فقلت : يا أمير المؤمنين ، فعليك بالماجد اللبيب الأريب ، الكامل الحسيب ، عقيل بن معقل الليثي .
قال ، فكأنه هوية .
فقلت : إن اغتفرت منه هنه فيه .
قال : وما هي ؟
قلت : ليس بعفيف البطن والفرج .
قال : لا حاجة لي فيه .
قلت : فالكامل النافذ ، الفارس المجرب ، محسن بن مزاحم السلمي .
قال ، فكأنه هوية ، للمضرية .
قلت : إن اغتفرت هنه فيه .
قال : وما هي ؟
قلت : أكذب ، ذي لهجة .
قال : لا حاجة لي فيه .
قلت : فذو الطاعة لكم ، المتمسك بعهدكم ، المقتدي بقدوتكم ، يحيى بن الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة .
قال : ألم أخبرك أن ربيعة لا تسد بها الثغور ؟
قلت : فالكامل النافذ الشجاع البطل ، قطن بن قتيبة بن مسلم .
قال : فمال إليه بالمضرية .
قلت : إن اغتفرت منه هنه .
قال : وما هي ؟
قلت : لا آمنه أن أفضى إليه السلطان أن يطلب جنود خراسان بدم أبيه قتيبة ، فإنهم جميعا تظافروا عليه .
قال : لا حاجة لي فيه .
قلت : فأين أنت من العفيف المجرب ، الباسل المحنك ، نصر بن سيار الليثي ؟
قال : فكأنه تفاءل به ، ومال إليه ، بالمضرية .
قلت : إن اغتفرت منه خصلة .
قال : وما هي ؟
قلت : ليست له بخراسان عشيرة من جنودها ، وإنما يقوى على ولاية خراسان من كانت له بها عشيرة من جنودها .
قال : فأي عشيرة أكثر مني ، لا أبا لك ، يا غلام ؟ انطلق إلى الكتاب ، فمرهم بإنشاء عهده ، وائتوني به .
فكتب له عهده ، وأتى به .
فناولنيه ، وقال : انطلق حتى توصله إليه .
ثم أمر أن أحمل على البريد .
فسرت حتى وافيت خراسان ، فأتيته في منزله ، فناولته العهد ، فأمر لي بعشرة آلاف درهم .
ثم تناول العهد ، فانطلق إلى جعفر بن حنظلة ، الأمير كان بها ، فدخل عليه ، وهو جالس على سريره ، فناوله العهد .
فلما قرأه أخذ بيد نصر ، فرفعه حتى أجلسه معه على سريره ، وقال :
سمعا وطاعة لأمير المؤمنين .
فقال له نصر : أبا خلف ، السلطان سلطانك ، فمر بأمرك .
ودعا له جعفر بن حنظلة ، وسلم الأمر إليه .
وإن سليمان بن كثير ، ولاهز بن قرط ، ومالك بن الهيثم ، وقحطبة ابن شبيب أرادوا الحج ، فخرجوا مع الحاج متنكرين حتى أتوا مكة ، وقد وافاها في ذلك العام إبراهيم بن محمد الإمام ، فأخبروه بما اجتمع له الناس بخراسان .
وقد كانوا حملوا إليه ما بعثت به إليه الشيعة .
فقالوا : قد حملنا إليك مالا .
قال : وكم هو ؟
قالوا : عشرة آلاف دينار ، ومائتا ألف درهم .
فقال : سلموه إلى مولاي عروة ، فدفعوه إليه .
فقال لهم إبراهيم : إني قد رأيت أن أولي الأمر هناك أبا مسلم ، لما جربت من عقله ، وبلوت من أمانته ، وأنا موجهة معكم ، فاسمعوا له ، وأطيعوا أمره ، فإن والدي - رحمة الله عليه - قد كان وصف لنا صفته ، وقد رجوت أن يكون هو الذي يسوق إلينا الملك ، فعاونوه ، وكانفوه ، وانتهوا إلى رأيه ، وأمره .
قالوا : سمعا وطاعة لك أيها الإمام .
فانصرفوا ، وأبو مسلم معهم ، حتى صاروا إلى خراسان ، فتشمر أبو مسلم للدعاء ، وأخذ القوم بالبيعة ، ووجه كل رجل من أصحابه إلى ناحية من خراسان ، فكانوا يدورون بها كورة كورة ، وبلدا بلدا ، في زي التجار .
فاتبعه عالم من الناس عظيم ، فواعدهم لظهوره يوما سماه لهم ، وولي على من بايعه في كل كورة رجلا من أهلها ، وتقدم إليهم بالاستعداد للخروج من ذلك اليوم الذي سماه لهم حتى أجاب جميع أرض خراسان ، سهلها وجبلها ، وأقصاها وأدناها .
وبلغ في ذلك ما لم يبلغه أصحابه من قبله ، واستتب له الأمر على محبته ، وصار من أعظم الناس منزلا عند شيعته ، حتى كانوا يتحالفون به ، فلا يحنثون ، ويذكرونه ، فلا يملون .
* * * وقد كان خالد بن عبد الله ولي العراقين عشر سنين ، أربعا في خلافة يزيد ابن عبد الملك ، وستا في خلافة هشام .
فلما عزله هشام ، وولى مكانه يوسف بن عمر حاسبه يوسف ، فخرج عليه عشرة آلاف درهم ، قد كان وهبها للناس ، وبذرها - وكان من أسخى العرب - فحبسه يوسف بن عمر عنده في العراق .
وكتب إلى هشام يتقاعد خالد بالمال الذي خرج عليه فكتب إليه هشام بالبسط عليه[1].
فدعا به يوسف بن عمر وقال :
ما هذا التقاعد بمال السلطان يا ابن الكاهن ؟ - يعني شق ابن صعب المعروف بالكهانة وكان خالد بن عبد الله من ولده .
فقال له خالد بن عبد الله .
أتعيرني بشر في يا ابن الخمار ؟ وإنما كان أبوك وجدك بالطائف أصحاب حانة .
وبلغ هشاما أن خالدا بذر ذلك المال في الناس ، فكتب إلى يوسف يأمره بإطلاقه ، والكف عنه .
فلم يزل خالد مقيما بالكوفة حتى خرج زيد بن علي ، بن الحسين ، بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بالكوفة .
وكان خروجه في صفر سنة ثماني عشرة ومائة .
فسار إليه يوسف بن عمر ، فالتقوا بالكناسة[2].
فانهزم أصحاب زيد ، وخذلوه .
فأخذه يوسف بن عمر ، فضرب عنقه .
وبعث برأسه إلى هشام ، وصلب جسده بالكناسة .
وأن خالدا كتب إلى هشام يستأذنه في الخروج إلى طرسوس[3]غازيا متطوعا ، فأذن له هشام في ذلك ، فسار حتى وافى طرسوس فأقام بها مرابطا .
[1]كذا في الأصل ، وفي اللغة بسط فلان من فلان ، أزال منه الاحتشام ، ويقال بسطت يده عليه أي سلط عليه .
[2]محالة مشهورة بالكوفة .
[3]مدينة بثغور الشام ، يشقها نهر البردان ، وبها قبر المأمون .
[ وقيعة بين خالد وهشام ] وإن رجلا من أهل العراق كان يتلصص ، ويكنى أبا المعرس ، قدم من الكوفة نحو أرض الشام ، في جماعة من لصوص الكوفة ، حتى وافوا مدينة دمشق ، فكان إذا جنه الليل أشعل في ناحية من السوق النار ، فإذا تصايح الناس ، واشتغلوا بإطفاء الحريق ، أقبل في أصحابه إلى ناحية أخرى من السوق ، فكسر الأقفال ، وأخذ ما قدر عليه ، ثم هرب .
فدخل كلثوم بن عياض القسري على هشام ، وكان معاديا لخالد بن عبد الله ، وهو ابن عمه ، فقال لهشام :
يا أمير المؤمنين ، إن هذا الحريق لم يكن بدمشق ، وقد حدث ، وما هو إلا عمل محمد بن خالد بن عبد الله القسري وغلمانه .
فأمر هشام بطلب محمد بن خالد ، فأتوه به ، وبغلمان له ، فأمر بحبسه ، وحبس غلمانه .
وبلغ ذلك خالدا ، وهو بطرسوس ، فسار حتى وافى دمشق ، فنزل في داره بها ، وغدا عليه الناس مسلمين ، حتى إذا اجتمعوا عنده قال :
( أيها الناس ، خرجت غازيا بإذن هشام وأمره ، فحبس ابني وغلماني ، أيها الناس ، مالي ولهشام ؟ والله ليكفن عني هشام - يسميه في كل مرة باسمه ولا يقول أمير المؤمنين - أو لأدعون إلى عراقي الهوى ، شامي الدار ، حجازي الأصل ، إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، ألا وإني قد أذنت لكم أن تبلغوا هشاما ) .
وبلغ هشاما ذلك فقال : خرف أبو الهيثم ، وأنا حري باحتماله ، لقديم حرمته ، وعظيم حقه .
فأقام خالد بن عبد الله بمدينة دمشق عاتبا لهشام ، مصارما له ، لا يركب إليه ، ولا يعبأ به ، وهشام في كل ذلك يحتمله ، ويحلم عنه .
وإن رجلا يسمى عبد الرحمن بن ثويب الكلبي دخل على خالد بن عبد الله ، فسلم عليه ، وعنده نفر من أشراف أهل الشام ، فقال له :
( يا أبا الهيثم ، إني أحبك [ لعشر خصال فيك يحبها[1]الله منك : كرمك ، وعفوك ، ودينك ، وعدلك ، ورأفتك ، ووقارك في مجلسك ، ونجدتك ، ووفاؤك ، وصلتك ذوي رحمك ، وأدبك ) .
فأثنى عليه خالد ، وقال له خيرا .
وبلغ هشاما ذلك فقال :
أبلغ من أمر الفاسق عبد الرحمن بن ثويب أن يصف خالدا بمحاسن لم تجتمع في أحد من الخلفاء المؤتمنين على عباد الله وبلاده ؟
ثم أمر به ، فأحسن أدبه ، ونفى عن دمشق .
وبلغ ذلك خالدا ، وعنده أناس من وجوه أهل الشام ، فقال لهم :
( ألا تعجبون من صنيع هشام برجل ذكر مني خصالا ؟ زعم أنه يحبني لها ، فضربه وطرده ، وإن أعظم مما قال في عبد الرحمن بن ثويب قول عبد الله بن صيفي حين قال له : يا أمير المؤمنين ، أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك أم رسولك ؟ ) .
قال هشام : بل خليفتي في أهلي .
قال : فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأنت أكرم على الله منه ، فلم ينكر هذه المقالة من عبد الله بن صيفي ، وهي تضارع الكفر ، ويغضب على عبد الرحمن بن ثويب ، وينكر عليه ما وصفني به من خصال ، يحبها الله ، فأحبني لها .
فلم يحفل هشام حين بلغه ذلك من قول خالد ، ولم يؤاخذه بشئ من مقالته ، فلما تم لخلافة هشام تسع عشرة سنة وسبعة أشهر مرض مرضته التي مات ، فأسند الخلافة إلى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك .
[1]محو في الأصل .
[ الوليد بن يزيد ] فلما استخلف الوليد بن يزيد أمر صاحب شرطة سعيد بن غيلان بأخذ خالد بالمال الذي عليه من بقايا خراج العراقين والبسط عليه ، وقال : ( أسمعني صياحه ) .
فأقبل سعيد بن غيلان إلى خالد وهو في منزله ، فأخرجه ، فانطلق به إلى السجن ، فعذبه يومه ذلك بألوان العذاب ، فلم يكلمه خالد بحرف .
وقال الأشعث بن القيني فيما نال خالدا :
ألا أن خيرا الناس نفسا ووالدا * أسير قريش عندها في السلاسل لعمري ، لقد أعمرتم السجن خالدا * وأوطأتموه وطأة المتثاقل فإن تحبسوا القسري لا تحبسوا اسمه * ولا تحبسوا معروفه في القبائل وقدم يوسف بن عمر الثقفي بمال العراقين على الوليد ، فجلس الوليد للناس ، وأذن لهم إذنا عاما .
فتكلم زياد بن عبد الرحمن الضمري ، وكان معاندا لخالد ، فقال : يا أمير المؤمنين ، على محاسبة خالد بخمسة آلاف ألف درهم ، فسلمه إلي .
فأرسل الوليد إلى خالد - وهو في السجن - أن زياد بن عبد الرحمن قد أعطى بمحاسبتك خمسة آلاف ألف درهم ، فإن صححتها لنا ، وإلا دفعناك إليه .
فأرسل له خالد : أن عهدي بالعرب لاتباع ، وبالله لو سألتني أن أضمن لك هذا ، ورفع عود من الأرض ، ما فعلت .
فلما رأى الوليد بن زيد تقاعد خالد بما عليه من المال أمر به ، فسلم إلى يوسف ابن عمر ، وقال : انطلق به إلى العراق ، وأستاذه جميع ما عليه من المال ) .
فحمله يوسف بن عمر معه إلى واسط[1]، فكان يخرجه كل يوم ويعذبه ، ثم يرده إلى الحبس ، فأخرجه ذات يوم ، وقال : ما هذا التقاعد يا ابن المائقة[2].
فقال له خالد : ما ذكرك الأمهات ، لعنك الله ؟ والله لا أكلمك بكلمة أبدا .
فغضب يوسف بن عمر من ذلك ، فوضع على خالد المضرسة[3]، وجعل يعذبه بها حتى قتله ، فدفنه ليلا في عباءة كانت عليه .
فأنشأ الوليد بن يزيد :
ألم تهتج فتذكر الوصالا * وحبلا كان متصلا فزالا بلى ، فالدمع منك له سجال * كماء الغرب ينهمل انهمالا فدع عنك ادكارك آل سعدي * فنحن الأكثرون حصى ومالا ونحن المالكون الناس قسرا * نسومهم المذلة والنكالا ونوردهم حياض الخسف ذلا * وما نألوهم إلا خبالا[4]وطئنا الأشعرين بكل أرض * ولم يك وطؤنا أن يستقالا وكندة والسكون قد استعاذوا * نسومهم المذلة والخبالا شددنا ملكنا ببني نزار * وقومنا بهم من كان مالا وهذا خالد فينا قتيلا * ألا منعوه إن كانوا رجالا ولو كانت بنو قحطان عربا * لما ذهبت صنائعه ضلالا ولا تركوه مسلوبا أسيرا * نحمله سلاسلنا الثقالا ولكن المذلة ضعضعتهم * فلم يجدوا لذلتهم مقالا فلما سمع من كان بأقطار الشام من اليمانية هذا الشعر أنفوا أنفا شديدا ، فاجتمعوا من مدن الشام ، وساروا نحو الوليد بن يزيد .
[1]موضع بين البصرة والكوفة .
[2]الموق هو الحمق في غباوة .
[3]حجر غليظ جدا خشن الوطء .
[4]الخبار هو الهلال والعناء .