بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 370


[ مبايعة أبي العباس ] فأظهر أبا العباس ، وأقبل به حتى دخل المسجد الأعظم ، واجتمع له الناس ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ، عليه السلام ، ثم ذكر انتهاك بني أمية المحارم ، وهدمهم الكعبة ، ونصبهم عليها المجانيق ، وما أبدعوا من خبيث السير ، ثم نزل .
فأكثر الناس له من الدعاء ، وأقبل نحو دار الإمارة ، فنزلها .
وأمر الحسن بن قحطبة بالانصراف إلى واسط ، والإناخة بيزيد بن عمر ابن هبيرة .
فسار الحسن وحاصر يزيد أشهرا كثيرة .
قال الهيثم بن عدي : بويع لأبي العباس بالخلافة ، و لأبي جعفر بولاية العهد من بعده ، في رجب ، من سنة اثنتين وثلاثين ومائة[1].
فلما استدف لأبي العباس الإمرة ولى أبا سلمة الداعي جميع ما وراء بابه ، وجعله وزيره ، وأسند إليه جميع أموره ، فكان يسمى وزير آل محمد ، فكان ينفذ الأمور من غير مؤامرة .
وبلغ ذلك أبا مسلم وهو بخراسان ، فدعا مروان الضبي ، وكان أحد قواده ، وقال له : ( انطلق إلى الكوفة ، فأخرج أبا سلمة من عند الإمام أبي العباس ، فاضرب عنقه ، وانصرف من ساعتك ) ، ففعل الضبي ذلك .
فقال الشاعر يرثي أبا سلمة :
إن الوزير وزير آل محمد أودي فمن يشناك كان وزيرا[2].
ثم إن الإمام أبا العباس رأى أن يوجه أخاه أبا جعفر المنصور إلى واسط ، ليتولى


[1]الموافق فبراير سنة 750 م .
[2]شنأه أي أبغضه .


صفحه 371


محاربة ابن هبيرة ، فوجهه ، وكتب إلى الحسن بن قحطبة يعلمه أن العسكر عسكره ، و [ أنه ] أحب أن يكون أخوه المتولي للأمر .
فلما وافى أبو جعفر واسطا تحول الحسن بن قحطبة عن سرداقه ، وخلاه بما فيه له ، فنزله أبو جعفر بحريمه وحشمه .
وكتب أبو جعفر إلى قواد يزيد بن عمر وأشراف من العرب ، يستميلهم بالأطماع ، وينبههم على حظوظهم ، ويعرفهم انصرام دولة بني أمية ، فأجابوه جميعا .
وكان أول من أجابه وانحرف إليه زياد بن صالح الحارثي ، وكان عامل ابن هبيرة على الكوفة ، وأخص أصحابه عنده ، وقد كان ابن هبيرة ولاه حراسة مدينته بالليل ، ودفع إليه مفاتيح أبوابها .
* * * قال الهيثم : فحدثني أبي ، قال : لما هم زياد باللحوق بأبي جعفر أرسل إلى ، وكان وصي أبي ، فكنت أدعوه أبا وعما ، وقد كان رسوله أتاني عند اختلاط الظلام ، يأمرني بالمصير إليه ، فأتيته ، فخلا بي ، وقال :
( يا ابن أخي ، إنك لست ممن أكتمه شيئا ، وقد أتاني كتاب أبي جعفر ، يدعوني إلى اللحوق به ، ويبذل لي على ذلك منزلة سنية ، وأعلم في كتابه أنه راع للخئولة وكانت أم أبي العباس حارثيه - .
قال والدي : ( فقلت له ، يا عم ، إن لابن هبيرة أيادي جميلة ، و أكره لك الغدر به ) .
فقال : ( يا ابن أخي ، أنا من أشكر الناس له ، غير أني لا أرى أن أقيم على ملك ، قد انقضت قواه ، ووهت عراه ، وأنا لابن هبيرة اليوم عند أبي جعفر أنفع مني له هاهنا ، وأرجو أن يصلح الله أمره بي وعلى يدي ، فأقم عندي إلى وقت خروجي لأسلم لك المفاتيح ) .
فأقمت عنده .
فلما مضى ثلث الليل أمر غلمانه ، فحملوا أثقاله ، وأسرجوا دوابه ، ثم ركب ،


صفحه 372


وخرج من منزله ، وأنا أمشي معه ، حتى انتهى إلى باب المدينة الذي يلي دجلة ، وكانت المفاتيح معه ، وأمر الأحراس أن يفتحوا الباب ، وقال لهم : ( أريد الخروج لاستطلاع بعض الأمور ، وأنا منصرف بعد ساعة ) .
ثم خرج ، وأمرني بإغلاق الباب وأخذ المفاتيح .
فقال لي فيما بيني وبينه إذا أصبحت فانطلق بالمفاتيح حتى تدفعها إلى ابن هبيرة من يدك إلى يده ، أعلمه أني له هناك أفضل مني له هاهنا ، ثم ودعني ، ومضى ، وانصرفت إلى منزلي .
فلما أصبحت أتيت باب قصر الإمارة ، فاستأذنت على ابن هبيرة .
فقال لي الحاجب : هو قاعد في مصلاه ، لم يقم عنه .
قلت : أعلمه أني أتيته في مهم .
فأذن لي .
فدخلت ، وهو قاعد في محرابه ، وعليه كساء بركاني[1]معلم ، فسلمت عليه بالإمرة .
فرد السلام .
وقال : مهم .
فحدثته بأمر زياد بن صالح ، فدمعت عيناه .
وقال : بمن تثق اليوم بعد زياد ، وتوليتي إياه الكوفة ، ووبري به ؟
فقلت : أيها الأمير : إن الله ربما جعل في الكره خيرا ، وأرجو أن ينفعك الله بمكانه هناك .
فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله .
ثم قال : يا غلام ، علي بطارق بن قدامة القسري .
فدخل عليه ، وأنا جالس عنده ، فدفع إليه تلك المفاتيح .


[1]الكساء البركاني هو ذو اللون الأسود .


صفحه 373


وقال : يا طارق ، إني قد اخترتك لحراسة هذه المدينة على جميع أصحابك من خاصتنا ، فكن كنحو ثقتي بك .
* * * ولما طال على ابن هبيرة الحصار بعث إلى المنصور يسأله الأمان ، فأرسل إليه :
( إن أردت أن أؤمنك على حكم أمير المؤمنين أبي العباس فعلت ) .
فشاور ابن هبيرة نصحاءه ، فأشاروا عليه أن يفعل .
فأرسل إلى أبي جعفر يعلمه : أني راض بذلك .
فكتب إليه أبو جعفر ذلك بخطه ، وأشهد على نفسه بذلك القواد .
فخرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في نفر من بطانته ، فدخل عليه ، وهو في سرادقه ، وحول السرادق عشرة آلاف نفر من أهل خراسان مستلئمين في السلاح ، فأمر أبو جعفر بوسادة ، فجلس عليها قليلا ، ثم نهض ، ودعي له بدابته ، فركب ، وانصرف إلى منزله ، وفتحت أبواب المدينة ، ودخل الناس بعضهم في بعض .
قالوا : وأحصى ما في الخزائن من الأموال والسلاح ، وما بقي من الطعام والعلف الذي كان ابن هبيرة قد ادخر ، وأعد للحصار ، فكان المال ثلاثة آلاف ألف درهم ، ومن السلاح شئ كثير ، وطعام ثلاثين ألف رجل ، وعلف عشرين ألف رأس من الدواب سنة .
وإن أبا جعفر كتب إلى أبي العباس يخبره بخروج ابن هبيرة على حكمه ، ويسأله أن يعلمه الذي يرى فيه .
فكتب أبو العباس : لا حكم لابن هبيرة عندي إلا السيف .
فلما انتهى الكتاب بذلك إلى أبي جعفر كتمه عن جميع الناس .
وقال لحاجبه : مر ابن هبيرة إذا ركب إلينا ألا يركب إلا في غلام واحد ، ويدع عنه هذه الجماعات .
فلما كان من غد ركب ابن هبيرة إلى أبي جعفر في موكب عظيم .


صفحه 374


فقال له سلام الحاجب : ( أبا خالد ، كأنك إنما تأتي ولي العهد مباهيا ، ولا تأتيه مسلما ) .
قال ابن هبيرة : إن كنتم كرهتم ذلك لم آتكم إلا في غلام واحد .
قال : فلا تأتنا إلا في [ غلام ] واحد ، فإني لم أقل ذلك استخفافا بحقك ، إلا أن أهل خراسان ينكرون كثرة من يركب معك .
فكان ابن هبيرة بعد ذلك لا يأتيهم إلا في غلام واحد ، فيدخل ، ويسلم ، وينصرف .
* * * ثم إن أبا جعفر قال للحسن بن قحطبة : ( أجمع إليك أبا بكر العقيلي ، والحوثرة بن سهل ، ومحمد بن بنانة ، وعبد الله بن بشر ، وطارق بن قدامة ، وسويد بن الحارث المزني ، وهؤلاء كانوا قواد يزيد بن عمر ، فإذا اجتمعوا عندك فاضرب أعناقهم ، وائتني بخواتيمهم ، ووجه حرسا يحرسون ابن هبيرة ، لأنفذ فيه أمر الإمام أبي العباس .
فانطلق الحسن بن قحطبة ، فأنفذ أمره في أولئك ، وأتاه بخواتيمهم .
قال : ( فما نطق منهم أحد عند قتله ، وما كان منه جزع ولا امتناع ) .
فلما كان في اليوم الثاني دعا أبو جعفر خازم بن خزيمة ، وإبراهيم بن عقيل ، فقال لهما : ( انطلقا في عشرة نفر من الحرس حتى تدخلا على ابن هبيرة فتقتلاه ) .
فأقبلا حتى دخلا عليه عند طلوع الشمس ، وهو جالس في مسجده في القصر مسند ظهره إلى المحراب ، ووجهه إلى رحبة القصر .
فلما نظر إليهم قال لحاجبه : ( يا أبا عثمان ، أحلف بالله أن في وجوه القوم لشرا .
فمضى أبو عثمان مستقبلا لهم ، وقال لهم : ( ما تريدون ؟ ) .
فبعجه إبراهيم بن عقيل بالسيف ، فقتله ، وقام إبراهيم ابنه في وجوه القوم ، فقتل ، ثم قام ابنه داود في وجوههم ، فقتل ، ثم قام كاتبه عمرو ، فقتل .


صفحه 375


وأقبلوا نحو ابن هبيرة ، فلما دنوا منه حول وجهه إلى القبلة ، وسجد ، فضربوه بأسيافهم حتى خمد .
ثم انصرفا إلى أبي جعفر ، فأخبراه بذلك ، فأمر أبو جعفر مناديا ، فنادى ( أيها الناس ، أنتم آمنون إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر ، ومحمد بن ذر ، وخالد ابن سلمة المخزومي .
قال الهيثم : فحدثني أبي قال : قال محمد بن ذر ، فضاقت على الأرض برحبها ، فخرجت ليلا من مدينة واسط على قدمي ، وأنا أقرأ آية الكرسي ، فما عرض لي أحد من الناس حتى نجوت ، فلم أزل خائفا حتى استأمن لي زياد بن عبد الله من الإمام أبي العباس ، فآمنني .
قال وهرب الحكم بن عبد الملك إلى كسكر ، فاستخفى بها ) .
وضاقت بخالد بن سلمة المخزومي الأرض ، فأتى باب أبي جعفر المنصور ليلا ، فاستأمن له ، فآمنه .
ثم نودي ( أيها الناس ، أنتم جميعا آمنون ، يا أهل الشام ، ألحقوا بشامكم ، ويا أهل الحجاز ، ألحقوا بحجازكم ، فسكن الناس ، وآمنوا ، واطمأنوا .
* * * واستعمل المنصور على واسط الهيثم بن زياد الخزاعي في خمسة آلاف من أهل خراسان ، ثم انصرف بسائر الناس حتى قدم على الإمام أبي العباس ، وهو بالحيرة .
ثم إن الإمام سار من الحيرة في جموعه حتى أتى الأنبار ، فاستطابها ، فابتنى بها مدينة بأعلى المدينة عظيمة لنفسه وجموعه ، وقسمها خططا بين أصحابه من أهل خراسان ، وبنى لنفسه في وسطها قصرا عاليا منيفا ، فسكنه ، وأقام بتلك المدينة طول خلافته ، وتسمى إلى اليوم مدينة أبي العباس .
ثم إن أبا العباس وجه أخاه أبا جعفر المنصور إلى خراسان ، وأمره أن يأتي


صفحه 376


أبا مسلم ، فيناظره في بعض الأمور ، ووجه معه ثلاثين رجلا من وجوه القواد ، وفيهم الحجاج بن أرطأة الفقيه ، وإسحق بن الفضل الهاشمي .
* * * فلما قدم المنصور على أبي مسلم لم يبالغ أبو مسلم في بره وإكرامه ، ولم يظهر السرور التام بقدومه .
فانصرف إلى أبي العباس ، وقال : ( لست بخليفة ما دام أبو مسلم حيا ، فاحتل لقتله قبل أن يفسد عليك أمرك ، فلقد رأيته وكأنه لا أحد فوقه ، ومثله لا يؤمن غدره ونكثه ) .
فقال أبو العباس : وكيف يمكن ذلك ، ومعه أهل خراسان ؟ وقد أشربت قلوبهم حبه ، واتباع أمره ، وإيثار طاعته .
فقال أبو جعفر : فذاك والله أحرى أن لا تأمنه ، فاحتل له .
فقال أبو العباس : يا أخي ، اضرب عن هذا ، ولا تعلمن رأيك في ذلك أحدا . وإن أبا العباس قال ذات يوم للحجاج بن أرطأة ، وقد خلا معه : ما تقول في أبي مسلم ؟
فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى يقول في كتابه : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) .
قال أبو العباس : أمسك ، فقد فهمت ما أردت .
ثم إن أبا مسلم وجه محمد بن الأشعث بن عبد الرحمن أميرا على فارس .
ورأى أبو العباس أن يستعمل عليها عمه عيسى بن علي ، فعقد له عليها ، وأمره بالمسير إليها .
فلما قدم عيسى على محمد بن الأشعث أبى أن يسلم إليه .
فقال له عيسى : يا ابن الأشعث ، أ لست في طاعة الإمام أبي العباس ؟
قال : بلى ، غير أن أبا مسلم أمرني ألا أسلم العمل إلى أحد من الناس .


صفحه 377


قال عيسى : فإنما أبو مسلم عبد الإمام ، وإن الإمام لا يرضى أن يرد أمره . قال محمد : دع عنك هذا ، لست أسلم العمل إليك إلا بكتاب أبي مسلم .
فانصرف عيسى إلى أبي العباس ، فأخبره ذلك ، فكظم ، وأمر عمه بالمقام عنده ، فأقام .
وإن أبا مسلم عقد للمغلس بن السري على أرض طخارستان حتى وافاها ، فخرج إليه منصور مستعدا للحرب ، فالتقوا ، فاقتتلوا ، فكان الظفر للمغلس ، وهرب منصور في نفر من أصحابه حتى وقعوا في الرمال ، فماتوا عطشا .
وأقام المغلس على باب بلاد السند .
* * * وإن أبا مسلم كتب إلى الإمام أبي العباس يستأذنه في القدوم عليه ، والمقام عنده إلى أوان الحج ليحج ، فأذن له أبو العباس في ذلك ، فسار أبو مسلم حتى إذا قارب الإمام أمر أبو العباس جميع من كان معه بالحضرة من القواد والأشراف أن يستقبلوه ، فاستقبل بالكرامة ، وترجل له الأشراف والقواد .
وأقبل حتى وافى مدينة أبي العباس ، فأنزله معه في قصره ، ولم يال جهده في بره وإكرامه ، حتى إذا حان وقت الحج استأذنه في الحج .
فقال له أبو العباس : لولا أن أخي أبا جعفر قد عزم على الحج لوليتك الموسم ، فكونا جميعا .
قال أبو مسلم : وذاك أحب إلي .
ثم خرجا .
فكان يرتحل أبو جعفر ، وينزل أبو مسلم حتى وافيا مكة ، فقضيا حجهما ، وانصرفا .