وفي ذلك يقول قائلهم :
غدرتم بعمرو يال مروان ضلة * ومثلكم يبني البيوت على الغدر فرحنا ، وراح الشامتون بقتله * كان على أكتافنا فلق الصخر وما كان عمرو عاجزا ، غير أنه * أتته المنايا بغتة ، وهو لا يدري كان بني مروان إذ يقتلونه * بغاث من الطير اجتمعن على صقر[1]قالوا : ولما خرج عبيد الله من البصرة شاع بها أن عبيد الله كان عند الأزد ، فأقبل رجل من الخوارج ليلا ، فجلس لمسعود بن عمرو ، فلما خرج لصلاة الفجر ، وثب عليه بسكين فقتله .
فاجتمعت الأزد ، وقالوا : والله ما قتله إلا بنو تميم ، ولنقتلن سيدهم الأحنف بن قيس .
فقال الأحنف لقومه : إن الأزد قد اتهموكم في قتل صاحبهم ، وقد استغنوا بالظن عن اليقين ، ولا بد من غرم عقله[2].
فجمعوا ألف ناقة ، ووجهوا بها إلى الأزد - وكانت دية الملوك - فرضيت الأزد ، وكفوا .
وقوى أمر عبد الله بن الزبير ، وأعطاه أهل الكوفة الطاعة .
فولى الكوفة عبد الله بن مطيع العدوي .
ووجه أخاه مصعب بن الزبير إلى البصرة ، وأمر عبد الله بن مطيع بمكاتبته .
ووجه عماله إلى اليمن ، والبحرين ، وعمان ، وسائر الحجاز .
ودانت لابن الزبير البلدان إلا الشام ومصر . فإن مروان بن الحكم كان حماهما .
وانحلبت على ابن الزبير الأموال ، فهدم الكعبة وجدد بناءها ، وذلك في
[1]البغاث مثلثة : طائر ضعيف من شرار الطير ، لونه أغبر . ومن أمثلة العرب ، إن البغاث بأرضنا يستنسر ، أي من جاورنا عز بنا .
[2]العقل الدية .
سنة خمس وستين ، ولف الحجر الأسود في حرير وجعله في تابوت وختم عليه ، واستودعه الحجبة مع جميع ما كان معلقا في الكعبة من ذهب وجوهر ، ولما بناها أدخل الحجر في البيت .
فلما قتل ابن الزبير نقضها الحجاج ، وأعاد بناءها على ما كان ، فهي على ذلك إلى اليوم .
( الدعوة إلى العلويين ) قالوا : وإن المختار[1]بن أبي عبيد الثقفي جعل يختلف بالكوفة إلى شيعة بني هاشم ، ويختلفون إليه ، فيدعوهم إلى الخروج معه والطلب بدم الحسين ، فاستجاب له بشر كثير ، وكان أكثر من استجاب له همدان ، وقوم كثير من أبناء العجم الذين كانوا بالكوفة ، ففرض لهم معاوية - وكانوا يسمون الحمراء - وكان منهم بالكوفة زهاء عشرين ألف رجل .
وكان على الكوفة يومئذ من قبل عبد الله بن الزبير عبد الله بن مطيع ، فأرسل ابن مطيع إلى المختار : ما هذه الجماعات التي تغدو وتروح إليك ؟
فقال المختار : مريض ، يعاد .
فلم يزل كذلك حتى قال له نصحاؤه : عليك بإبراهيم بن الأشتر ، فاستمله إليك ، فإنه متى شايعك على أمر ظفرت به ، وقضيت حاجتك .
فأرسل المختار إلى جماعة من أصحابه ، فدخلوا عليه ، وبيده صحيفة مختومة بالرصاص .
فقال الشعبي : وكنت فيمن دخل عليه ، فرأيت الرصاص أبيض يلوح ، فظننت أنه إنما ختم من الليل ، فقال لنا : انطلقوا بنا حتى نأتي إبراهيم ابن الأشتر .
[1]كان خروج المختار في صفر سنة 66 ( سبتمبر 685 ) .
قال : فمضينا معه ، وكنت أنا ويزيد بن أنس الأسدي ، وأحمر بن سليط ، وعبد الله بن كامل ، وأبو عمرة كيسان ، مولى بجيلة ، الذي يقول الناس : قد جاوره أبو عمرة ، وكان من بعد ذلك على شرط المختار .
قال الشعبي : فأتينا إبراهيم بن الأشتر ، وهو جالس في صحن داره ، فسلمنا عليه ، فتناول يد المختار ، وأجلسه معه على مقعدة كان عليها .
وتكلم المختار وكان مفوها ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال :
إن الله قد أكرمك ، وأكرم أباك من قبلك بموالاة بني هاشم ونصرتهم ، ومعرفة فضلهم ، وما أوجب الله من حقهم ، وقد كتب إليك محمد بن علي بن أبي طالب - يعني ابن الحنفية - هذا الكتاب بحضرة هؤلاء النفر الذين معي .
فقال القوم جميعا : نشهد أن هذا كتابه ، رأيناه حين كتبه .
ثم ناوله ، ففتحه وقرأه ، فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن علي إلى إبراهيم الأشتر ، أما بعد فإن المختار بن أبي عبيد على الطلب بدم الحسين ، فساعده في ذلك ، وآزره يثبك الله ثواب الدنيا ، وحسن ثواب الآخرة .
فلما قرأ إبراهيم بن الأشتر الكتاب قال للمختار :
سمعا وطاعة لمحمد بن علي ، فقل ما بدا لك ، وادع إلى ما شئت .
فقال المختار : أ تأتينا ، أو نأتيك في أمرنا ؟
فقال إبراهيم : بل أنا آتيك كل يوم إلى منزلك .
قال الشعبي : فكان إبراهيم بن الأشتر يركب إلى المختار في كل يوم في نفر من مواليه وخدمه .
قال الشعبي : ودخلتني وحشة من شهادة النفر الذين كانوا معي ، على أنهم رأوا
محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب إلى إبراهيم بن الأشتر ، فأتيتهم في منزلهم رجلا رجلا ، فقلت :
هل رأيت محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب ؟
فكل يقول : نعم ، وما أنكرت من ذلك ؟
فقلت في نفسي : إن لم استعملها من العجمي ، يعني أبا عمرة ، لم أطمع فيها من غيره .
فأتيته في منزله ، فقلت :
ما أخوفني من عاقبة أمرنا هذا أن ينصب الناس جميعا لنا ، فهل شهدت محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب ؟
فقال : والله ما شهدته حين كتبه ، غير أن أبا إسحاق - يعني المختار - عندنا ثقة ، وقد أتانا بعلامات من ابن الحنفية ، فصدقناه .
قال الشعبي : فعرفت عند ذلك كذب المختار ، وتمويهه ، فخرجت من الكوفة حتى لحقت بالحجاز ، فلم أشهد من تلك المشاهد شيئا .
* * * قالوا : وكان على شرطة عبد الله بن مطيع بالكوفة إياس بن نضار العجلي ، وكان طريق إبراهيم بن الأشتر إذا ركب إلى المختار على باب داره ، فأرسل إلى إبراهيم :
أنه قد كثر اختلافك في هذا الطريق ، فأقصر عن ذلك .
فأخبر إبراهيم المختار بما أرسل إليه إياس ، فقال له المختار : ( تجنب ذلك الطريق ، وخذ في غيره ) . ففعل .
وبلغ أياسا أن إبراهيم بن الأشتر لا يقلع عن إتيان المختار كل يوم ، فأرسل إليه : أن أمرك يريبني ، فلا أرينك راكبا ، ولا تبرحن منزلك ، فأضرب عنقك .
فأخبر إبراهيم المختار بذلك . واستأذنه في قتله ، فأذن له .
وإن إبراهيم ركب في جماعة من أهل بيته وما يليه ، وجعل طريقه على مجلس إياس ، فقال له إياس :
يا ابن الأشتر ، أ لم آمرك ألا تبرح من منزلك ؟
فقال له إبراهيم : أنت والله - ما علمت - أحمق .
فقال للجلاوزة : نكسوه .
فانتضى إبراهيم سيفه ، وشد على إياس ، فضربه حتى قتله . ثم حمل على الجلاوزة ، فانحرفوا عنه ، ومضى إبراهيم .
وبلغ عبد الله بن مطيع الخبر ، فأمر بطلب إبراهيم ، ووجه إلى منزله .
وبلغ ذلك المختار ، فوجه إلى إبراهيم بمائة فارس ، فلما وافوه حمل على أصحاب ابن مطيع ، فانهزموا عنه ، فأقبل إبراهيم نحو دار الإمارة ، ووافاه المختار في سبعة آلاف فارس .
فتحصن ابن مطيع في القصر ، وبعث إلى الحرس والجند .
فوافاه منهم نحو ثلاثة آلاف رجل ، فنادى ( يا لثارات الحسين ) فوافاه زهاء عشرة آلاف رجل ممن بايعه على الطلب بدم الحسين .
وفي ذلك يقول عبد الله بن همام :
وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى * ويزويه عن رود الشباب شموع دعا ، يا لثارات الحسين فأقبلت * كتائب من همدان بعد هزيع ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك * يقود جموعا أردفت بجموع ومن أسد وافى يزيد لنصره * بكل فتى ماضي الجنان منيع وخرج ابن مطيع من القصر ، واجتمع إليه الجنود ، ونهد ( 2 ) إليه المختار في أصحابه ، وعلى مقدمته ابن الأشتر ، فالتقوا ، فاقتتلوا ، فقتل من أصحاب ابن مطيع بشر كثير ، فانهزموا .
وبادر ابن مطيع إلى القصر ، فتحصن فيه في طائفة من أصحابه ، وأقبلت همدان حتى تسلقوا القصر بالحبال من ناحية دار عمارة بن عقبة بن أبي معيط .
( 1 ) نهض .
فلما رأى ابن مطيع ضعفه عن القوم سأل الأمان على نفسه ومن معه من أصحابه ، فأجابه المختار إلى ذلك ، فأمنه .
فخرج ابن مطيع ، وأظهر المختار إكرامه ، وأمر له من بيت المال بمائة ألف ألف درهم ، وحفظ فيه قرابته من عمر بن الخطاب ، وقال له : ( ارحل إذا شئت ) .
* * * ثم إن المختار غلب على الكوفة ودانت له العراق وسائر البلاد إلا الجزيرة والشام ومصر ، فإن عبد الملك قد كان حماها ، ووجه عماله في الآفاق .
فاستعمل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني على الموصل ، ومحمد بن عثمان التميمي على آذربيجان ، وعبد الله بن الحارث أخا الأشتر على الماهين وهمذان ، ويزيد ابن معاوية البجلي على أصبهان وقم وأعمالها ، وابن مالك البكراوي على حلوان[1]وماسبذان ، ويزيد بن أبي نجبة الفزاري على الري ودستبي ، وزحر بن قيس على جوخى . وفرق سائر البلدان على خاصته .
وولى الشرطة كيسان أبا عمرة ، وأمره أن يجمع ألف رجل من الفعلة بالمعاول ، وتتتبع دور من خرج إلى قتال الحسين بن علي ، فيهدمها .
وكان أبو عمرة بذلك عارفا ، فجعل يدور بالكوفة على دورهم ، فيهدم الدار في لحظة ، فمن خرج إليه منهم قتلة ، حتى هدم دورا كثيرة ، وقتل أناسا كثيرا ، وجعل يطلب ويستقصي ، فمن ظفر به قتله ، وجعل ماله وعطاءه لرجل من أبناء العجم الذين كانوا معه .
ثم إن المختار عقد ليزيد بن أنس الأسدي في عشرين ألف رجل ، وقواهم بالسلاح والعدة ، وولاه الجزيرة وما غلب عليه من أرض الشام .
فسار يزيد حتى نزل نصيبين .
[1]بلد في العراق ، آخر حدود السواد مما يلي الجبال ، سميت باسم حلوان بن عمران بن قضاعة ، وكان أقطعه إياها بعض الملوك ، وكانت مدينة عامرة ، لم يكن بالعراق بعد البصرة والكوفة وواسط أكبر منها ، وحواليها عيون كبريتية ينتفع بها ينتفع بها من عدة أدواء .
وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان ، فخرج بأهل الشام فوافى نصيبين ، وقاتل يزيد ابن أنس ، فهزمه ، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة .
وبلغ المختار ذلك ، فقال لإبراهيم بن الأشتر :
أيها الرجل ، إنما هو أنا وأنت ، فسر إليهم ، فوالله لتقتلن الفاسق عبيد الله ابن زياد ، أو لتقتلن الحصين بن نمير ، وليهزمن الله بك ذلك الجيش ، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب ، وعرف الملاحم .
قال إبراهيم :
ما أحسبك أيها الأمير بأحرص على قتال أهل الشام ، ولا أحسن بصيرة في ذلك مني ، وأنا سائر .
فانتخب له المختار عشرين ألف رجل ، وكان جلهم أبناء الفرس الذين كانوا بالكوفة ، ويسمون الحمراء .
وسار نحو الجزيرة ، ورد من كان انهزم من أصحاب يزيد بن أنس ، فصار في نحو من ثلاثين ألف رجل .
وبلغ ذلك عبد الملك ، فعقد للحصين بن نمير في فرسان أهل الشام ، وكانوا نحوا من أربعين ألفا ، وفيهم عبيد الله بن زياد ، وفيهم من قتلة الحسين : عمير بن الحباب ، وفرات بن سالم ، ويزيد بن الحضين ، وأناس سوى هؤلاء كثير .
فقال فرات لعمير : قد عرفت سوء ولاية بني مروان ، وسوء رأيهم في قومنا من قيس ، ولئن خلص الأمر ، وصفا لعبد الملك ليستأصلن قيسا ، أو ليقصينهم ، ونحن منهم ، فانصرف بنا لننظر ما حال إبراهيم بن الأشتر .
فلما جنهما الليل ركبا فرسيهما ، وبينهما وبين عسكر إبراهيم أربعة فراسخ ، وكانا يمران بمسالح أهل الشام ، فيقولون لهما : ( من )[1]أنتما ؟ فيقولان : طليعة للأمير الحصين بن نمير .
فأقبلا حتى أتيا عسكر إبراهيم بن الأشتر ، وقد أوقد النيران ، وهو قائم يعبي
[1]في الأصل : ما أنتما .
أصحابه ، وعليه قميص أصفر هروي[1]، وملاءة موردة متوشحا بها ، متقلدا سيفه .
فدنا منه عمير بن الحباب ، فصار خلفه ، وإبراهيم لا يأبه له ، فاحتضنه من ورائه ، فما تحلحل[2]إبراهيم عن موضعه ، غير أنه أمال رأسه ، وقال :
من هذا ؟
قال : أنا عمير بن الحباب .
فأقبل بوجهه إليه ، وقال :
- اجلس حتى أفرغ لك .
فتنحى عنه ، وقعدا ممسكين بأعنة فرسيهما .
فقال عمير لصاحبه : هل رأيت رجلا أربط جأشا ، وأشد قلبا من هذا ؟ تراه تحلحل من مكانه ، أو اكترث لي ، وأنا محتضنة من خلف .
فقال له صاحبه : ما رأيت مثله .
* * * فلما فرغ إبراهيم من تعبية أصحابه أتاهما ، فجلس إليهما ، ثم قال لعمير :
ما أعملك إلى يا أبا المغلس ؟
قال عمير : لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك ، وذلك أني لم أسمع فيه كلاما عربيا حتى انتهيت إليك ، وإنما معك هؤلاء الأعاجم ، وقد جاءك صناديد[3]أهل الشام وإبطالهم ، وهم زهاء أربعين ألف رجل ، فكيف تلقاهم بمن معك ؟
فقال إبراهيم :
والله لو لم أجد إلا النمل لقاتلتهم بها ، فكيف وما قوم أشد بصيرة في قتال أهل الشام من هؤلاء الناس الذين تراهم معي ؟ وإنما هم أولاد الأساورة من أهل
[1]من صنع هراة ، بلدة بفارس .
[2]أي ما تحرك عن موضعه ، وفي نسخة تخلخل .
[3]السادة الشجعان ، وجماعات العسكر .