سعد بكتاب ابن زياد إلى الحسين ، فقال الحسين للرسول :
( لا أجيب ابن زياد إلى ذلك أبدا ، فهل هو إلا الموت ، فمرحبا به ) .
فكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بذلك ، فغضب ، فخرج بجميع أصحابه إلى النخيلة[1].
ثم وجه الحصين بن نمير ، وحجار بن أبجر ، وشبث بن ربعي ، وشمر ابن ذي الجوشن ، ليعاونوا عمر بن سعد على أمره .
فأما شمر فنفذ لما وجهه له ، وأما شبث فاعتل بمرض .
فقال له ابن زياد : أتتمارض ؟ إن كنت في طاعتنا فاخرج إلى قتال عدونا .
فلما سمع شبث ذلك خرج ، ووجه أيضا الحارث بن يزيد بن رويم .
قالوا : ( وكان ابن زياد إذا وجه الرجل إلى قتال الحسين في الجمع الكثير ، يصلون إلى كربلاء ، ولم يبق منهم إلا القليل ، كانوا يكرهون قتال الحسين ، فيرتدعون ، ويتخلفون .
فبعث ابن زياد سويد بن عبد الرحمن المنقري في خيل إلى الكوفة ، وأمره أن يطوف بها ، فمن وجده قد تخلف أتاه به .


[1]موضع قرب الكوفة على سمت الشام .


صفحه 255


فبنيا هو يطوف في أحياء الكوفة إذ وجد رجلا من أهل الشام قد كان قدم الكوفة في طلب ميراث له ، فأرسل به إلى ابن زياد ، فأمر به ، فضربت عنقه .
فلما رأى الناس ذلك خرجوا .
قالوا : وورد كتاب ابن زياد على عمر بن سعد ، أن أمنع الحسين وأصحابه الماء ، فلا يذوقوا منه حسوة[1]كما فعلوا بالتقي عثمان بن عفان .
فلما ورد على عمر بن سعد ذلك أمر عمرو بن الحجاج أن يسير في خمسمائة راكب ، فينيخ على الشريعة ، ويحولوا بين الحسين وأصحابه ، وبين الماء ، وذلك قبل مقتله بثلاثة أيام ، فمكث أصحاب الحسين عطاشى .
قالوا : ولما اشتد بالحسين وأصحابه العطش أمر أخاه العباس بن علي - وكانت أمه من بني عامر بن صعصعة - أن يمضي في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ، مع كل رجل قربة حتى يأتوا الماء ، فيحاربوا من حال بينهم وبينه .
فمضى العباس نحو الماء وأمامهم نافع بن هلال حتى دنوا من الشريعة ، فمنعهم عمرو بن الحجاج ، فجالدهم العباس على الشريعة بمن معه حتى أزالوهم عنها ، واقتحم رجالة الحسين الماء ، فملأوا قربهم ، ووقف العباس في أصحابه يذبون عنهم حتى أوصلوا الماء إلى عسكر الحسين .
* * * ثم إن ابن زياد كتب إلى عمر بن سعد :
أما بعد ، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتطاوله الأيام ، ولا لتمنيه السلامة والبقاء ، ولا لتكون شفيعه إلي ، فاعرض عليه ، وعلى أصحابه النزول على حكمي ، فإن أجابوك فابعث به وبأصحابه إلي ، وإن أبوا فازحف إليه ، فإنه عاق شاق ، فإن لم تفعل فاعتزل جندنا ، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنا قد أمرناك بأمرنا .
فنادى عمر بن سعد في أصحابه أن انهدوا إلى القوم .


[1]الحسوة بالضم الجرعة بقدر ما يحس مرة واحدة .


صفحه 256


فنهض إليهم عشية الخميس وليلة الجمعة لتسع ليال خلون من المحرم ، فسألهم الحسين تأخير الحرب إلى غد ، فأجابوه .
قالوا : وأمر الحسين أصحابه أن يضموا مضاربهم بعضهم من بعض ، ويكونوا أمام البيوت ، وأن يحفروا من وراء البيوت أخدودا ، وأن يضرموا فيه حطبا وقصبا كثيرا ، لئلا يؤتوا من إدبار البيوت ، فيدخلوها .
قالوا : ولما صلى عمر بن سعد الغداة نهد بأصحابه ، وعلى ميمنته عمرو بن الحجاج ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن - واسم شمر شرحبيل بن عمرو بن معاوية ، من آل الوحيد ، من بني عامر بن صعصعة وعلى الخيل عروة بن قيس ، وعلى الرجالة شبث ابن ربعي ، والراية بيد زيد مولى عمر بن سعد .
* * * وعبى الحسين عليه السلام أيضا أصحابه ، وكانوا اثنين وثلاثين فارسا وأربعين راجلا ، فجعل زهير بن القين على ميمنته ، وحبيب بن مظهر على ميسرته ، ودفع الراية إلى أخيه العباس بن علي ، ثم وقف ، ووقفوا معه أمام البيوت .
وانحاز الحر بن يزيد الذي كان جعجع بالحسين إلى الحسين ، فقال له : ( قد كان مني الذي كان ، وقد أتيتك مواسيا لك بنفسي ، أفترى ذلك لي توبة مما كان مني ؟ .
قال الحسين : نعم ، إنها لك توبة ، فأبشر ، فأنت الحر في الدنيا ، وأنت الحر في الآخرة ، إن شاء الله .
قالوا : ونادى عمر بن سعد مولاه زيدا أن قدم الراية ، فتقدم بها ، وشبت الحرب .
فلم يزل أصحاب الحسين يقاتلون ويقتلون ، حتى لم يبق معه غير أهل بيته .
فكان أول من تقدم منهم ، فقاتل علي بن الحسين ، وهو علي الأكبر ، فلم يزل يقاتل حتى قتل ، طعنه مرة بن منقذ العبدي ، فصرعه ، وأخذته السيوف فقتل .


صفحه 257


ثم قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل ، رماه عمرو بن صبح الصيداوي ، فصرعه .
ثم قتل عدي بن عبد الله بن جعفر الطيار ، قتله عمرو بن نهشل التميمي .
ثم قتل عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب ، رماه عبد الله بن عروة الخثعمي بسهم ، فقتله .
ثم قتل محمد بن عقيل بن أبي طالب ، رماه لقيط بن ناشر الجهني بسهم ، فقتله .
ثم قتل القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، ضربه عمرو بن سعد بن مقبل الأسدي .
ثم قتل أبو بكر بن الحسن بن علي ، رماه عبد الله بن عقبة الغنوي بسهم ، فقتله .
قالوا : ولما رأى ذلك العباس بن علي قال لإخوته عبد الله ، وجعفر ، وعثمان ، بني علي ، عليه وعليهم السلام ، وأمهم جميعا أم البنين العامرية من آل الوحيد :
( تقدموا ، بنفسي أنتم ، فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه ) .
فتقدموا جميعا .
فصاروا أمام الحسين عليه السلام ، يقونه بوجوههم ونحورهم .
فحمل هانئ بن ثويب الحضرمي على عبد الله بن علي ، فقتله .
ثم حمل على أخيه جعفر بن علي ، فقتله أيضا .
ورمى يزيد الأصبحي عثمان بن علي بسهم ، فقتله ، ثم خرج إليه ، فاحتز رأسه ، فأتى عمر بن سعد ، فقال له : ( أثبني ) .
فقال عمر :
عليك بأميرك - يعني عبيد الله بن زياد - فسله أن يثيبك . وبقي العباس بن علي قائما أمام الحسين يقاتل دونه ، ويميل معه حيث مال ، حتى قتل ، رحمة الله عليه .


صفحه 258


وبقي الحسين وحده ، فحمل عليه مالك بن بشر الكندي ، فضربه بالسيف على رأسه ، وعليه برنس خز ، فقطعه ، وأفضى السيف إلى رأسه ، فجرحه .
فألقى الحسين البرنس ، ودعا بقلنسوة ، فلبسها ، ثم اعتم بعمامة ، وجلس ، فدعا بصبي له صغير ، فأجلسه في حجره ، فرماه رجل من بني أسد ، وهو في حجر الحسين بمشقص[1]، فقتله .
وبقي الحسين عليه السلام مليا جالسا ، ولو شاءوا إن يقتلوه قتلوه ، غير أن كل قبيلة كانت تتكل على غيرها ، وتكره الإقدام على قتله .
وعطش الحسين ، فدعا بقدح من ماء .
فلما وضعه في فيه رماه الحصين بن نمير بسهم ، فدخل فمه ، وحال بينه وبين شرب الماء ، فوضع القدح من يده .
ولما رأى القوم قد أحجموا عنه قام يتمشى على المسناة[2]نحو الفرات ، فحالوا بينه وبين الماء ، فانصرف إلى موضعه الذي كان فيه .
فانتزع له رجل من القوم بسهم ، فأثبته في عاتقه ، فنزع عليه السلام السهم .
وضربه زرعة بن شريك التميمي بالسيف ، اتقاه الحسين بيده ، فأسرع السيف في يده .
وحمل عليه سنان بن أوس النخعي ، فطعنه ، فسقط .
ونزل إليه حولي بن يزيد الأصبحي ليحز رأسه ، فأرعدت يداه .
فنزل أخوه شبل بن يزيد ، فاحتز رأسه ، فدفعه إلى أخيه حولي .
ثم مال الناس على ذلك الورس الذي كان أخذه من العير ، وإلى ما في المضارب ، فانتهبوه .
* * *


[1]المشقص نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض .
[2]ضفيرة تبنى للسيل لترد الماء .


صفحه 259


ولم ينج من أصحاب الحسين عليه السلام وولده وولد أخيه إلا ابناه ، على الأصغر ، وكان قد راهق ، وإلا عمر ، وقد كان بلغ أربع سنين .
ولم يسلم من أصحابه إلا رجلان ، أحدهما المرقع بن ثمامة الأسدي ، بعث به عمر بن سعد إلى ابن زياد فسيره إلى الربذة[1]، فلم يزل بها حتى هلك يزيد ، وهرب عبيد الله إلى الشام ، فانصرف المرقع إلى الكوفة ، والآخر مولى لرباب ، أم سكينة ، أخذوه بعد قتل الحسين ، فأرادوا ضرب عنقه ، فقال لهم : ( إني عبد مملوك ) . فخلوا سبيله .
* * * وبعث عمر بن سعد برأس الحسين من ساعته إلى عبيد الله بن زياد مع حولي ابن يزيد الأصبحي .
وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين يومين ، ثم آذن في الناس بالرحيل ، وحملت الرؤوس على أطراف الرماح ، وكانت اثنين وسبعين رأسا ، جاءت هوازن منها باثنين وعشرين رأسا ، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا مع الحصين بن نمير ، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا مع قيس بن الأشعث ، وجاءت بنو أسد بستة رؤوس مع هلال الأعور ، وجاءت الأزد بخمس رؤوس مع عيهمة بن زهير ، وجاءت ثقيف باثني عشر رأسا مع الوليد بن عمرو .
وأمر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في المحامل المستورة على الإبل . وكانت بين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قتل الحسين خمسون عاما .
قالوا : ولما أدخل رأس الحسين عليه السلام على ابن زياد فوضع بين يديه جعل ابن زياد ينكت الخيزرانة ثنايا[2]الحسين ، وعنده زيد بن أرقم ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له :


[1]من قرى المدينة على ثلاثة أميال منها . وهي قريبة من ذات عرق .
[2]ثنايا الإنسان في فمه الأربع التي في مقدم فيه ، ثنتان من فوق وثنتان من أسفل .


صفحه 260


( مه ، ارفع قضيبك عن هذه الثنايا ، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثمها ) .
ثم خنقته العبرة ، فبكى .
فقال له ابن زياد : ( مم تبكي ؟ أبكى الله عينيك ، والله لولا أنك شيخ قد خرفت لضربت عنقك ) .
قالوا : وكانت الرؤوس قد تقدم بها شمر بن ذي الجوشن أمام عمر بن سعد .
قالوا : واجتمع أهل الغاضرية فدفنوا أجساد القوم .
وروي عن حميد بن مسلم قال : كان عمر بن سعد لي صديقا ، فأتيته عند منصرفه من قتال الحسين ، فسألته عن حاله ، فقال : ( لا تسأل عن حالي ، فإنه ما رجع غائب إلى منزله بشر مما رجعت به ، قطعت القرابة القريبة ، وارتكبت الأمر العظيم ) .
* * * قالوا : ثم إن ابن زياد جهز علي بن الحسين ومن كان معه من الحرم ، ووجه بهم إلى يزيد بن معاوية مع زحر بن قيس ومحقن بن ثعلبة ، وشمر بن ذي الجوشن .
فساروا حتى قدموا الشام ، ودخلوا على يزيد بن معاوية بمدينة دمشق ، وأدخل معهم رأس الحسين ، فرمى بين يديه .
ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن ، فقال :
( يا أمير المؤمنين ، ورد علينا هذا في ثمانية عشر رجلا من أهل بيته ، وستين رجلا من شيعته ، فصرنا إليهم ، فسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد ، أو القتال ، فغدونا عليهم عند شروق الشمس ، فأحطنا بهم من كل جانب ، فلما أخذت السيوف منهم مأخذها جعلوا يلوذون إلى غير وزر[1]، لوذان الحمام من الصقور ، فما كان إلا مقدار جزر[2]جزوز ، أو نوم قائل[3]حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك


[1]ملجأ .
[2]ذبح ناقة .
[3]القيلولة : النوم في الظهيرة والقائلة نصف النهار .