بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 292


فلما رأى ابن مطيع ضعفه عن القوم سأل الأمان على نفسه ومن معه من أصحابه ، فأجابه المختار إلى ذلك ، فأمنه .
فخرج ابن مطيع ، وأظهر المختار إكرامه ، وأمر له من بيت المال بمائة ألف ألف درهم ، وحفظ فيه قرابته من عمر بن الخطاب ، وقال له : ( ارحل إذا شئت ) .
* * * ثم إن المختار غلب على الكوفة ودانت له العراق وسائر البلاد إلا الجزيرة والشام ومصر ، فإن عبد الملك قد كان حماها ، ووجه عماله في الآفاق .
فاستعمل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني على الموصل ، ومحمد بن عثمان التميمي على آذربيجان ، وعبد الله بن الحارث أخا الأشتر على الماهين وهمذان ، ويزيد ابن معاوية البجلي على أصبهان وقم وأعمالها ، وابن مالك البكراوي على حلوان[1]وماسبذان ، ويزيد بن أبي نجبة الفزاري على الري ودستبي ، وزحر بن قيس على جوخى . وفرق سائر البلدان على خاصته .
وولى الشرطة كيسان أبا عمرة ، وأمره أن يجمع ألف رجل من الفعلة بالمعاول ، وتتتبع دور من خرج إلى قتال الحسين بن علي ، فيهدمها .
وكان أبو عمرة بذلك عارفا ، فجعل يدور بالكوفة على دورهم ، فيهدم الدار في لحظة ، فمن خرج إليه منهم قتلة ، حتى هدم دورا كثيرة ، وقتل أناسا كثيرا ، وجعل يطلب ويستقصي ، فمن ظفر به قتله ، وجعل ماله وعطاءه لرجل من أبناء العجم الذين كانوا معه .
ثم إن المختار عقد ليزيد بن أنس الأسدي في عشرين ألف رجل ، وقواهم بالسلاح والعدة ، وولاه الجزيرة وما غلب عليه من أرض الشام .
فسار يزيد حتى نزل نصيبين .


[1]بلد في العراق ، آخر حدود السواد مما يلي الجبال ، سميت باسم حلوان بن عمران بن قضاعة ، وكان أقطعه إياها بعض الملوك ، وكانت مدينة عامرة ، لم يكن بالعراق بعد البصرة والكوفة وواسط أكبر منها ، وحواليها عيون كبريتية ينتفع بها ينتفع بها من عدة أدواء .


صفحه 293


وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان ، فخرج بأهل الشام فوافى نصيبين ، وقاتل يزيد ابن أنس ، فهزمه ، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة .
وبلغ المختار ذلك ، فقال لإبراهيم بن الأشتر :
أيها الرجل ، إنما هو أنا وأنت ، فسر إليهم ، فوالله لتقتلن الفاسق عبيد الله ابن زياد ، أو لتقتلن الحصين بن نمير ، وليهزمن الله بك ذلك الجيش ، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب ، وعرف الملاحم .
قال إبراهيم :
ما أحسبك أيها الأمير بأحرص على قتال أهل الشام ، ولا أحسن بصيرة في ذلك مني ، وأنا سائر .
فانتخب له المختار عشرين ألف رجل ، وكان جلهم أبناء الفرس الذين كانوا بالكوفة ، ويسمون الحمراء .
وسار نحو الجزيرة ، ورد من كان انهزم من أصحاب يزيد بن أنس ، فصار في نحو من ثلاثين ألف رجل .
وبلغ ذلك عبد الملك ، فعقد للحصين بن نمير في فرسان أهل الشام ، وكانوا نحوا من أربعين ألفا ، وفيهم عبيد الله بن زياد ، وفيهم من قتلة الحسين : عمير بن الحباب ، وفرات بن سالم ، ويزيد بن الحضين ، وأناس سوى هؤلاء كثير .
فقال فرات لعمير : قد عرفت سوء ولاية بني مروان ، وسوء رأيهم في قومنا من قيس ، ولئن خلص الأمر ، وصفا لعبد الملك ليستأصلن قيسا ، أو ليقصينهم ، ونحن منهم ، فانصرف بنا لننظر ما حال إبراهيم بن الأشتر .
فلما جنهما الليل ركبا فرسيهما ، وبينهما وبين عسكر إبراهيم أربعة فراسخ ، وكانا يمران بمسالح أهل الشام ، فيقولون لهما : ( من )[1]أنتما ؟ فيقولان : طليعة للأمير الحصين بن نمير .
فأقبلا حتى أتيا عسكر إبراهيم بن الأشتر ، وقد أوقد النيران ، وهو قائم يعبي


[1]في الأصل : ما أنتما .


صفحه 294


أصحابه ، وعليه قميص أصفر هروي[1]، وملاءة موردة متوشحا بها ، متقلدا سيفه .
فدنا منه عمير بن الحباب ، فصار خلفه ، وإبراهيم لا يأبه له ، فاحتضنه من ورائه ، فما تحلحل[2]إبراهيم عن موضعه ، غير أنه أمال رأسه ، وقال :
من هذا ؟
قال : أنا عمير بن الحباب .
فأقبل بوجهه إليه ، وقال :
- اجلس حتى أفرغ لك .
فتنحى عنه ، وقعدا ممسكين بأعنة فرسيهما .
فقال عمير لصاحبه : هل رأيت رجلا أربط جأشا ، وأشد قلبا من هذا ؟ تراه تحلحل من مكانه ، أو اكترث لي ، وأنا محتضنة من خلف .
فقال له صاحبه : ما رأيت مثله .
* * * فلما فرغ إبراهيم من تعبية أصحابه أتاهما ، فجلس إليهما ، ثم قال لعمير :
ما أعملك إلى يا أبا المغلس ؟
قال عمير : لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك ، وذلك أني لم أسمع فيه كلاما عربيا حتى انتهيت إليك ، وإنما معك هؤلاء الأعاجم ، وقد جاءك صناديد[3]أهل الشام وإبطالهم ، وهم زهاء أربعين ألف رجل ، فكيف تلقاهم بمن معك ؟
فقال إبراهيم :
والله لو لم أجد إلا النمل لقاتلتهم بها ، فكيف وما قوم أشد بصيرة في قتال أهل الشام من هؤلاء الناس الذين تراهم معي ؟ وإنما هم أولاد الأساورة من أهل


[1]من صنع هراة ، بلدة بفارس .
[2]أي ما تحرك عن موضعه ، وفي نسخة تخلخل .
[3]السادة الشجعان ، وجماعات العسكر .


صفحه 295


فارس ، والمرازبة ، وأنا ضارب الخيل بالخيل ، والرجال بالرجال ، والنصر من عند الله .
قال عمير : إن قومي قيسا . إذا التقى الجبلان غدا في ميسرة أهل الشام فلا تحفل بنا ، فإنا منهزمون لنكسر الجيش بذلك ، فإنا لا نحب ظهور بني مروان لسوء صنيعهم إلينا معاشر قيس ، وأنا إليك لأميل .
قال إبراهيم : وذاك .
ثم انصرفا إلى معسكرهما .
ولما أصبح الفريقان زحف بعضهم إلى بعض ، فتواقفوا بمكان يدعى خازر[1]فنادى إبراهيم بن الأشتر حماة عسكره ( عليكم بالميسرة ) ، وفيها قيس .
فقال عمير بن الحباب لصاحبه : هذا وأبيك الحزم ، لم يثق بقولنا وخاف مكرنا .
وصاح عمير بن الحباب في قيس ، يا لثارات مرج راهط[2]، فنكسوا أعلامهم ، وانهزموا ، فانكسر أهل الشام .
وحمل عليهم إبراهيم بن الأشتر ، فأكثر فيهم القتل ، وانهزم أهل الشام ، فأتبعهم إبراهيم يقتلهم إلى الليل ، وقتل أميرهم الحصين بن نمير - وكان من قتلة الحسين - وشرحبيل بن ذي الكلاع ، وعظماء أهل الشام .
فلما وضعت الحرب أوزارها قال إبراهيم بن الأشتر : إني قتلت في الوقعة رجلا من أهل الشام ، كان يقاتل في أوائلهم قتالا شديدا ، وهو يقول : ( أنا الغلام القرشي ) . فلما سقط شممت منه ريح المسك ، فاطلبوه بين القتلى .
فطلب حتى أصابوه ، فإذا هو عبيد الله بن زياد ، فأمر به إبراهيم ، فخر رأسه ، فوجه به إلى المختار ، فوجه به المختار إلى محمد بن الحنفية .
واحتوى إبراهيم بن الأشتر على عسكر الشام ، فغنم ما كان فيه .


[1]كورة بين الموصل وإربل ، على نهير سمي به .
[2]المرج الموضع ترعي فيه الدواب ، ومرج راهط : ناحية من نواحي دمشق .


صفحه 296


فأتته هند ابنة أسماء بن خارجة الفزاري ، امرأة عبيد الله بن زياد ، فأخبرته بانتهاب ما كان معها من مالها ، فقال لها :
- كم ذهب لك ؟
قالت : قيمة خمسين ألف درهم .
فأمر لها بمائة ألف درهم ، ووجه معها مائة فارس حتى أتوا بها أباها البصرة .
ودخل عبيد الله بن عمرو الساعدي ، وكان شاعرا على إبراهيم بن الأشتر ، فأنشده :
الله أعطاك المهابة والتقى * وأحل بيتك في العديد الأكثر وأقر عينك يوم وقعة خازر * والخيل تعثر بالقنا المتكسر من ظالمين كفتهم آثامهم * تركوا لعافية وطير حسر ما كان أجرأهم ، جزاهم ربهم * شر الجزاء على ارتكاب المنكر إني أتيتك إذ تناءى منزلي * وذممت إخوان الغنى من معشري وعلمت أنك لا تضيع مدحتي * ومتى أكن بسبيل خير أشكر فهلم نحوي ، من يمينك نفحة * إن الزمان ألح يا ابن الأشتر فأعطاه عشرة آلاف درهم .
* * * وإن إبراهيم بن الأشتر أقام بالموصل ، ووجه عماله إلى مدن الجزيرة ، فاستعمل إسماعيل بن زفر على قرقيسياء[1]، وحاتم بن النعمان الباهلي على حران[2]والرها[3]


[1]في الأصل قرقيسيا ، وهي بلد على نهر الخابور عند مصبه ، ومنها جانب على نهر الفرات ، فوق رحبة مالك بن طوق .
[2]مدينة قديمة ، قصبة ديار مضر ، قيل إنها أول مدينة بنيت بعد الطوفان ، وكانت منزل الصابئة وهي مهاجر الخليل إبراهيم عليه السلام .
[3]مدينة بأرض الجزيرة في فوق حران .


صفحه 297


وسميساط[1]، وعمير بن الحباب السلمي على ( كفرتوثا )[2]، والسفاح ابن كردوس على سنجار[3]، وعبد الله بن مسلم على ميافارقين[4]، ومسلم ابن ربيعة العقيلي علي آمد[5]، وسار هو إلى نصيبين ، فأقام بها .
وأن المختار كتب إلى عبيد الله بن الحر الجعفي ، وكان بناحية الجبل يتطرف ويغير : ( إنما خرجت غضبا للحسين ، ونحن أيضا ممن غضب له ، وقد تجردنا لنطلب بثأره ، فأعنا على ذلك ) . فلم يجبه عبيد الله إلى ذلك .
فركب المختار إلى داره بالكوفة فهدمها ، وأمر بامرأته أم سلمة ، ابنة عمر الجعفي ، فحبست في السجن ، وانتهب جميع ما كان في منزله ، وكان الذي تولى ذلك عمرو بن سعيد بن قيس الهمداني .
وبلغ ذلك عبيد الله بن الحر ، فقصد إلى ضيعة لعمرو بن سعيد بالماهين ، فأغار عليها ، واستاق مواشيها ، وأحرق زرعها ، وقال :
وما ترك الكذاب من جل مالنا * ولا المرء من همدان غير شريد أ في الحق أن يجتاح مالي كله * وتأمن عندي ضيعة ابن سعيد ؟
ثم اختار من إبطال أصحابه مائة فارس ، فيهم محشر التميمي ، ودلهم بن زياد المرادي ، وأحمر طئ ، وخلف بقية أصحابه بالماهين .
وسار نحو الكوفة حتى انتهى إلى جسرها ليلا ، فأمر بقوام الجسر ، فكتفوا ، ووكل بهم رجلا من أصحابه ، ثم عبر .


[1]مدينة على شاطئ الفرات في طرف بلاد الروم ، وكان بها قلعة ، يسكن في شق منها الأرمن .
[2]في الأصل ( كفرثونا ) والصحيح ما ذكر ، وهي قرية كبيرة ، من أعمال الجزيرة بالعراق .
[3]مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة .
[4]أشهر مدينة بديار بكر ، وقد بناها الروم .
[5]لفظة رومية ، وهي بلد قديم حصين ، يحيط بأكثره نهر دجلة .


صفحه 298


ودخل الكوفة ، فلقيه أبو عمرة كيسان ، وهو يعس بالكوفة ، فقال : من أنتم ؟
قالوا : نحن أصحاب عبد الله بن كامل ، أقبلنا إلى الأمير المختار . قال : امضوا في حفظ الله .
فمضوا حتى انتهوا إلى السجن ، فكسروه ، فخرج كل من فيه ، وحمل أم سلمة على فرس ، ووكل بها أربعين رجلا ، وقدمها ، ثم مضى .
وبلغ الخبر المختار ، فأرسل راشدا مولى بجيلة في ثلاثة آلاف رجل ، وعطف عليهم أبو عمرة من ناحية بجيلة في ألف رجل .
وخرج عليهم عبد الله بن كامل من ناحية النخع في ألف رجل ، فأحاطوا بهم .
فلم يزل عبيد الله يكشفهم ، ويسير والحجارة تأخذه ( هو ) وأصحابه من سطوح الكوفة حتى عبر الجسر ، وقد قتل من أصحاب المختار مائة رجل ، ولم يقتل من أصحابه إلا أربعة نفر .
وسار عبيد الله حتى انتهى إلى ( بانقيا )[1]فنزلوا ، وداووا جروحهم ، وعلفوا دوابهم ، وسقوها ، ثم ركبوا ، فلم يحلوا عقدها حتى انتهوا إلى ( سورا )[2]فأراحوا بها ، ثم ساروا حتى أتوا المدائن ، ثم لحق بأصحابه بالماهين .
ولما تجرد المختار لطلب قتلة الحسين هرب منه عمر بن سعد ومحمد بن الأشعث ، وهما كانا المتوليين للحرب يوم الحسين ، وأتي بعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي ، وكان ممن حضر قتال الحسين ، فقال له :
- يا عدو الله ، أكنت ممن قاتل الحسين ؟
قال : لا ، بل كنت ممن حضر ، ولم يقاتل .
قال : كذبت ، اضربوا عنقه .
فقال عبد الرحمن : ما يمكنك قتلي اليوم حتى تعطي الظفر على بني أمية ،


[1]ناحية من نواحي الكوفة ، كانت على شاطئ الفرات .
[2]مدينة تحت الحلة ، لها نهر ينسب إليها .


صفحه 299


ويصفو لك الشام ، وتهدم مدينة دمشق حجرا حجرا ، فتأخذني عند ذلك ، فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر ، كأني أنظر إليها الساعة .
فالتفت المختار إلى أصحابه ( وقال ) : أما إن هذا الرجل عالم بالملاحم . ثم أمر به إلى السجن .
فلما جن عليه الليل بعث إليه من أتاه به ، فقال له :
- يا أخا خزاعة ، أظرفا عند الموت ؟
فقال عبد الرحمن بن أبزى : أنشدك الله أيها الأمير أن أموت هاهنا ضيعة .
قال : فما جاء بك من الشام ؟
قال : بأربعة آلاف درهم لي على رجل من أهل الكوفة ، أتيته متقاضيا .
فأمر له المختار بأربعة آلاف درهم ، وقال له : إن أصبحت بالكوفة قتلتك .
فخرج من ليلته حتى لحق بالشام .
* * * ومكث المختار بذلك يطلب قتلة الحسين ، وتجبى إليه الأموال من السواد ، والجبل ، وأصبهان ، والري ، وآذربيجان ، والجزيرة ثمانية عشر شهرا ، وقرب أبناء العجم ، وفرض لهم ولأولادهم الأعطيات ، وقرب مجالسهم ، وباعد العرب وأقصاهم ، وحرمهم . فغضبوا من ذلك .
واجتمع أشرافهم فدخلوا عليه ، فعاتبوه ، فقال : لا يبعد الله غيركم ، أكرمتكم فشمختم بآنافكم ، ووليتكم فكسرتم الخراج ، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم ، وأوفى ، وأسرع إلى ما أريد .
قالوا : فدنت العرب ، بعضها إلى بعض ، وقالوا : هذا كذاب ، يزعم أنه يوالي بني هاشم ، وإنما هو طالب دنيا .
فاجتمعت القبائل على محاربته ، وصاروا في ثلاثة أمكنة ، وولوا أمرهم رفاعة ابن سوار ، فاجتمعت كندة ، والأزد ، وبجيلة ، والنخع ، وخثعم ، وقيس ،