بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 297


وسميساط[1]، وعمير بن الحباب السلمي على ( كفرتوثا )[2]، والسفاح ابن كردوس على سنجار[3]، وعبد الله بن مسلم على ميافارقين[4]، ومسلم ابن ربيعة العقيلي علي آمد[5]، وسار هو إلى نصيبين ، فأقام بها .
وأن المختار كتب إلى عبيد الله بن الحر الجعفي ، وكان بناحية الجبل يتطرف ويغير : ( إنما خرجت غضبا للحسين ، ونحن أيضا ممن غضب له ، وقد تجردنا لنطلب بثأره ، فأعنا على ذلك ) . فلم يجبه عبيد الله إلى ذلك .
فركب المختار إلى داره بالكوفة فهدمها ، وأمر بامرأته أم سلمة ، ابنة عمر الجعفي ، فحبست في السجن ، وانتهب جميع ما كان في منزله ، وكان الذي تولى ذلك عمرو بن سعيد بن قيس الهمداني .
وبلغ ذلك عبيد الله بن الحر ، فقصد إلى ضيعة لعمرو بن سعيد بالماهين ، فأغار عليها ، واستاق مواشيها ، وأحرق زرعها ، وقال :
وما ترك الكذاب من جل مالنا * ولا المرء من همدان غير شريد أ في الحق أن يجتاح مالي كله * وتأمن عندي ضيعة ابن سعيد ؟
ثم اختار من إبطال أصحابه مائة فارس ، فيهم محشر التميمي ، ودلهم بن زياد المرادي ، وأحمر طئ ، وخلف بقية أصحابه بالماهين .
وسار نحو الكوفة حتى انتهى إلى جسرها ليلا ، فأمر بقوام الجسر ، فكتفوا ، ووكل بهم رجلا من أصحابه ، ثم عبر .


[1]مدينة على شاطئ الفرات في طرف بلاد الروم ، وكان بها قلعة ، يسكن في شق منها الأرمن .
[2]في الأصل ( كفرثونا ) والصحيح ما ذكر ، وهي قرية كبيرة ، من أعمال الجزيرة بالعراق .
[3]مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة .
[4]أشهر مدينة بديار بكر ، وقد بناها الروم .
[5]لفظة رومية ، وهي بلد قديم حصين ، يحيط بأكثره نهر دجلة .


صفحه 298


ودخل الكوفة ، فلقيه أبو عمرة كيسان ، وهو يعس بالكوفة ، فقال : من أنتم ؟
قالوا : نحن أصحاب عبد الله بن كامل ، أقبلنا إلى الأمير المختار . قال : امضوا في حفظ الله .
فمضوا حتى انتهوا إلى السجن ، فكسروه ، فخرج كل من فيه ، وحمل أم سلمة على فرس ، ووكل بها أربعين رجلا ، وقدمها ، ثم مضى .
وبلغ الخبر المختار ، فأرسل راشدا مولى بجيلة في ثلاثة آلاف رجل ، وعطف عليهم أبو عمرة من ناحية بجيلة في ألف رجل .
وخرج عليهم عبد الله بن كامل من ناحية النخع في ألف رجل ، فأحاطوا بهم .
فلم يزل عبيد الله يكشفهم ، ويسير والحجارة تأخذه ( هو ) وأصحابه من سطوح الكوفة حتى عبر الجسر ، وقد قتل من أصحاب المختار مائة رجل ، ولم يقتل من أصحابه إلا أربعة نفر .
وسار عبيد الله حتى انتهى إلى ( بانقيا )[1]فنزلوا ، وداووا جروحهم ، وعلفوا دوابهم ، وسقوها ، ثم ركبوا ، فلم يحلوا عقدها حتى انتهوا إلى ( سورا )[2]فأراحوا بها ، ثم ساروا حتى أتوا المدائن ، ثم لحق بأصحابه بالماهين .
ولما تجرد المختار لطلب قتلة الحسين هرب منه عمر بن سعد ومحمد بن الأشعث ، وهما كانا المتوليين للحرب يوم الحسين ، وأتي بعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي ، وكان ممن حضر قتال الحسين ، فقال له :
- يا عدو الله ، أكنت ممن قاتل الحسين ؟
قال : لا ، بل كنت ممن حضر ، ولم يقاتل .
قال : كذبت ، اضربوا عنقه .
فقال عبد الرحمن : ما يمكنك قتلي اليوم حتى تعطي الظفر على بني أمية ،


[1]ناحية من نواحي الكوفة ، كانت على شاطئ الفرات .
[2]مدينة تحت الحلة ، لها نهر ينسب إليها .


صفحه 299


ويصفو لك الشام ، وتهدم مدينة دمشق حجرا حجرا ، فتأخذني عند ذلك ، فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر ، كأني أنظر إليها الساعة .
فالتفت المختار إلى أصحابه ( وقال ) : أما إن هذا الرجل عالم بالملاحم . ثم أمر به إلى السجن .
فلما جن عليه الليل بعث إليه من أتاه به ، فقال له :
- يا أخا خزاعة ، أظرفا عند الموت ؟
فقال عبد الرحمن بن أبزى : أنشدك الله أيها الأمير أن أموت هاهنا ضيعة .
قال : فما جاء بك من الشام ؟
قال : بأربعة آلاف درهم لي على رجل من أهل الكوفة ، أتيته متقاضيا .
فأمر له المختار بأربعة آلاف درهم ، وقال له : إن أصبحت بالكوفة قتلتك .
فخرج من ليلته حتى لحق بالشام .
* * * ومكث المختار بذلك يطلب قتلة الحسين ، وتجبى إليه الأموال من السواد ، والجبل ، وأصبهان ، والري ، وآذربيجان ، والجزيرة ثمانية عشر شهرا ، وقرب أبناء العجم ، وفرض لهم ولأولادهم الأعطيات ، وقرب مجالسهم ، وباعد العرب وأقصاهم ، وحرمهم . فغضبوا من ذلك .
واجتمع أشرافهم فدخلوا عليه ، فعاتبوه ، فقال : لا يبعد الله غيركم ، أكرمتكم فشمختم بآنافكم ، ووليتكم فكسرتم الخراج ، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم ، وأوفى ، وأسرع إلى ما أريد .
قالوا : فدنت العرب ، بعضها إلى بعض ، وقالوا : هذا كذاب ، يزعم أنه يوالي بني هاشم ، وإنما هو طالب دنيا .
فاجتمعت القبائل على محاربته ، وصاروا في ثلاثة أمكنة ، وولوا أمرهم رفاعة ابن سوار ، فاجتمعت كندة ، والأزد ، وبجيلة ، والنخع ، وخثعم ، وقيس ،


صفحه 300


وتيم الرباب في جبانة مراد[1]، واجتمعت ربيعة وتميم ، فصاروا في جبانة الحشاشين[2].
وأرسل المختار إلى همدان - وكانوا خاصته - واجتمع إليه أبناء العجم .
فقال لهم : ألا ترون ما يصنع هؤلاء ؟
قالوا : بلى .
قال : فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لتقديمي إياكم ، فكونوا أحرارا كراما .
فحرضهم بذلك ، وأخرجهم إلى ظهر الكوفة ، فأحصاهم ، فبلغوا أربعين ألف رجل .
وإن شمر بن ذي الجوشن ، وعمر بن سعد ، ومحمد بن الأشعث ، وأخاه قيس بن الأشعث قدموا الكوفة عند ما بلغهم خروج الناس على المختار وخلعهم طاعته ، وكانوا هرابا من المختار طول سلطانه ، لأنهم كانوا الرؤساء في قتال الحسين ، فصاروا مع أهل الكوفة ، وتولوا أمر الناس .
وتأهب الفريقان للحرب ، واجتمع أهل الكوفة جميعا في جبانة الحشاشين ، وزحف المختار نحوهم ، فاقتتلوا ، فقتل بينهم بشر كثير ، فنادى المختار :
يا معشر ربيعة ، أ لم تبايعوني ؟ فلم خرجتم علي ؟
قالت ربيعة : قد صدق المختار ، فقد بايعناه وأعطيناه صفقة أيماننا ، فاعتزلوا ، وقالوا : لا نكون على واحد من الفريقين . وثبت سائر القبائل ، فقاتلوا .
وإن أهل الكوفة انهزموا ، وقد قتل منهم نحو خمسمائة رجل ، وأسر منهم


[1]محلة بالكوفة ، وأهل الكوفة يسمون المقبرة جبانة .
[2]يطلق لفظ الحشاشين على فريق من طائفة الإسماعيلية مبدأ خاص بقدر ما يميزهم تحول نظامهم السياسي إلى جماعة سرية يطيع أفرادها أئمتهم طاعة عمياء ، وقد اتخذوا القتل وسيلة للتخلص من أعدائهم . ( دائرة المعارف الإسلامية المجلد السابع ، ص 343 ) .


صفحه 301


مائتا رجل ، فهرب أشراف الكوفة ، فلحقوا بالبصرة ، وبها مصعب بن الزبير ، فانضموا إليه .
* * * وبلغ المختار أن شبث بن ربعي ، وعمرو بن الحجاج ، ومحمد بن الأشعث مع عمر بن سعد قد أخذوا طريق البصرة في أناس معهم من أشراف أهل الكوفة ، فأرسل في طلبهم رجلا من خاصته يسمى ( أبا القلوص الشبامي ) في جريدة خيل ، فلحقهم بناحية المذار ، فواقعوه ، وقاتلوه ساعة ، ثم انهزموا ، ووقع في يده عمر بن سعد ونجا الباقون .
فأتي به المختار ، فقال : الحمد لله الذي أمكن منك ، والله لأشفين قلوب آل محمد بسفك دمك ، يا كيسان ، اضرب عنقه .
فضرب عنقه .
وأخذ رأسه ، فبعث به إلى المدينة ، إلى محمد بن الحنفية .
وقال أعشى همدان ، وكان من أهل الكوفة :
ولم أنس همدانا غداة تجوسنا * بأسيافها ، لا أسقيت صوب هاضب[1]فقتل من أشرافنا في محالهم * عصائب منهم أردفت بعصائب فكم من كمي قد أبارت سيوفهم * إلى الله أشكو رزء تلك المصائب يقتلنا المختار في كل غائط * فيا لك دهر مرصد بالعجائب وبلغ المختار أن شمر بن ذي الجوشن مقيم ( بد ستميسان )[2]في أناس من بني عامر بن صعصعة ، يكرهون دخول البصرة لشماتة أهل البصرة بهم ، فأرسل المختار إليهم زربيا ، مولى بجيلة ، في مائة فارس على الخيل العتاق[3]، فسار بهم بالحث


[1]الهاضب : المطرة .
[2]في الأصل : دست ميسان ، وهي كورة بين واسط البصرة والأهواز ، وقيل إنها الأبلة ، فتكون البصرة منها .
[3]نجائب الحيل .


صفحه 302


الشديد ، فقطع أصحابه عنه إلا عشرة فوارس ، فلحقهم وقد استعدوا له ، فطعنه شمر ، فقتله ، وانهزم أصحابه العشرة حتى لحق بهم الباقون ، فطلبوا شمرا وأصحابه ، فلم يلحقوهم .
ومضى شمر حتى نزل قريبا من البصرة بمكان يدعى ( سادماه ) فأقام به . وأن قيس بن الأشعث أنف من أن يأتي البصرة فيشمت به أهلها ، فانصرف إلى الكوفة مستجيرا بعبد الله بن كامل ، وكان من أخص الناس عند المختار .
فأقبل عبد الله إلى المختار ، فقال : أيها الأمير ، إن قيس بن الأشعث قد استجار بي وأجرته ، فأنفذ جواري إياه .
فسكت عنه المختار مليا ، وشغله بالحديث ، ثم قال : أرني خاتمك ، فناوله إياه ، فجعله في إصبعه طويلا .
ثم دعا أبا عمرة ، فدفع إليه الخاتم ، وقال له سرا : انطلق إلى امرأة عبد الله بن كامل ، فقل لها : هذا خاتم بعلك علامة ، لتدخليني إلى قيس بن الأشعث ، فإني أريد مناظرته في بعض الأمور التي فيها خلاصه من المختار ، فأدخلته إليه .
فانتضى سيفه ، فضرب عنقه ، وأخذ رأسه ، فأتى به المختار ، فألقاه بين يديه .
فقال المختار : هذا بقطيفة الحسين .
وذلك أن قيس بن الأشعث أخذ قطيفة كانت للحسين حين قتل ، فكان يسمى قيس قطيفة ) .
فاسترجع عبد الله بن كامل ، وقال للمختار : قتلت جاري وضيفي وصديقي في الدهر ؟
قال له المختار : لله أبوك ، اسكت ، أ تستحل أن تجير قتله ابن بنت نبيك ؟
* * *


صفحه 303


ثم إن المختار دعا بالأسرى الذين أسرهم من أهل الكوفة في الوقعة التي كانت بينه وبين أهل الكوفة ، فجعل يضرب أعناقهم حتى انتهى إلى سراقة البارقي ، وكان فيهم ، فقام بين يديه ، وأنشأ يقول :
إلا من مبلغ المختار إنا * نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الإشراك دينا * وكان خروجنا بطرا وحينا[1]ثم قال للمختار : أيها الأمير ، لو أنكم أنتم الذين قاتلتمونا لم تطمعوا فينا .
فقال له المختار : فمن قاتلكم ؟
قال سراقة : قاتلنا قوم بيض الوجوه على خيل شهب .
قال له المختار : تلك الملائكة ، ويلك ، أما إذ رأيتهم فقد وهبتك لهم .
ثم خلى سبيله ، فهرب ، فلحق بالبصرة ، وأنشأ يقول :
ألا أبلغ أبا إسحاق أني * رأيت الشهب كمتا مصمتات[2]أرى عيني ما لم ترأياه * كلانا عالم بالترهات كفرت بدينكم وبرئت منكم * ومن قتلاكم حتى الممات وهرب أسماء بن خارجة الفزاري ، وكان شيخ أهل الكوفة وسيدهم من المختار خوفا على نفسه ، فنزل على ماء لبني أسد يسمى ذروة : في نفر من مواليه وأهل بيته فأقام به .
وهرب عمرو بن الحجاج ، وكان من رؤساء قتلة الحسين ، يريد البصرة ، فخاف الشماتة فعدل إلى سراف .
فقال له أهل الماء : ارحل عنا ، فإنا لأنا من المختار ، فارتجل عنهم ، فتلاوموا ، وقالوا : قد أسأنا .
فركبت جماعة منهم في طلبه ليردوه ، فلما رآهم من بعيد ظن أنهم من أصحاب


[1]الحين : الهلاك .
[2]الكمتة : لون بين السواد والحمرة .


صفحه 304


المختار ، فسلك الرمل في مكان يدعى ( البيضة )[1]وذلك في حمارة القيظ ، وهي فيما بين بلاد كلب وبلاد طيئ ، فقال[2]فيها ، فقتله ومن معه العطش .
ولم يزل أسماء مقيما بذروه[3]إلى أن قتل المختار ، ودخل مصعب بن الزبير الكوفة ، فانصرف أسماء إلى منزله بالكوفة .
ولما تتبع المختار أهل الكوفة جعل عظماؤهم يتسللون هرابا إلى البصرة حتى وافاها منهم مقدار عشرة آلاف رجل ، وفيهم محمد بن الأشعث ، فاجتمعوا ، ودخلوا على مصعب بن الزبير .
فتكلم محمد بن الأشعث ، وقال : أيها الأمير ، ما يمنعك من المسير لمحاربة هذا الكذاب الذي قتل خيارنا ، وهدم دورنا ، وفرق جماعتنا ، وحمل أبناء العجم على رقابنا ، وأباحهم أموالنا ؟ سر إليه ، فإنا جميعا معك ، وكذلك من خلفنا بالكوفة من العرب ، هم أعوانك .
قال مصعب : يا ابن الأشعث ، أنا عارف بكل ما ارتكبكم به ، وليس يمنعني من المسير إليه إلا غيبة فرسان أهل البصرة أشرافهم ، فإنهم مع ابن عمك المهلب ابن أبي صفرة في وجوه الأزارقة بناحية كرمان ، غير أني قد رأيت رأيا .
قال : وما رأيت أيها الأمير ؟
قال : رأيت أن أكتب إلى المهلب ، آمره أن يوادع الأزارقة ، ويقبل إلي فيمن معه ، فإذا وافى تجهزنا لمحاربة المختار .
قال ابن الأشعث : نعم ما رأيت ، فاكتب إليه ، واجعلني الرسول .
فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب كتابا ، يذكر له ما فيه أهل الكوفة من القتل والحرب ، ويفسر فيه أمر المختار .
فسار محمد بن الأشعث بكتابه حتى ورد كرمان ، وأوصل الكتاب إلى المهلب ،


[1]أيم ماءة في بادية حلب ، بينها وبين تدمر .
[2]القائلة : نصف النهار .
[3]أرض ببادية الشام .