بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 266


ثم تقدم محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي ، فقال له مسلم :
( أنت الذي وفدت على أمير المؤمنين ، فأكرمك وحباك ، فرجعت إلى المدينة تشهد عليه بشرب الخمر ، والله لا تشهد بشهادة زور أبدا ، اضربوا عنقه ) .
فضربت عنقه .
ثم تقدم معقل بن سنان الأشجعي ، وكان حليفا لبني هاشم ، فقال له مسلم :
( أتذكر يوما مررت بي بطبرية[1]، فقلت لك ، من أين أقبلت ؟ فقلت ، سرنا شهرا ، وأنضينا ظهرا ، ورجعنا صفرا ، وسنأتي المدينة فنخلع الفاسق يزيد بن معاوية ، ونبايع رجلا من أولاد المهاجرين ؟
فاعلم أني كنت آليت ذلك اليوم ألا أقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلا قتلتك ، وقد أمكنني الله منك يا أحمق ، ما أشجع والخلافة ؟ ! فتعزل وتولي ، اضربوا عنقه ) .
ثم تقدم عمرو بن عثمان ، فقال له :
( أنت الخبيث ابن الطيب ، الذي إذا ظهر أهل الشام قلت أنا ابن عثمان بن عفان ، وإذا ظهر أهل الحجاز قلت أنا واحد منكم ، وأنت في ذلك تبغي أمير المؤمنين الغوائل ، انتفوه ) .
فنتفت لحيته ، حتى ما تركت فيها شعرة .
فقام إليه عبد الملك بن مروان ، فاستوهبه ، فوهبه له .
ثم أتاه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، فأجلسه معه على ثيابه وفراشه ، وقال :
- إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك .
فقال علي : ( إني كنت لما فعل أهل المدينة كارها ) .
قال : ( أجل ) .
ثم حمله على بغلة ، وصرفه إلى منزله .


[1]بلد مطل على البحيرة المعروفة بها ، في الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة ، وهي مستطيلة ، تنتهي إلى جبل صغير ، عنده آخر العمارة ، وفيها عيون ملحة حارة ، قد بنيت عليها حمامات .


صفحه 267


وبعث إلى علي بن عبد الله بن عباس ليؤتى به للبيعة ، فأخرج من منزله ، فأقبلوا به .
فلقيه الحصين بن نمير ، فانتزعه من يد الجلاوزة[1].
وكان الحصين من أخوال علي بن عبد الله .
فقال مسلم : ( إني إنما بعثت إليه للبيعة ، فائتني به ) .
فأرسل إليه الحصين ، فجاء حتى بايع .
وأرسلت بنت الأشعث بن قيس ، وكانت امرأة الحسين بن علي ، إلى مسلم ابن عقبة تعلمه أن منزلها انتهب ، فأمر برد جميع ما أخذ لها .
ثم شخص بالجيش إلى مكة ، وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة ، فتمثل يزيد .
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكت بقباء بركها * واستحر القتل في عبد الأشل فلما بلغ ابن عقبة هرشى[3]اعتل ، واشتدت علته ، ونزل به الموت ، فقال :
أسندوني . فأسند ، فقال :
( إن أمير المؤمنين أمرني إن حدث بي في وجهي هذا حدث أن أستخلف الحصين ابن نمير على الجيش ، ولو كان الأمر إلى ما استخلفته ، لأن من شأن اليمانية الرقة ، غير أني لا أعصي أمير المؤمنين ) .
ثم قال : ( يا حصين ، إذا وافيت مكة فناجز ابن الزبير الحرب من يومك ، ولا ترد أهل الشام عن شئ يريدونه بعدوهم ، ولا تجعل إذنك وعاء لقريش فيخدعوك ) .
ثم مات ، وكانت به الذبحة .
فتولى أمر الجيش الحصين بن نمير ، فسار حتى وافى مكة .
وتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع من كان معه ، ونصب


[1]جمع جلواز بالكسر ، وهم الشرطة . ( 2 ) الرماح .
[3]هرشي : ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة .


صفحه 268


الحصين المجانيق على جبل أبي قبيس[1]، وكانوا يرمون أهل المسجد .
* * * فبينا هم كذلك إذ ورد على الحصين بن نمير موت يزيد بن معاوية ، فأرسل إلى عبد الله بن الزبير : ( أن الذي وجهنا لمحاربتك قد هلك ، فهل لك في الموادعة ؟
وتفتح لنا الأبواب ، فنطوف بالبيت ، ويختلط الناس بعضهم ببعض ) .
فقبل ذلك ابن الزبير ، وأمر بأبواب المسجد ، ففتحت ، فجعل الحصين وأصحابه يطوفون بالبيت .
فبينا الحصين يطوف بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير ، فأخذ الحصين بيده ، فقال له سرا :
- هل لك في الخروج معي إلى الشام ؟ فأدعو الناس إلى بيعتك ، فإن أمرهم قد مرج[2]، ولا أرى أحدا أحق بها اليوم منك ، ولست أعصي هناك .
فاجتذب عبد الله بن الزبير يده من يده ، وقال ، وهو يجهر بقوله : ( دون أن أقتل بكل رجل من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام ) .
فقال الحصين : لقد كذب من زعم أنك من دهاة العرب ، أكلمك سرا ، وتكلمني علانية ، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب .
ثم انصرف في أصحابه إلى الشام ، ومر بالمدينة ، فبلغه انهم على محاربته ثانيا .
فجمع إليه أهلها ، وقال : ( ما هذا الذي بلغني عنكم ؟ ) فاعتذروا إليه ، وقالوا :
( ما هممنا بذلك ) .
وذكر أبو هارون العبدي ، قال : رأيت أبا سعيد الخدري ، ولحيته بيضاء ، وقد خف جانباها ، وبقي وسطها ، فقلت : ( يا أبا سعيد ، ما حال لحيتك ؟ )


[1]الجبل المشرف على مكة من غربيها ، وكان يسمى في الجاهلية ( الأمين ) لأنه استودع فيه الحجر الأسود .
[2]اختلط وفسد .


صفحه 269


فقال : ( هذا فعل ظلمة أهل الشام يوم الحرة ، دخلوا على بيتي ، فانتهبوا ما فيه حتى أخذوا قد حي الذي كنت أشرب فيه الماء ، ثم خرجوا ، ودخل على بعدهم عشرة نفر ، وأنا قائم أصلي ، فطلبوا البيت ، فلم يجدوا فيه شيئا ، فأسفوا لذلك ، فاحتملوني من مصلاي ، وضربوا بي الأرض ، وأقبل كل رجل منهم على ما يليه من لحيتي ، فنتفه ، فما ترى منها خفيفا فهو موضع النتف ، وما تراه عافيا فهو ما وقع في التراب ، فلم يصلوا إليها ، وسأدعها كما ترى حتى أوافي بها ربي ) .
( الخوارج ) قالوا : وفي سنة ثمانين تفاقم أمر الأزارقة الخوارج ، وإنما سموا أزارقة برئيسهم نافع بن الأزرق .
وكان أول خروجهم في أربعين رجلا ، وفيهم من عظمائهم نافع بن الأزرق ، وعطية بن الأسود ، وعبد الله بن صبار ، وعبد الله بن إباض ، وحنظلة بن بيهس ، وعبيد الله بن ماحوز ، وذلك في سلطان يزيد .
وعلى البصرة يومئذ عبيد الله بن زياد ، فوجه إليهم عبيد الله أسلم بن ربيعة في ألفي فارس ، فلحقهم بقرية من الأهواز تدعى ( آسك ) ( 1 ) مما يلي فارس ، فواقعهم ، فقتلت الخوارج من أصحاب ابن ربيعة خمسين رجلا ، فانهزم أسلم ، فأنشأ رجل من الخوارج يقول :
أألفا مؤمن منكم زعمتم * ويهزمكم بأسك أربعونا ؟
كذبتم ، ليس ذاك كما زعمتم * ولكن الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة قد علمتم * على الفئة الكثيرة ينصرونا أطعتم أمر جبار عنيد * وما من طاعة للظالمينا

( 2 ) بلد من نواحي الأهواز ، قرب أرجان .


صفحه 270


فاغتاظ ابن زياد من ذلك ، فكان لا يدع بالبصرة أحدا ممن يتهم برأي الخوارج إلا قتله ، حتى قتل بالتهمة والظنة تسعمائة رجل .
ولم يزل يتفاقم أمر الخوارج ، ويتحلب إليهم من كان على رأيهم وهواهم من أهل البصرة حتى كثروا بعد موت يزيد ، وهرب عبيد الله بن زياد من العراق .
وخاف أهل البصرة الخوارج على أنفسهم ، ولم يكن يومئذ عليهم سلطان ، فاجتمعوا على مسلم بن عبيس القرشي ، ووجهوا معه خمسة آلاف فارس من إبطال البصرة ، فسار إليهم ، فلحقهم بمكان يسمى ( الدولاب )[1]فالتقوا واقتتلوا ، وصبر بعضهم لبعض ، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف ، وصاروا إلى المكادمة ، فقتل مسلم بن عبيس ، وانهزم أصحابه .
فقال رجل من الأزد :
قد رمينا العدو إذ عظم الخطب * بذي الجود مسلم بن عبيس فانظروا غير مسلم بن عبيس * فاطلبوه من حيث أين وليس[2]لو رموا بالمهلب بن أبي صفرة * كانوا له كأكلة حيس[3]وكان المهلب يومئذ بخراسان على ولايتها .
فخاف أهل البصرة حين قتل مسلم بن عبيس خوفا شديدا من الخوارج ، فاختاروا عثمان بن معمر القرشي ، وانتدب معه زهاء عشرة آلاف رجل من إبطالهم ، فسار بهم عثمان في طلب الخوارج ، فلحقهم بفارس ، فاقتتلوا ، فقتل عثمان ، وانهزم أصحابه .
* * * فكتب أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير يعلمونه أنه لا إمام لهم ، ويسألونه أن يوجه إليهم رجلا من قبله يتولى الأمر .


[1]من قرى الري .
[2]أي من حيث هو ولا هو .
[3]الحيس تمر يخلط بسمن ومخيض غنم ، فيعجن شديدا ، ثم يندر منه نواه .


صفحه 271


فوجه إليهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، فقدم البصرة ، وتولى الأمر بها ، فدعا وجوه أهل البصرة ، فاستشارهم في رجل يوليه حرب الخوارج ، فكلهم قالوا : ( عليك بالمهلب بن أبي صفرة ) .
وقام رجل من أهل البصرة يعرف بابن عرادة ، فأنشده :
مضى ابن عبيس مسلم لسبيله * فقام لها الشيخ الحجازي عثمان فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر * وأبرق ، والبرق الحجازي خوان ولم ينك عثمان جناح بعوضة * وأضحى عدو الدين مثل الذي كانوا وليس لها إلا المهلب إنه * ملئ بأمر الحرب ، شيخ له شأن إذا قيل من يحمي العراقين أومأت * إليه معد بالأكف ، وقحطان فذاك امرؤ إن يلقهم يطف نارهم * وليس لها إلا المهلب إنسان ( حرب المهلب مع الخوارج ) فقال الأحنف بن قيس للحارث بن عبد الله : أيها الأمير ، اكتب إلى أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ، وسله أن يكتب إلى المهلب بأن يخلف على خراسان رجلا ، ويسير إلى الخوارج ، فيتولى محاربتهم . فكتب .
فلما انتهى كتابه إلى عبد الله بن الزبير كتب إلى المهلب :
( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى المهلب بن أبي صفرة ، أما بعد ، فإن الحارث بن عبد الله كتب إلي يخبرني أن الأزارقة المارقة قد سعرت نارها ، وتفاقم أمرها ، فرأيت أن أوليك قتالهم لما رجوت من قيامك ، فتكفي أهل مصرك شرهم ، وتؤمن روعتهم ، فخلف بخراسان من يقوم مقامك من أهل بيتك ، وسر حتى توافي البصرة ، فتستعد منها بأفضل عدتك ، وتخرج إليهم ، فإني أرجو أن ينصرك الله عليهم ، والسلام ) .
فلما وصل كتابه إلى المهلب خلف على خراسان .


صفحه 272


وأقبل حتى وافى البصرة ، فصعد على المنبر ، وكان نزر الكلام وجيزة ، فقال :
( أيها الناس ، إنه قد غشيكم عدو جاحد ، يسفك دماءكم ، وينتهب أموالكم ، فإن أعطيتموني خصالا أسألكموها قمت لكم بحربهم ، واستعنت بالله عليهم ، وإلا كنت كواحد منكم لمن تجتمعون عليه في أمركم ) .
قالوا : وما الذي تريد ؟
قال : انتخب منكم أوساطكم ، لا الغني المثقل ، ولا السبروت[1]المخف ، وعلى أن لي ما غلبت عليه من الأرض ، وألا أخالف فيما أدبر من رأيي في حربهم ، وأترك ورأيي الذي أراه ، وتدبيري الذي أدبره .
فناداه الناس : لك ذلك ، وقد رضينا به .
فنزل من المنبر ، وأتى منزله ، وأمر بديوان الجند ، فأحضر ، فانتخب من أبطال أهل البصرة عشرين ألف رجل ، فيهم من الأزد ثمانية آلاف رجل ، وبقيتهم من سائر العرب ، وولى ابنه المغيرة مقدمته في ثلاثة آلاف رجل .
وسار حتى أتى الخوارج ، وهم ( بنهر تستر )[2]، فواقعهم ، فهزمهم ، حتى بلغوا الأهواز ، فقال زياد الأعجم في ذلك :
جزى الله خيرا ، والجزاء بكفه * أخا الأزد عنا ما أذب وأحربا ولما رأينا الأمر قد جد جده * وإلا توارى دوننا الشمس كوكبا دعونا أبا غسان ، فاستك سمعه * وأحنف طأطأ رأسه ، وتهيبا وكان ابن منجوف لكل عظيمة * فقصر عنها حبله وتذبذبا فلما رأينا القوم قد كل حدهم * لدى حربهم فيها دعونا المهلبا


[1]الفقير .
[2]أعظم أنهار خوزستان ، بنى عليه سابور الملك شاذروان بباب تستر ، حتى ارتفع ماؤه إلى المدينة ، لأن تستر على مكان مرتفع من الأرض ، وهذا الشاذروان كان من عجائب الأبنية ، طوله ميل ، مبني بالحجارة المحكمة ، والصخر وأعمدة الحديد .


صفحه 273


وأقام المهلب بالجسر بعد أن هزم الخوارج أربعين يوما ، ثم ارتحل سائرا في آثارهم .
فبلغ ذلك نافع بن الأزرق ، فأقام بالأهواز حتى وافاه المهلب ، فواقعهم بمكان يسمى ( بسلى )[1]، فقاتلهم يوما إلى الليل ، وأصابته ضربة في وجهه ، أغمي عليه منها ، فقال الناس ( قتل الأمير ) ، فازدادوا لذلك حنقا وجدا ، وقتلوا من الخوارج بشرا كثيرا ، وقتل رئيسهم نافع بن الأزرق ، وانهزمت الخوارج نحو فارس .
وبلغ أهل البصرة أن المهلب قتل ، فرج المصر بأهله ، وهم أميرهم الحارث ابن أبي ربيعة أن يهرب ، فكتب إليه رجل من بني يشكر :
أيا حار ، يا ابن السادة الصيد ، هب لنا * مقامك ، لا ترحل ولم يأتك الخبر فإن كان أودي بالمهلب يومه * فقد كسفت في أرضنا الشمس والقمر وما لك من بعد المهلب عرجه * وما لك بالمصرين سمع ولا بصر فدونك ، فالحق بالحجاز ، ولا تقم * ببلدتنا ، إن المقام بها خطر وإن كان حيا كنت بالمصر آمنا * وكان بقاء المرء فينا هو الظفر وقال رجل من بني سعد :
ألا كل ما يأتي من الأمر هين * علينا يسير عند فقد المهلب فإن يك قد أودي فما نحن بعده * بأمنع من شاء عجاف لأذؤب[2]نعوذ بمن أرسى ثبيرا مكانه * ومرسي حراء والقديد وكبكب[3]من الخبر الملقى على الحور خدرها * ويشجي به ما بين بصرى ويثرب


[1]موضع بالأهواز قرب مناذر .
[2]جمع ذئب .
[3]الكبكب كجعفر جبل بعرفات خلف ظهر الإمام إذا وقف .