بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 270


فاغتاظ ابن زياد من ذلك ، فكان لا يدع بالبصرة أحدا ممن يتهم برأي الخوارج إلا قتله ، حتى قتل بالتهمة والظنة تسعمائة رجل .
ولم يزل يتفاقم أمر الخوارج ، ويتحلب إليهم من كان على رأيهم وهواهم من أهل البصرة حتى كثروا بعد موت يزيد ، وهرب عبيد الله بن زياد من العراق .
وخاف أهل البصرة الخوارج على أنفسهم ، ولم يكن يومئذ عليهم سلطان ، فاجتمعوا على مسلم بن عبيس القرشي ، ووجهوا معه خمسة آلاف فارس من إبطال البصرة ، فسار إليهم ، فلحقهم بمكان يسمى ( الدولاب )[1]فالتقوا واقتتلوا ، وصبر بعضهم لبعض ، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف ، وصاروا إلى المكادمة ، فقتل مسلم بن عبيس ، وانهزم أصحابه .
فقال رجل من الأزد :
قد رمينا العدو إذ عظم الخطب * بذي الجود مسلم بن عبيس فانظروا غير مسلم بن عبيس * فاطلبوه من حيث أين وليس[2]لو رموا بالمهلب بن أبي صفرة * كانوا له كأكلة حيس[3]وكان المهلب يومئذ بخراسان على ولايتها .
فخاف أهل البصرة حين قتل مسلم بن عبيس خوفا شديدا من الخوارج ، فاختاروا عثمان بن معمر القرشي ، وانتدب معه زهاء عشرة آلاف رجل من إبطالهم ، فسار بهم عثمان في طلب الخوارج ، فلحقهم بفارس ، فاقتتلوا ، فقتل عثمان ، وانهزم أصحابه .
* * * فكتب أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير يعلمونه أنه لا إمام لهم ، ويسألونه أن يوجه إليهم رجلا من قبله يتولى الأمر .


[1]من قرى الري .
[2]أي من حيث هو ولا هو .
[3]الحيس تمر يخلط بسمن ومخيض غنم ، فيعجن شديدا ، ثم يندر منه نواه .


صفحه 271


فوجه إليهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، فقدم البصرة ، وتولى الأمر بها ، فدعا وجوه أهل البصرة ، فاستشارهم في رجل يوليه حرب الخوارج ، فكلهم قالوا : ( عليك بالمهلب بن أبي صفرة ) .
وقام رجل من أهل البصرة يعرف بابن عرادة ، فأنشده :
مضى ابن عبيس مسلم لسبيله * فقام لها الشيخ الحجازي عثمان فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر * وأبرق ، والبرق الحجازي خوان ولم ينك عثمان جناح بعوضة * وأضحى عدو الدين مثل الذي كانوا وليس لها إلا المهلب إنه * ملئ بأمر الحرب ، شيخ له شأن إذا قيل من يحمي العراقين أومأت * إليه معد بالأكف ، وقحطان فذاك امرؤ إن يلقهم يطف نارهم * وليس لها إلا المهلب إنسان ( حرب المهلب مع الخوارج ) فقال الأحنف بن قيس للحارث بن عبد الله : أيها الأمير ، اكتب إلى أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ، وسله أن يكتب إلى المهلب بأن يخلف على خراسان رجلا ، ويسير إلى الخوارج ، فيتولى محاربتهم . فكتب .
فلما انتهى كتابه إلى عبد الله بن الزبير كتب إلى المهلب :
( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى المهلب بن أبي صفرة ، أما بعد ، فإن الحارث بن عبد الله كتب إلي يخبرني أن الأزارقة المارقة قد سعرت نارها ، وتفاقم أمرها ، فرأيت أن أوليك قتالهم لما رجوت من قيامك ، فتكفي أهل مصرك شرهم ، وتؤمن روعتهم ، فخلف بخراسان من يقوم مقامك من أهل بيتك ، وسر حتى توافي البصرة ، فتستعد منها بأفضل عدتك ، وتخرج إليهم ، فإني أرجو أن ينصرك الله عليهم ، والسلام ) .
فلما وصل كتابه إلى المهلب خلف على خراسان .


صفحه 272


وأقبل حتى وافى البصرة ، فصعد على المنبر ، وكان نزر الكلام وجيزة ، فقال :
( أيها الناس ، إنه قد غشيكم عدو جاحد ، يسفك دماءكم ، وينتهب أموالكم ، فإن أعطيتموني خصالا أسألكموها قمت لكم بحربهم ، واستعنت بالله عليهم ، وإلا كنت كواحد منكم لمن تجتمعون عليه في أمركم ) .
قالوا : وما الذي تريد ؟
قال : انتخب منكم أوساطكم ، لا الغني المثقل ، ولا السبروت[1]المخف ، وعلى أن لي ما غلبت عليه من الأرض ، وألا أخالف فيما أدبر من رأيي في حربهم ، وأترك ورأيي الذي أراه ، وتدبيري الذي أدبره .
فناداه الناس : لك ذلك ، وقد رضينا به .
فنزل من المنبر ، وأتى منزله ، وأمر بديوان الجند ، فأحضر ، فانتخب من أبطال أهل البصرة عشرين ألف رجل ، فيهم من الأزد ثمانية آلاف رجل ، وبقيتهم من سائر العرب ، وولى ابنه المغيرة مقدمته في ثلاثة آلاف رجل .
وسار حتى أتى الخوارج ، وهم ( بنهر تستر )[2]، فواقعهم ، فهزمهم ، حتى بلغوا الأهواز ، فقال زياد الأعجم في ذلك :
جزى الله خيرا ، والجزاء بكفه * أخا الأزد عنا ما أذب وأحربا ولما رأينا الأمر قد جد جده * وإلا توارى دوننا الشمس كوكبا دعونا أبا غسان ، فاستك سمعه * وأحنف طأطأ رأسه ، وتهيبا وكان ابن منجوف لكل عظيمة * فقصر عنها حبله وتذبذبا فلما رأينا القوم قد كل حدهم * لدى حربهم فيها دعونا المهلبا


[1]الفقير .
[2]أعظم أنهار خوزستان ، بنى عليه سابور الملك شاذروان بباب تستر ، حتى ارتفع ماؤه إلى المدينة ، لأن تستر على مكان مرتفع من الأرض ، وهذا الشاذروان كان من عجائب الأبنية ، طوله ميل ، مبني بالحجارة المحكمة ، والصخر وأعمدة الحديد .


صفحه 273


وأقام المهلب بالجسر بعد أن هزم الخوارج أربعين يوما ، ثم ارتحل سائرا في آثارهم .
فبلغ ذلك نافع بن الأزرق ، فأقام بالأهواز حتى وافاه المهلب ، فواقعهم بمكان يسمى ( بسلى )[1]، فقاتلهم يوما إلى الليل ، وأصابته ضربة في وجهه ، أغمي عليه منها ، فقال الناس ( قتل الأمير ) ، فازدادوا لذلك حنقا وجدا ، وقتلوا من الخوارج بشرا كثيرا ، وقتل رئيسهم نافع بن الأزرق ، وانهزمت الخوارج نحو فارس .
وبلغ أهل البصرة أن المهلب قتل ، فرج المصر بأهله ، وهم أميرهم الحارث ابن أبي ربيعة أن يهرب ، فكتب إليه رجل من بني يشكر :
أيا حار ، يا ابن السادة الصيد ، هب لنا * مقامك ، لا ترحل ولم يأتك الخبر فإن كان أودي بالمهلب يومه * فقد كسفت في أرضنا الشمس والقمر وما لك من بعد المهلب عرجه * وما لك بالمصرين سمع ولا بصر فدونك ، فالحق بالحجاز ، ولا تقم * ببلدتنا ، إن المقام بها خطر وإن كان حيا كنت بالمصر آمنا * وكان بقاء المرء فينا هو الظفر وقال رجل من بني سعد :
ألا كل ما يأتي من الأمر هين * علينا يسير عند فقد المهلب فإن يك قد أودي فما نحن بعده * بأمنع من شاء عجاف لأذؤب[2]نعوذ بمن أرسى ثبيرا مكانه * ومرسي حراء والقديد وكبكب[3]من الخبر الملقى على الحور خدرها * ويشجي به ما بين بصرى ويثرب


[1]موضع بالأهواز قرب مناذر .
[2]جمع ذئب .
[3]الكبكب كجعفر جبل بعرفات خلف ظهر الإمام إذا وقف .


صفحه 274


فأقبل البشير إلى أهل البصرة بسلامة المهلب ، فاستبشروا بذلك ، واطمأنوا ، وأقام أميرها بعد أن هم بالهرب .
فقال رجل من بني ضبة :
إن ربا أنجى المهلب ذا الطول * لأهل أن تحمدوه كثيرا لا يزال المهلب بن أبي صفرة * ما عاش بالعراق أميرا فإذا مات فالرجال نساء * ما يساوي من بعده قطميرا[1]قد أمنا بك العدو على المصر * ووقرت منبرا وسريرا وقال رجل من الخوارج في قتل نافع بن الأزرق :
شمت المهلب ، والحوادث جمة * والشامتون بنافع بن الأزرق إن مات غير مداهن في دينه * ومتى يمر بذكر نار يصعق والموت أمر لا محالة واقع * من لا يصبحه نهارا يطرق فلئن منينا بالمهلب إنه * لأخو الحروب وليث أهل المشرق ولعله يشجي بنا ولعلنا * نشجى به في كل ما قد نلتقي بالسمر نختطف النفوس ذوابلا * وبكل أبيض صارم ذي رونق فيذيقنا في حربنا ، ونذيقه * كل مقالته لصاحبه ذق وبلغ عبد الله بن الزبير ما كان من عزم عامله بالبصرة على الهرب ، فعزله ، وولى أخاه مصعبا ، فسار مصعب حتى قدمها ، وتولى أمر جميع العراقين ، وفارس والأهواز .
* * *


[1]القطمير شق النواة أو القشرة التي فيها ، أو القشرة الرقيقة بين النواة والتمرة .


صفحه 275


ولما قتل نافع بن الأزرق اجتمعت الخوارج ، فولوا على أنفسهم عبد الله ابن ماحور ، وكان من نساكهم .
وبلغ ذلك المهلب ، فسار من الأهواز في طلبهم حتى وافاهم بمدينة ( سابور ) من أرض فارس ، فالتقوا ، فاقتتلوا ، وانهزمت الخوارج في آخر النهار حتى انتهوا إلى مكان يدعى ( كركان )[2].
اتبعهم المهلب ، فوافاهم ، فالتقوا به في يوم شديد المطر ، فقاتلهم ، فهزمهم ، فأخذوا نحو كرمان[3].
فلم يزل المهلب يسير في طلبهم من بلد إلى بلد ، ويواقعهم وقعة بعد وقعة طول ما ملك عبد الله بن الزبير إلى مقتله ، وخلوص الأمر لعبد الملك بن مروان .
فلما استدف الأمر لعبد الملك ، وولي الحجاج العراقين استبطأ المهلب في استئصال الخوارج ، وظن أنه يهوى مطاولتهم ، فبعث إليه عبد الأعلى بن عبد الله العامري ، وعبد الرحمن بن سبرة ، وقال لهما احملاه على مناجرة القوم وترك مطاولتهم ) .
فقدما عليه ، فأخبراه بما بعثا له ، فقال لهما :
( أقيما حتى تعاينا ما نحن فيه ، فإن الحجاج أتاه السماع فقبله ، وأتاه العيان فرده ، وقد حملني على خلاف الرأي ، وزعم أنه الشاهد وأنا الغائب ) ثم سار نحو الخوارج فلحقهم بأداني أرض كرمان ، فواقعهم ، وأمامه ابنه المفضل ، فقتل رئيس الخوارج عبد الله بن ماحور ، وانهزموا حتى توسطوا أرض كرمان ، وولوا على أنفسهم رجلا من نساكهم ، يسمى ( قطري بن الفجاءة ) .
ثم إن المهلب انصرف إلى بلد سابور ، فوافاهم يوم النحر ، فخرج بالناس إلى المصلى .

( 1 ) في الأصل : ماحوز .
[2]مدينة مشهورة بين طبرستان وخراسان .
[3]ولاية مشهورة ، وناحية مهمورة ، ذات بلاد وقرى ، ومدن واسعة ، وهي بلاد كثيرة النخل والزرع ، ومن مدنها المشهورة جيرفت .


صفحه 276


فبينا هو يخطب الناس على المنبر ، وقد صلى بهم إذ أقبلت الخوارج ، فقال :
سبحان الله ، أ في مثل هذا اليوم يأتوننا ؟ ما أبغض إلى المحاربة فيه ، ولكن الله تعالى يقول : الشهر الحرام بالشهر الحرام ، والحرمات قصاص ، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه )[1].
ثم نزل عن المنبر ، ونادى في أصحابه ، فركبوا واستلاموا ، واستقبلوا الخوارج ، فحملت عليهم الخوارج ، وإمامهم عظيم منهم يسمى ( عمرو القنا ) وكان من فرسانهم ، وهو يرتجز :
نحن صبحناكم غداة النحر * بالخيل أمثال الوشيج تسرى[2]يقدمها عمرو القنا في الفجر * إلى أناس لهجوا بالكفر اليوم أقضي في العدو نذري ثم اقتتلوا ، وصبر بعضهم لبعض وكثرت بينهم القتلى ، فلم يزل كل فريق منهما على مكانه حتى حال بينهم الليل ، وانحازت الخوارج إلى كازرون[3].
وسار إليهم المهلب فواقعهم بكازرون ، فأسرع المهلب في الخوارج ، ( فتفرقوا )[4]في تلك الوقعة ، وصاروا سيارة ، وخرجوا إلى تخوم إصطخر ، واتبعهم المهلب .
فتواقف الفريقان ، وحمل بعضهم على بعض ، وأمام الخوارج رجل يرتجز :
حتى متى يتبعنا المهلب * ليس لنا في الأرض منه مهرب لا السماء ، أين أين المذهب ؟


[1]سورة البقرة الآية : 194 .
[2]الوشيج : شجرة الرماح .
[3]مدينة بفارس بين البحر وشيراز ، ويقال إنها هي دمياط الأعاجم ، وكلها قصور وبساتين ممتدة عن يمين وشمال .
[4]في الأصل : فرقوا .


صفحه 277


فلما سمع قطري ذلك بكى ، ووطن نفسه على الموت ، وباشر الحرب بنفسه ، وهو يرتجز :
حتى متى تخطئني الشهادة * والموت في أعناقنا قلادة ليس الفرار في الوغى بعادة * يا رب زدني في التقى عبادة وفي الحياة بعدها زهادة فاقتتلوا يومهم حتى حال بينهم الليل .
ومضى قطري في أصحابه نحو ( جيرفت ) ( 1 ) ، وهم بالهرب إلى كرمان ، فقال رجل من أصحابه :
أيا قطري الخير إن كنت هاربا * ستلبسنا عارا وأنت مهاجر إذا قيل قد جاء المهلب أسلمت * له شفتاك الفم ، والقلب طائر فحتى متى هذا الفرار مخافة * وأنت ولي ، والمهلب كافر ولما رأت الخوارج نكول قطري عن الحرب ، وما هم به من الفرار خلعوه عنهم ، وولوا عبد ربه وكان من نساكهم ، فسار بهم إلى قومس ( 2 ) ، فأقام بها .
( المهلب والحجاج ) وإن الحجاج كتب إلى المهلب :
( أما بعد ، فقد طاولت القوم وطاولوك ، حتى ضروا بك ومرنوا على حربك ، ولعمري لو لم تطاولهم لا نحسم الداء وانفصم القرن ، وما أنت والقوم سواء ، إن

مدينة بكرمان ، من أعيان مدنها وأنزهها ، بها نخل وفواكه ، قال سهيل بن عدي : ولم تر عيني مثل يوم رأيته بجيرفت من كرمان أوهى وأحقرا ( 2 ) تعريب كومس : كورة كبيرة واسعة ، بها مدن وقرى ومزارع في ذيل جبل طبرستان ، قصبتها دامغان ، بين الري ونيسابور ، ومن مدنها بسطام .