بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 380


فإنه قد مضى مغاضبا ، ولا آمن إفساده على ، وتأت في رده بأفضل التأتي ) .
فسار الرجل حتى لحقه في بعض الطريق ، وقد نزل بعض المنازل بعسكره ، فدخل عليه مضربه .
فقال :
( أيها الأمير ، أجهدت نفسك ، وأسهرت ليلك ، وأتعبت نهارك في نصرة مواليك ، وأهل بيت نبيك حتى إذا استحكم لهم الأمر ، وتوطد لهم السلطان ، ونلت أمنيتك فيهم تنصرف على هذه الحال ، فما تقول الناس ؟ ألا تعلم أن ذلك مطعنة عليك ، ومسبة ، في حياتك ، وبعد وفاتك ؟ ) .
فلم يزل به حتى عزم على الانصراف معه إلى المنصور ، وخلف عسكره بمكانه ذلك .
وسار منصرفا في ألف فارس من أفاضل من كان معه من جنود خراسان والقواد ، وقد كان أبو مسلم يقول : إن المنجمين أخبروني أن لا أقتل إلا بالروم .
[ قتل أبي مسلم الخراساني ] حتى وافى أبا جعفر بالرومية ، فدخل عليه ، فقام إليه أبو جعفر ، وعانقه ، وأظهر السرور بانصرافه .
وقال له : ( كدت تمضي من قبل أن أراك ، وأفضي إليك بما أريد ، فقم ، فضع عنك ثيابك ، وانزل حتى يذهب كلال السير عنك .
فخرج أبو مسلم إلى قصر قد أعد له .
ونزل أصحابه حوله .
فمكث ثلاثة أيام ، يغدو كل يوم إلى أبي جعفر ، فيدخل على دابته ، حتى ينتهي إلى باب المجلس الذي فيه الإمام ، فينزل ، ويدخل إليه ، فيجلس عنده مليا ، فيتناظران في الأمور .
فلما كان في اليوم الرابع وطن له أبو جعفر عثمان بن نهيك ، وكان على حرسه ،


صفحه 381


وشبث بن روح ، وكان على شرطته ، وأبا فلان بن عبد الله ، وكان على الخيل ، وأمرهم أن يكمنوا في بيت إلى جنب المجلس الذي كان فيه .
وقال لهم : إذا أنا صفقت يدي ثلاثا فاخرجوا إلى أبي مسلم ، فبضعوه .
وأمر الحاجب إذا دخل أبو مسلم أن يأخذ عنه سيفه .
وأقبل أبو مسلم ، فدخل ، وأخذ الحاجب سيفه .
فدخل مغضبا ، وقال :
- يا أمير المؤمنين ، فعل بي ما لم يفعل بي مثله قط ، أخذ السيف من عاتقي .
قال أبو جعفر : ومن أخذه لعنه الله ؟ اجلس ، لا عليك .
فجلس ، وعليه قباء أسود خز ، ووضع له متكئا ، ولم يكن في البيت غيرهما .
فقال أبو جعفر :
( ما أردت بمضيك نحو خراسان قبل لقائي ؟ ) قال أبو مسلم :
( لأنك وجهت في أثري إلى الشام أمينا في إحصاء الغنائم ، أما وثقت بي فيها ؟ ) .
فأغلظ له أبو جعفر الكلام .
فقال :
( يا ( أمير المؤمنين ، أنسيت حسن بلائي ، وفضل قيامي ، وإتعابي نفسي ليلي ونهاري ؟ حتى سقت هذا السلطان إليكم ) .
قال أبو جعفر :
( يا ابن الخبيثة ، والله لو قامت مقامك أمة سوداء لأغنت غناك ، إنما تأتي لك الأمور في ذلك بما أحب الله ، من إظهار دعوتنا أهل البيت ، ورد حقنا إلينا ، ولو كان ذلك بحولك وحيلتك وقوتك ما قطعت فتيلا ، ألست يا ابن اللخناء الذي كتبت إلي تخطب عمتي آمنة بنت علي بن عبد الله ؟ وتزعم في كتابك أنك ابن سليط ابن عبد الله بن عباس ، لقد ارتقيت مرتقى صعبا ) .


صفحه 382


فقال أبو مسلم :
يا أمير المؤمنين ، لا تدخل على نفسك الغم والغيظ بسببي ، فإني أصغر قدرا من أن أبلغ منك هذا .
فصفق أبو جعفر بكفيه ثلاثا ، وخرج عليه القوم بالسيوف .
فلما رآهم أبو مسلم أيقن بالأمر ، فقام إلى أبي جعفر ، فتناول رجله ليقبلها ، فرفسه أبو جعفر برجله ، فوقع ناحية ، فأخذته السيوف .
فقال أبو مسلم . أما من سلاح يحامي به المرء عن نفسه .
فضربوه حتى خمد .
وأمر به أبو جعفر ، فلف في بساط ، ووضع ناحية من البيت .
* * * وقد كان أبو مسلم قبل دخوله على أبي جعفر قال لعيسى بن علي : ( ادخل معي إلى أمير المؤمنين ، فإني أريد معاتبته في بعض الأمور ) .
فقال له عيسى : ( تقدم فإني على أثرك ) .
فأقبل عيسى حتى دخل على أبي جعفر ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، أين أبو مسلم ؟
قال أبو جعفر : ( هاهو ذاك ملفوف في ذلك البساط ) .
قال عيسى : ( أقتلته ؟ أنا لله ، فكيف تصنع بجنوده ؟ وهؤلاء قد جعلوه ربا ) .
فأمر أبو جعفر فهيئت ألف صرة ، في كل صرة ثلاثة آلاف درهم .
وأحس أصحاب أبي مسلم بالأمر ، فصاحوا ، وسلوا السيوف ، فأمر أبو جعفر بتلك الصرر ، فقذفت إليهم مع رأس أبي مسلم .
وصعد عيسى بن علي إلى أعلى القصر ، وقال :
يا أهل خراسان ، إنما كان أبو مسلم عبدا من عبيد أمير المؤمنين ، وجد عليه ، فقتله ، فليفرخ روعكم ، فإن أمير المؤمنين بالغ آمالكم ) .


صفحه 383


فترجل القوم وتناولوا تلك الصرر ، كل واحد صرة ، وترك الرأس مقذوفا .
ثم إن أبا جعفر وضع لأصحاب أبي مسلم العطاء ، ووجه الأموال إلى عسكر أبي مسلم حيت خلفه ، فأسنى لهم العطاء ، وكتب كتابا ، فقرئ عليهم ، يبسط فيه آمالهم ، وأجزل صلات القواد والأشراف منهم ، فأرضاهم ذلك .
واستدفت الخلافة لأبي جعفر المنصور سنة ثمان وثلاثين ومائة[1]، فوجه عماله إلى أقطار الأرض .
[ مدينة بغداد ] وأن أبا جعفر أحب أن يبني لنفسه جنوده مدينة ليتخذها دار المملكة .
فسار بنفسه يرتاد الأماكن حتى انتهى إلى بغداد ، وهي إذ ذاك قرية يقوم بها سوق في كل شهر ، فأعجبه المكان ، فخط لنفسه وحشمه ومواليه وولده وأهل بيته المدينة ، وسماها ( مدينة السلام ) ، وبنى قصره وسطها إلى المسجد الأعظم .
ثم خط لجنوده حول المدينة ، وجعل أهل كل بلد من خراسان في ناحية منها منفردة ، وأمر الناس بالبناء ، ووسع عليهم في النفقات ، وأمر ، فحفر نهر الفرات من ثمانية فراسخ ، وفوهه النهر من دمما[2]، فأجرى إلى بغداد ليأتي فيه مواد الشام والجزيرة ، كما تأتي مواد الموصل وما اتصل بالموصل في دجلة ، وكان بناؤه إياها في سنة تسع وثلاثين ومائة[3].
ثم إن أبا جعفر حج بالناس سنة أربعين ومائة ، وجعل منصرفه على مدينة الرسول ، فوضع لأهلها العطاء ، فأسنى لهم في الرزق وفرق فيهم الجوائز .
ومضى نحو الشام قاصدا لبيت المقدس حتى وافاها ، فأقام بها شهرا ، ثم سار إلى الرقة ، فأقام بها بقية عامة ذلك ، ثم سار من الرقة حتى وافى مدينة السلام ، فأقام بها حولا كاملا .


[1]سنة 755 م .
[2]قرية كبيرة على فم نهر عيسى ، قرب الفرات ، وقد خربت .
[3]سنة 756 م .


صفحه 384


[ الراوندية ] ثم سار منها سنة اثنتين وأربعين ومائة نحو البصرة حتى وافاها ، فبلغه أن الراوندية[1]تداعوا ، وخرجوا يطلبون بثأر أبي مسلم ، وخلعوا الطاعة ، فوجه إليهم خازم بن خزيمة ، فقتلهم ، وبددهم في الأرض ، ثم عقد لمعن بن زائدة من البصرة على اليمن ، وأقام عامة ذلك بالبصرة .
وزعموا أن عمرو بن عبيد دخل إليه ، فلما رآه أبو جعفر صافحه ، وأجلسه إلى جانبه ، فتكلم عمرو ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها ، فاشتر نفسك من الله ببعضها ، واعلم أن الله لا يرضى منك إلا بما ترضاه منه ، فإنك لا ترضى من الله إلا بأن يعدل عليك ، وإن الله لا يرضى منك إلا بالعدل في رعيتك ، يا أمير المؤمنين ، إن من وراء بابك نيرانا تأجح من الجور ، وما يعمل من وراء بابك بكتاب الله ولا بسنة رسول الله ، يا أمير المؤمنين : ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، حتى أتى على آخر السورة[2]، ثم قال : ولمن عمل والله بمثل عملهم .
قالوا : فبكى أبو جعفر . فقال ابن مجالد : مه يا عمرو ، قد شققت على أمير المؤمنين منذ اليوم .
قال عمرو : من هذا يا أمير المؤمنين ؟
قال : هذا أخوك ابن مجالد .
قال عمرو : يا أمير المؤمنين ما أحد أعدى لك من ابن مجالد ، أيطوي عنك النصيحة ، ويمنعك من ينصحك ؟ وإنك لمبعوث وموقوف ومسئول عن مثاقيل الذر من الخير والشر .


[1]الراوندية فئة تنسب إلى أحمد بن يحي بن إسحاق الرواندي المتوفى سنة 303 ه‌ وقد كان معتزليا ، صار شيعيا ، ثم تغير إلى الزيغ والإلحاد ، وله مؤلفات تمثل ذلك الاضطراب الذي تقلب فيه ( تاريخ الإلحاد في الإسلام للدكتور عبد الرحمن بدوي ) .
[2]الآية رقم 6 من سورة الفجر .


صفحه 385


قال : فرمى أبو جعفر بخاتمه ، وقال :
- قد وليتك ما وراء بابي ، فادع أصحابك ، فولهم .
قال : إن أصحابي لن يأتوك حتى يروك قد عملت بالعدل ، كما قلت بالعدل .
ثم انصرف .
وسار أبو جعفر من البصرة سنة ثلاث وأربعين نحو الجبل حتى وافى مدينة نهاوند ، وقد كان بلغه طيبها ، فأقام بها شهرا .
ثم انصرف حتى أتى المدائن ، فأقام بها بقية عامة ذلك ، وعقد منها لخزيمة ابن خازم على جميع طبرستان ، حتى إذا آن أوان الحج خرج منها حاجا سنة أربع وأربعين ومائة ، ونزل الربذة[1]، فلما قضى حجه انصرف ، ولم يدخل المدينة .
وفي ذلك العام خرج عليه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، الملقب بالنفس الزكية ، فوجه إليه أبو جعفر عيسى بن موسى بن علي في خيل ، فقتل رحمه الله ، وخرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن ، فقتل رضوان الله عليهم .
[ موت أبي جعفر المنصور ] وفي سنة ثمان وخمسين ومائة حج أبو جعفر ، فنزل الأبطح على بئر ميمون ، فمرض بها ، وتوفي غداة السبت ، لست خلون من ذي الحجة .
فأقام الحج للناس في ذلك العام إبراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس ، وصلى على أبي جعفر عيسى بن موسى ، فكانت خلافته عشرين سنة ، وتوفي وله ثلاث وستون سنة ، ودفن بأعلى مكة .


[1]الربذة قرية قرب المدينة المنورة ، وبها قبر أبي ذر الغفاري ، وقد خربها القرامطة سنة 319 ه‌ .


صفحه 386


< فهرس الموضوعات > تولية محمد المهدي < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > ولاية موسى الهادي < / فهرس الموضوعات > [ تولية محمد المهدي ] ثم بويع للمهدي بن المنصور يوم السبت لسبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة[1]، وفي ذلك العام أمر المهدي باتخاذ المقاصير في جميع مساجد الجماعات ، ثم حج المهدي سنة ستين ومائة ، فانصرف على المدينة ، فأمر أن يشتري ما حول المسجد من المنازل والدور ، فيوسع به المسجد .
وفي سنة اثنتين وستين ومائة خرجت المحمرة بجرجان ، فسار إليهم عمر بن العلاء ، ففرقهم .
وفي ذلك العام عقد المهدي ولاية العهد لابنه موسى الهادي ، ومن بعده لابنه الرشيد .
وفي سنة تسع وستين خرج موسى بن المهدي إلى جرجان ، وخرج المهدي إلى ( ماسبذان )[2]فأقام بها متنزها .
ومات بها وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا ونصفا .
[ ولاية موسى الهادي ] وأتت الخلافة موسى الهادي ، وهو بجرجان ، وبويع بمدينة السلام لثمان بقين من المحرم .
وفي ذلك العام خرج الحسين بن علي بن الحسن بالمدينة ، وسار نحو مكة ، فلقيه عيسى بن موسى والعباس بن علي ، فقتلاه .
وفي سنة سبعين ومائة توفي الإمام موسى بن المهدي بعيسياباذ[3]في النصف من شهر ربيع الأول ، وكان له يوم توفي أربع وعشرون سنة ، وكانت خلافته سنة وشهرا وأربعة وعشرين يوما .


[1]الموافق 19 أكتوبر سنة 774 م .
[2]أصله ماه ، سبذان ، وهي مدن عدة وبها قبر المهدي ، ولا أثر بها إلا بناء قد تغصت رسومه ولم يبق منه إلا الآثار
[3]كذا في الأصل ، وهي عيساباز محلة كانت بشرقي بغداد ، وقد بني بها المهدي قصره الذي سماه قصر السلام ، وقد خربت .


صفحه 387


[ خلافة هارون الرشيد ] وفي ذلك العام استخلف هارون الرشيد ، وحج ، وانصرف إلى المدينة ، فوضع لأهلها العطاء ، وأجزل لهم .
وأقبل إلى العراق فوافى الكوفة ، وعقد لأبي العباس الطوسي على خراسان ، فلبث عليها عامين ، ثم عزله .
واستعمل عليها محمد بن الأشعث .
وفي سنة أربع وسبعين ومائة وقعت العصبية بأرض الشام بين المضرية واليمانية ، فتحاربوا حتى قتل من الفريقين بشر كثير .
وحج الرشيد في ذلك العام بالناس ومعه ابناه محمد ، وعبد الله ، وكتب بينهما كتابا بولاية العهد لمحمد ، ومن بعده لعبد الله المأمون ، وعلق الكتاب في جوف الكعبة ، ثم انصرف إلى مدينة السلام .
واستعمل على خراسان الغطريف بن عطاء .
* * * قال علي بن حمزة الكسائي : ولأني الرشيد تأديب محمد وعبد الله ، فكنت أشدد عليهما في الأدب ، وآخذهما به أخذا شديدا ، وبخاصة محمدا ، فاتتني ذات يوم خالصة جارية أم جعفر .
فقالت : يا كسائي ، إن السيدة تقرأ عليك السلام ، وتقول لك ، حاجتي إليك أن ترفق بابني محمد ، فإنه ثمرة فؤادي وقرة عيني ، وأنا أرق عليه رقة شديدة .
فقلت لخالصة : إن محمدا مرشح للخلافة بعد أبيه ، ولا يجوز التقصير في تأديبه .
فقالت خالصة : إن لرقة السيدة سببا ، أنا مخبرتك به .
أنها في الليلة التي ولدته أريت في منامها كان أربع نسوة أقبلن إليه ، فاكتنفنه عن يمينه وشماله ، وأمامه وورائه ، فقالت التي بين يديه : ( ملك قليل العمر ، ضيق الصدر ، عظيم الكبر ، واهي الأمر ، كثير الوزر ، شديد الغدر ) ،