بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 283


وكان رئيس الأزد كلها بعد المهلب بن أبي صفرة ، وكان المهلب في هذا الوقت بخراسان بعد .
فقال الحارث لمسعود : يا ابن عم ، هذا عبيد الله بن زياد ، قد أجرته عليك وعلى قومك .
قال مسعود : أهلكت قومك يا بن قيس ، وعرضتنا لحرب جميع أهل البصرة ، وقد كنا أجرنا أباه من قبله فما كانت عنده مكافأة .
وكان سبب إجارتهم زيادا ، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، في خلافته ولى زيادا البصرة عند خروجه إلى صفين ، وإنما كان يعرف بزياد بن عبيد ، فوجه معاوية إلى البصرة عامر بن الحضرمي في جمع ، فغلب على البصرة ، وهرب منه زياد ، فلجأ إلى الأزد ، فأجاروه ، ومنعوه حتى ثاب الناس إلى زياد ، واجتمعوا ، فطرد عامر بن الحضرمي عن البصرة ، وأقام على عمله فيها .
* * * ثم إن مسعود بن عمرو أدخل عبيد الله دار نسائه ، وأفرده في بيت من بيوته ، ووكل به امرأتين من خدمه ، وجمع إليه قومه ، فأعلمهم ذلك .
ولما أصبح الناس ، واستحق عندهم الخبر أتوا داره ، فاقتحموها ليقتلوه ، فلم يصادفوا فيها أحدا ، فانطلقوا إلى الحبس ، فكسروه ، وأخرجوا من كان فيه ، وبقي أهل البصرة تسعة أيام بغير وال .
فاتفقوا على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، فولوه أمرهم لصلاحه ، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتولى الأمر ، وقام بالتدبير .
ولما أتى على عبيد الله أيام ، وأمن الطلب ، قال لمسعود بن عمرو ، والحارث بن قيس : إن الناس قد سكنوا ، ويئسوا مني ، فاعملا في إخراجي من البصرة لألحق بالشام .


صفحه 284


فاكتريا له رجلا من بني يشكر أمينا هاديا بالطريق ، وحملاه على ناقة مهرية ( 1 ) ، وقالا لليشكري : عليك به لا تفارقه حتى توصله إلى مأمنه بالشام .
فخرج ، وخرجا معه مشيعين له في نفر من قومهما ثلاثة أيام ، ثم ودعاه وانصرفا .
قال اليشكري : فبينا نحن نسير ذات ليلة إذا استقبلنا عير وحاد يحدو فيها ، ويقول :
يا رب ، رب الأرض والعباد العن زيادا ، وبني زياد كم قتلوا من مسلم عباد جم الصلاة خاشع الفؤاد يكابد الليل من السهاد فلما سمع عبيد الله ذلك فزع ، وقال : عرف مكاني .
فقلت : لا تخف ، فليس كل من ذكرك يعلم موضعك .
ثم سرنا فأطرق طويلا ، وهو على ناقته ، فظننت أنه نائم ، فناديته : يا نومان .
فقال : ما أنا بنائم ، ولكني مفكر في أمر .
قلت : إني لأعلم الذي كنت مفكرا فيه .
فقال : هاته إذن .
قلت : ندمت على قتلك الحسين بن علي ، وفكرت في بنائك القصر الأبيض بالبصرة ، وما أنفقت عليه من الأموال ، ثم لم يقض لك التمتع به ، وندمت على ما كان من قتلك الخوارج من أهل البصرة بالظنة والتوهم .
قال عبيد : ما أصبت يا أخا بني يشكر شيئا مما كنت مفكرا فيه ، أما قتلي الحسين فإنه خرج على إمام وأمه مجتمعة ، وكتب إلى الإمام يأمرني بقتله ، فإن كان ذلك خطأ كان لازما ليزيد ، وأما بنائي القصر الأبيض ، فما فكرتي


صفحه 285


في قصر بنيته للإمام بأمره وماله ، وأما قتلي من قتلت من الخوارج فقد قتلهم قبلي من هو خير مني ، علي بن أبي طالب رضي الله عنه . غير أني فكرت في بني أبي ، وأولادهم ، فندمت على تركي إخراجهم من البصرة قبل وقوع ما وقع ، وفكرت في بيوت الأموال بالكوفة والبصرة ألا أكون فرقتها وبددتها في الناس عندما ورد على من وفاه الخليفة ، فكنت أكتسب بذلك حمدا في الناس وذكرا .
قلت : فما تريد أن تصنع الآن ؟
قال : إن وافيت دمشق ، وقد اجتمع الناس على إمام دخلت فيما دخلوا فيه ، وإن لم يكونوا اجتمعوا على أحد كانوا غنما ، قلبتها كيف شئت .
( خلافة مروان بن الحكم ) قال : فسرنا حتى دخلنا دمشق ، والناس مختلفون ، لم يملكوا عليهم أحدا ، وقد كان مروان بن الحكم هم باللحاق بعبد الله بن الزبير ليبايعه ، ويكون معه .
فدخل عبيد الله ، وعنفه في ذلك ، وقال :
- أنت سيد قومك ، وأحق الناس بهذا الأمر ، فمد يدك أبايعك .
فقال مروان : وما تبلغ بيعتك وحدك ؟ اخرج إلى الناس وناظرهم في ذلك .
فخرج من عنده ، ولقي جماعة بني أمية ، فعنفهم في ذلك ، وفي تخاذلهم ، وحملهم على بيعة مروان ، فاجتمعوا ، وبايعوه .
وتزوج مروان أم خالد بنت هاشم بن عتبة ، التي كانت امرأة يزيد بن معاوية ، فلما تم لملك مروان بن الحكم تسعة أشهر قتلته امرأته أم خالد .
وذلك أن مروان نظر يوما إلى ابنها خالد بن يزيد بن معاوية ، وهو غلام من أبناء سبع سنين ، يمشي مشية أنكرها ، فقال له : ما هذه المشية يا بن الرطبة ؟ .
فشكا الغلام ذلك إلى أمه ، فقالت له : إنه لا يقول بعد هذا .
فسقته السم ، فلما أحس بالموت جمع بني أمية وأشراف أهل الشام ، فبايع لابنه عبد الملك .


صفحه 286


( خلافة عبد الملك بن مروان ) وامتنع عمرو بن سعيد من البيعة ، ومات مروان ، وله ثلاث وستون سنة ، ثم ملك عبد الملك بن مروان سنة ست وستين ، فخرج عمرو بن سعيد بن العاص عليه ، فصار أهل الشام فرقتين : فرقة مع عبد الملك ، وفرقة مع عمرو بن سعيد .
فدخلت بنو أمية وأشراف أهل الشام بينهما حتى اصطلحا ، على أن يكونا مشتركين في الملك ، وأن يكون مع كل عامل لعبد الملك شريك لعمرو بن سعيد ، وعلى أن اسم الخلافة لعبد الملك ، فإن مات عبد الملك فالخليفة من بعده عمرو بن سعيد ، وكتبا فيما بينهما كتابا ، وأشهدا عليه أشراف أهل الشام .
وكان روح بن زنباع من أخص الناس بعبد الملك بن مروان ، فقال له ، وقد خلا به يوما : يا أمير المؤمنين ، هل من رأيك الوفاء لعمرو ؟
قال : ويحك يا ابن زنباع ، وهل اجتمع فحلان في هجمة قط إلا قتل أحدهما صاحبه ؟
وكان عمرو بن سعيد رجلا معجبا بنفسه ، متهاونا في أمره ، مغترا بأعدائه .
( قتل عمرو بن سعيد بن العاص ) ثم إن عمرا دخل على عبد الملك يوما ، وقد استعد عبد الملك للغدر به ، فأمر به ، فأخذ ، فأضجع ، وذبح ذبحا ، ولف في بساط .
وأحس أصحاب عمرو بذلك ، وهم بالباب ، فتنادوا ، فأخذ عبد الملك خمسمائة صرة ، قد هيئت ، وجعل في كل صرة ألفا درهم ، فأمر بها ، فأصعدت إلى أعلى القصر ، فألقيت إلى أصحاب عمرو بن سعيد مع رأس عمرو ، فترك أصحابه الرأس ملقى ، وأخذوا المال ، وتفرقوا .
فلما أصبح عبد الملك أخذ من أصحاب عمرو ومواليه خمسين رجلا ، فضرب أعناقهم ، وهرب الباقون ، فلحقوا بعبد الله بن الزبير .


صفحه 287


وفي ذلك يقول قائلهم :
غدرتم بعمرو يال مروان ضلة * ومثلكم يبني البيوت على الغدر فرحنا ، وراح الشامتون بقتله * كان على أكتافنا فلق الصخر وما كان عمرو عاجزا ، غير أنه * أتته المنايا بغتة ، وهو لا يدري كان بني مروان إذ يقتلونه * بغاث من الطير اجتمعن على صقر[1]قالوا : ولما خرج عبيد الله من البصرة شاع بها أن عبيد الله كان عند الأزد ، فأقبل رجل من الخوارج ليلا ، فجلس لمسعود بن عمرو ، فلما خرج لصلاة الفجر ، وثب عليه بسكين فقتله .
فاجتمعت الأزد ، وقالوا : والله ما قتله إلا بنو تميم ، ولنقتلن سيدهم الأحنف بن قيس .
فقال الأحنف لقومه : إن الأزد قد اتهموكم في قتل صاحبهم ، وقد استغنوا بالظن عن اليقين ، ولا بد من غرم عقله[2].
فجمعوا ألف ناقة ، ووجهوا بها إلى الأزد - وكانت دية الملوك - فرضيت الأزد ، وكفوا .
وقوى أمر عبد الله بن الزبير ، وأعطاه أهل الكوفة الطاعة .
فولى الكوفة عبد الله بن مطيع العدوي .
ووجه أخاه مصعب بن الزبير إلى البصرة ، وأمر عبد الله بن مطيع بمكاتبته .
ووجه عماله إلى اليمن ، والبحرين ، وعمان ، وسائر الحجاز .
ودانت لابن الزبير البلدان إلا الشام ومصر . فإن مروان بن الحكم كان حماهما .
وانحلبت على ابن الزبير الأموال ، فهدم الكعبة وجدد بناءها ، وذلك في


[1]البغاث مثلثة : طائر ضعيف من شرار الطير ، لونه أغبر . ومن أمثلة العرب ، إن البغاث بأرضنا يستنسر ، أي من جاورنا عز بنا .
[2]العقل الدية .


صفحه 288


سنة خمس وستين ، ولف الحجر الأسود في حرير وجعله في تابوت وختم عليه ، واستودعه الحجبة مع جميع ما كان معلقا في الكعبة من ذهب وجوهر ، ولما بناها أدخل الحجر في البيت .
فلما قتل ابن الزبير نقضها الحجاج ، وأعاد بناءها على ما كان ، فهي على ذلك إلى اليوم .
( الدعوة إلى العلويين ) قالوا : وإن المختار[1]بن أبي عبيد الثقفي جعل يختلف بالكوفة إلى شيعة بني هاشم ، ويختلفون إليه ، فيدعوهم إلى الخروج معه والطلب بدم الحسين ، فاستجاب له بشر كثير ، وكان أكثر من استجاب له همدان ، وقوم كثير من أبناء العجم الذين كانوا بالكوفة ، ففرض لهم معاوية - وكانوا يسمون الحمراء - وكان منهم بالكوفة زهاء عشرين ألف رجل .
وكان على الكوفة يومئذ من قبل عبد الله بن الزبير عبد الله بن مطيع ، فأرسل ابن مطيع إلى المختار : ما هذه الجماعات التي تغدو وتروح إليك ؟
فقال المختار : مريض ، يعاد .
فلم يزل كذلك حتى قال له نصحاؤه : عليك بإبراهيم بن الأشتر ، فاستمله إليك ، فإنه متى شايعك على أمر ظفرت به ، وقضيت حاجتك .
فأرسل المختار إلى جماعة من أصحابه ، فدخلوا عليه ، وبيده صحيفة مختومة بالرصاص .
فقال الشعبي : وكنت فيمن دخل عليه ، فرأيت الرصاص أبيض يلوح ، فظننت أنه إنما ختم من الليل ، فقال لنا : انطلقوا بنا حتى نأتي إبراهيم ابن الأشتر .


[1]كان خروج المختار في صفر سنة 66 ( سبتمبر 685 ) .


صفحه 289


قال : فمضينا معه ، وكنت أنا ويزيد بن أنس الأسدي ، وأحمر بن سليط ، وعبد الله بن كامل ، وأبو عمرة كيسان ، مولى بجيلة ، الذي يقول الناس : قد جاوره أبو عمرة ، وكان من بعد ذلك على شرط المختار .
قال الشعبي : فأتينا إبراهيم بن الأشتر ، وهو جالس في صحن داره ، فسلمنا عليه ، فتناول يد المختار ، وأجلسه معه على مقعدة كان عليها .
وتكلم المختار وكان مفوها ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال :
إن الله قد أكرمك ، وأكرم أباك من قبلك بموالاة بني هاشم ونصرتهم ، ومعرفة فضلهم ، وما أوجب الله من حقهم ، وقد كتب إليك محمد بن علي بن أبي طالب - يعني ابن الحنفية - هذا الكتاب بحضرة هؤلاء النفر الذين معي .
فقال القوم جميعا : نشهد أن هذا كتابه ، رأيناه حين كتبه .
ثم ناوله ، ففتحه وقرأه ، فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن علي إلى إبراهيم الأشتر ، أما بعد فإن المختار بن أبي عبيد على الطلب بدم الحسين ، فساعده في ذلك ، وآزره يثبك الله ثواب الدنيا ، وحسن ثواب الآخرة .
فلما قرأ إبراهيم بن الأشتر الكتاب قال للمختار :
سمعا وطاعة لمحمد بن علي ، فقل ما بدا لك ، وادع إلى ما شئت .
فقال المختار : أ تأتينا ، أو نأتيك في أمرنا ؟
فقال إبراهيم : بل أنا آتيك كل يوم إلى منزلك .
قال الشعبي : فكان إبراهيم بن الأشتر يركب إلى المختار في كل يوم في نفر من مواليه وخدمه .
قال الشعبي : ودخلتني وحشة من شهادة النفر الذين كانوا معي ، على أنهم رأوا


صفحه 290


محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب إلى إبراهيم بن الأشتر ، فأتيتهم في منزلهم رجلا رجلا ، فقلت :
هل رأيت محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب ؟
فكل يقول : نعم ، وما أنكرت من ذلك ؟
فقلت في نفسي : إن لم استعملها من العجمي ، يعني أبا عمرة ، لم أطمع فيها من غيره .
فأتيته في منزله ، فقلت :
ما أخوفني من عاقبة أمرنا هذا أن ينصب الناس جميعا لنا ، فهل شهدت محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب ؟
فقال : والله ما شهدته حين كتبه ، غير أن أبا إسحاق - يعني المختار - عندنا ثقة ، وقد أتانا بعلامات من ابن الحنفية ، فصدقناه .
قال الشعبي : فعرفت عند ذلك كذب المختار ، وتمويهه ، فخرجت من الكوفة حتى لحقت بالحجاز ، فلم أشهد من تلك المشاهد شيئا .
* * * قالوا : وكان على شرطة عبد الله بن مطيع بالكوفة إياس بن نضار العجلي ، وكان طريق إبراهيم بن الأشتر إذا ركب إلى المختار على باب داره ، فأرسل إلى إبراهيم :
أنه قد كثر اختلافك في هذا الطريق ، فأقصر عن ذلك .
فأخبر إبراهيم المختار بما أرسل إليه إياس ، فقال له المختار : ( تجنب ذلك الطريق ، وخذ في غيره ) . ففعل .
وبلغ أياسا أن إبراهيم بن الأشتر لا يقلع عن إتيان المختار كل يوم ، فأرسل إليه : أن أمرك يريبني ، فلا أرينك راكبا ، ولا تبرحن منزلك ، فأضرب عنقك .
فأخبر إبراهيم المختار بذلك . واستأذنه في قتله ، فأذن له .
وإن إبراهيم ركب في جماعة من أهل بيته وما يليه ، وجعل طريقه على مجلس إياس ، فقال له إياس :