بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 358


فأتى إبراهيم ، وهو جالس في مسجده ، فلف رأسه ، وحمل إلى مروان ، واتبعه من أهل بيته عبد الله بن علي ، وعيسى بن موسى بن علي ، ونفر من مواليه .
فلما دخل على مروان قال له : ما هذه الجموع التي خرجت بخراسان تطلب لك الخلافة ؟
قال له إبراهيم : ما لي بشئ من ذلك علم ، فإن كنت إنما تريد التجني علينا فدونك وما تريد .
ثم بسط لسانه على مروان ، فأمر به ، فحبس .
قال الهيثم : ( فأخبرني أبو عبيدة ، قال : كنت آتي إبراهيم في محبسه ، ومعه فيه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، فأسلم عليه ، وأظل عامة نهاري عنده ، وربما جنني الليل عنده ، فأبيت معه ، فبينا أنا ذات ليلة عنده ، وقد بت معه في الحبس ، فأنا نائم في سقيفة فيه ، إذ قيل ، مولى لمروان ، فاستفتح الباب ، ففتح له ، فدخل ومعه نحو من عشرين رجلا من موالي مروان ، فلبثوا ساعة ، ثم خرجوا ، ولم أسمع لأحد صوتا .
فلما أصبحت دخلت البيت لأسلم عليها ، فإذا هما قتيلان ، فظننت أنهما خنقا ) .
ولما قتل إبراهيم بن محمد خاف أخواه : أبو جعفر ، وأبو العباس على أنفسهما ، فخرجا من الحميمة هاربين من العراق ، ومعهما عبد الله ، وإسماعيل ، وعيسى ، وداود بنو علي بن عبد الله بن عباس ، حتى قدموا الكوفة ، ونزلوا على أبي سلمة الداعي ، الذي كان داعية أبيهما ، محمد بن علي بأرض العراق .
فأنزلهم جميعا دار الوليد بن سعد ، التي في بني أود ، وألزمهم مساورا القصاب ، ويقطينا الأبزاري ، وكانا من كبار الشيعة ، وقد كانا لقيا محمد بن علي في حياته ، فأمرهما أن يعينا أبا سلمة على أمره .


صفحه 359


وكان أبو سلمة خلالا[1]، فكان إذا أمسوا أقبل مساور بشقة لحم ، وأقبل أبو سلمة بخل ، وأقبل يقطين بالأبزار ، فيطبخون ، ويأكلون .
وفي ذلك يقول أبو جعفر :
لحم مساور ، وخل أبي سلمة وأبزار يقطين ، وطابت المرقة فلم يزل أبو العباس ، وأبو جعفر مستخفين بالكوفة إلى أن قدم قحطبة بن شبيب العراق .
* * * قالوا : وبلغ أبا مسلم قتل الإمام إبراهيم بن محمد ، وهرب أبي العباس ، وأبي جعفر من الشام ، واستخفاؤهما بالكوفة عند أبي سلمة .
فسار من خراسان حتى قدم الكوفة ، ودخل عليهما ، فعزاهما بأخيهما ، إبراهيم الإمام .
ثم قال لأبي العباس : مد يدك أبايعك .
فمد يده ، فبايعه .
ثم سار إلى مكة .
ثم انصرف إليهما .
فتقدم إليه أبو العباس ، ألا يدع بخراسان عربيا لا يدخل في أمره إلا ضرب عنقه .
ثم انصرف أبو مسلم إلى خراسان ، فجعل يدورها ، كورة كورة ، ورستاقا رستاقا ، فيواعدهم اليوم الذي يظهرون فيه ، ويأمرهم بتهيئة السلاح والدواب لمن قدر .
قالوا : ولما أعيت نصر بن سيار الحيل في أمر الكرماني ، وخاف أزوف أبي مسلم كتب إلى مروان :


[1]يمتهن بيع الخل .


صفحه 360


يا أيها الملك الواني بنصرته * قد آن للأمر أن يأتيك من كثب أضحت خراسان ، قد باضت صقورتها * وفرخت في نواحيها بلا رهب فإن يطرن ، ولم يحتل لهن بها * يلهبن نيران حرب أيما لهب فلما وصلت هذه الأبيات إلى مروان كتب إلى يزيد [ بن عمر بن هبيرة عامله ][1]على العراقين ، يأمره أن ينتخب من جنوده اثنا عشر رجلا ، مع فرض يفرضه بالعراق من عرب الكوفة والبصرة ، ويولي عليهم رجلا حازما ، يرضى عقله وإقدامه ، ويوجه بهم إلى نصر بن سيار .
فكتب يزيد بن عمر بن هبيرة إلى مروان : ( أن من معه من الجنود لا يفون باثني عشر ألفا ، ويعلمه أن فرض الشام أفضل من فرض العراق ، لأن عرب العراق ليست لهم نصيحة للخلفاء من بني أمية ، وفي قلوبهم إحن ) .
ولما أبطأ عن نصر الغوث أعاد إلى مروان :
من مبلغ عني الإمام الذي * قام بأمر بين ساطع إني نذير لك من دولة * قام بها ذو رحم قاطع والثوب أن أنهج فيه البلى * أعيى على ذي الحيلة الصانع كنا نداريها ، فقد مزقت * واتسع الخرق على الراقع فلم يجد عند مروان شيئا .
[ ظهور دعوة أبي مسلم ] وحان الوقت الذي واعد فيه أبو مسلم مستجيبية ، فخرجوا جميعا في يوم واحد من جميع كور خراسان حتى وافوه ، وقد سودوا ثيابهم ، تسليا على إبراهيم بن محمد بن علي بن عباس الذي قتله مروان ، فكان أول من ورد عليه من القواد ،


[1]في الأصل محو مكان ما بين الحاصرتين .


صفحه 361


وقد لبس السواد ، أسيد بن عبد الله ، ومقاتل بن حكيم ، ومحقن بن غزوان ، والحريش مولى خزاعة ، وتنادوا : محمد ، يا منصور . يعنون محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس . وهو أول من قام بالأمر ، وبث دعاته في الآفاق .
وانجفل الناس على أبي مسلم من هراة ، وبوشنج ، ومرو الروذ ، والطالقان ، ومرو ، ونسا ، وأبيورد[1]، وطوس[2]، ونيسابور ، وسرخس ، وبلخ ، والصغانيان ، والطخارستان ، وختلان ، وكش[3]، ونسف ، فتوافوا جميعا مسودي الثيابا ، وقد سودوا أيضا أنصاف الخشب التي كانت معهم ، وسموها ( كافر كوبات )[4].
وأقبلوا فرسانا ، وحمارة ، ورجالة ، يسوقون حميرهم ويزجرونها ، هر مروان ، يسمونها مروان ، ترغيما لمروان بن محمد ، وكانوا زهاء مائة ألف رجل .
فلما بلغ نصر بن سيار ظهور أبي مسلم سقط في يديه ، وخاف على نفسه ، ولم يأمن أن ينحاز الكرماني في اليمانية ، والربعية إليهم ، فيكون في ذلك اصطلامه ، فأراد أن يستعطف من كان مع الكرماني من ربيعة .
فكتب إليهم ، وكانوا جميعا بمرو :
أبلغ ربيعة فكتب إليهم جميعا بمرو وإخوتها * أن يغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب ما بالكم تلحقون الحرب بينكم * كان أهل الحجا عن فعلكم غيب وتتركون عدوا قد أظلكم * ممن تأشب ، لا دين ولا حسب ليسوا إلى عرب منا ، فنعرفهم * ولا صميم الموالي ، إن هم نسبوا قوما يدينون دينا ما سمعت به * عن الرسول ، ولا جاءت به الكتب


[1]مدينة بخراسان تقع بين سرخس ونسا .
[2]مدينة تشتمل على بلدتين بالقرب من نيسابور ، بها قبر هارون الرشيد ، وعلي بن موسى الرضا في بستان كان له بها ، وكان بينهما وبين نيسابور قصر عظيم بناه بعض التابعين لما قصد الصين ، ورأى أن حرمه وكنوزه وذخائره .
[3]قرية من قرى أصفهان .
[4]كذا في الأصل ، وصوابه ( كافر كوباد ) أي مضرب الكافر .


صفحه 362


فمن يكن سائلي عن أصل دينهم * فإن دينهم أن تقتل العرب فلم تحفل ربيعة بهذه الأبيات .
* * * وبلغ أبا العباس الإمام ، وهو مستخف بالكوفة أن أبا مسلم لو أراد أن يصطلم عسكر نصر والكرماني لفعل ، غير أنه يدافع الحرب ، فكتب إليه يؤنبه في ذلك .
وكان أبو مسلم يحب أن يستميل أحد الرجلين ، ليفصم به شوكة الآخر ، فأرسل إلى الكرماني ، يسأله أن ينضم إليه ، لينتقم له من نصر بن سيار ، فعزم على المسير إليه ، وأقبل أبو مسلم في عساكره إلى أرض مرو ، فعسكر على ستة فراسخ من المدينة .
وخرج إليه الكرماني ليلا في نفر من قومه ، فاستأمن لجميع أصحابه ، فأمنهم أبو مسلم ، وأكرم الكرماني ، فأقام معه ، وشق ذلك على نصر بن سيار ، وأيقن بالهلكة .
فكتب إلى الكرماني يسأله الرجوع إليه ، على أن يعتزلا ، ويوليا الأمر رجلا من ربيعة ، يرضيانه ، وهو الأمر الذي كان سأله إياه .
فأصغى الكرماني إلى ذلك ، وتحمل ليلا من معسكر أبي مسلم ، حتى انصرف إلى معسكره ، واسترسل الكرماني إلى نصر ، فلما أصاب منه غرة دس عليه من قتله .
ويقال : بل وجه إليه نصر رجلا من قواده في ثلاثمائة فارس ، فكمنوا له ليلا عند منصرفه من معسكر أبي مسلم ، فلما حاذاهم ، وهو غافل عنهم ، حملوا عليه ، فقتلوه .
وبلغ ذلك أبا مسلم فقال ( لا يبعد الله غيره ، لو صبر معنا لقمنا معه ، ونصرناه على عدوه ) .


صفحه 363


وقال نصر في ظفره بالكرماني :
لعمري ، لقد كانت ربيعة ظافرت * عدوي بغدر حين خابت جدودها وقد غمزوا مني قناة صليبه * شديدا على من رامها الكسر عودها وكنت لها حصنا ، وكهفا ، وجنة * يؤول إلى ، كهلها ، ووليدها فمالوا إلى السوءات ، ثم تعذروا * وهل يفعل السوءات إلا مريدها ؟
فأوردت كرمانيها الموت عنوة * كذاك منايا الناس يدنو بعيدها قالوا : ولما قتل الكرماني مضى ابنه على من خندقه إلى أبي مسلم ، فسأله أن يطلب له بثأر أبيه .
فأمر قحطبة بن شبيب أن يستعد ، ويسير حتى ينيخ على نصر في خندقه ، فينابذه الحرب ، أو ينيب إلى الطاعة .
فسار قحطبة ، فبدأ بالمدينة ، فدخلها ، واستولى عليها ، وأرسل إلى نصر يؤذنه بالحرب .
فكتب نصر إلى أبي مسلم ، يسأله الأمان ، على أن يدخل معه في أمره ، فأجابه إلى ذلك ، وأمر قحطبة أن يمسك عنه .
فلما أصاب نصر من قحطبة غفلة تحمل في حشمه وولده ، وحاشيته ليلا ، فخرج من معسكره من غير أن يعلم أصحابه ، وسار نحو العراق ، وجعل طريقه على جرجان ، فأقام بها ، فمرض فيها ، فسار منها إلى ساوة[1]، فأقام بها أياما ثم توفي بها .
فاستأمن جميع أصحابه وأصحاب الكرماني إلى أبي مسلم إلا أناسا كرهوا أمر أبي مسلم ، فساروا من مدينة مرو هرابا ، حتى أتوا طوس ، فأقاموا بها .


[1]وهي ساوي ، مدينة في بلاد فارس الوسطى ، واقعة على طريق بين قزوين والقرم ، وقد ضربها المغول سنة 1220 ، وكأن سكانها سنيين على مذهب أبي حنيفة ، والآن كلهم شيعيون .


صفحه 364


وإن أبا مسلم استولى على خراسان ، واستعمل عماله عليها .
فكان أول من عقد له منهم زنباع بن النعمان ، على سمرقند ، وولى خالد بن إبراهيم ، على طخارستان ، وولى محمد بن الأشعث ، الطبسين[1]، ثم وجه أصحابه إلى سائر تلك البلاد ، وضم إلى قحطبة بن شبيب أبا عون ، مقاتل بن حكيم العكي ، وخالد بن برمك ، وحارثة بن خزيمة ، وعبد الجبار بن نهيك ، وجهور بن مراد العجلي ، والفضل بن سليمان ، وعبد الله بن النعمان الطائي ، وضم إلى كل واحد من هؤلاء القواد صناديد الجنود وإبطالهم .
وأمر قحطبة أن يسير إلى طوس ، فيلقى من قد اجتمع بها من جنود نصر بن سيار ، والكرماني ، فيحاربهم حتى يطردهم عنها ، ثم يتقدم ، قدما قدما ، حتى يرد العراق .
فسار قحطبة حتى إذا دنا من طوس هرب أولئك الذين قد كانوا تجمعوا بها ، فتفرقوا ، وسار قحطبة من طوس إلى جرجان ، فافتتحها .
وسار منها إلى الري ، فواقع عامل مروان عليها ، فهزمه ، ثم سار من الري إلى أصبهان حتى وافاها ، وبها عامر بن ضبارة ، من قبل يزيد بن عمر ، فهرب منه ، ودخلها قحطبة ، واستولى عليها .
ثم سار حتى أتى نهاوند ، وبها مالك بن أدهم الباهلي ، فتحصن أياما ، ثم استأمن إلى قحطبة ، فأمنه ، فخرج إليه ، وسار قحطبة حتى نزل حلوان ، فأقام بها .
وكتب إلى أبي مسلم يعلمه خبره ، وأن مروان بن محمد قد أقبل من الشام حتى وافى الزابين فأقام بها في ثلاثين ألفا ، وأن يزيد بن عمر بن هبيرة قد استعد بواسط .


[1]كورتان بخراسان . ( 2 ) كورة على نهر بقرب واسط .


صفحه 365


فأتاه كتاب أبي مسلم ، يأمره أن يوجه أبا عون العكي في ثلاثين ألف فارس من إبطال جنوده إلى مروان بن محمد بالزابين ، فيحاربه ، ويسير هو في بقية الجنود إلى واسط ، فيحارب يزيد بن عمر ، ليشغله عن توجيه المدد إلى مروان .
ففعل قحطبة ذلك .
* * * وبلغ مروان فصول أبي عون إليه بالجيوش من حلوان فاستقبله ، فالتقيا بشهرزور ، فاقتتلوا ، فانهزم أهل الشام حتى صاروا إلى مدينة حران .
قال الهيثم : فحدثني إسماعيل بن عبد الله القسري ، أخو خالد بن عبد الله قال :
( دعاني مروان عند وصوله إلى حران ، وكنت أخص الناس عنده ، فقال لي :
( يا أبا هاشم ) - وما كناني قبل ذلك - . فقلت : ( لبيك يا أمير المؤمنين ) .
قال : ( ترى ما قد نزل من الأمر ، وأنت الموثوق برأيه ، فما ترى ؟ ) .
قلت : ( وعلام أجمعت يا أمير المؤمنين ؟ ) .
قال : ( أجمعت على أن ارتحل بأهلي ، وولدي ، وخاصة أهل بيتي ، ومن اتبعني من أصحابي حتى أقطع الدرب ، وأصير إلى ملك الروم ، فاستوثق منه بالأمان ، ولا يزال يأتيني الخائف من أهل بيتي وجنودي حتى يكثف أمري ، وأصيب قوة على محاربة عدوي ) .
قال إسماعيل : وذلك ، والله ، كان الرأي له عندي ، غير أني ذكرت سوء أثره في قومي ، ومعاداته إياهم ، وتحامله عليهم ، فصرفت الرأي عنه .
وقلت له : ( يا أمير المؤمنين ، أعيذك بالله ، أن تحكم أهل الشرك في نفسك وحرمك ، لأن الروم لا وفاء لهم ) .
قال : فما الرأي عندك ؟
قلت : الرأي أن تقطع الفرات ، وتستقري مدن الشام ، مدينة مدينة ، فإن لك بكل مدينة صنائع ونصحاء ، وتضمهم جميعا إليك ، وتسير حتى تنزل ببلاد مصر ، فهي أكثر أهل الأرض مالا ، وخيلا ، ورجالا ، فتجعل الشام أمامك ،