بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 384


[ الراوندية ] ثم سار منها سنة اثنتين وأربعين ومائة نحو البصرة حتى وافاها ، فبلغه أن الراوندية[1]تداعوا ، وخرجوا يطلبون بثأر أبي مسلم ، وخلعوا الطاعة ، فوجه إليهم خازم بن خزيمة ، فقتلهم ، وبددهم في الأرض ، ثم عقد لمعن بن زائدة من البصرة على اليمن ، وأقام عامة ذلك بالبصرة .
وزعموا أن عمرو بن عبيد دخل إليه ، فلما رآه أبو جعفر صافحه ، وأجلسه إلى جانبه ، فتكلم عمرو ، فقال :
يا أمير المؤمنين ، إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها ، فاشتر نفسك من الله ببعضها ، واعلم أن الله لا يرضى منك إلا بما ترضاه منه ، فإنك لا ترضى من الله إلا بأن يعدل عليك ، وإن الله لا يرضى منك إلا بالعدل في رعيتك ، يا أمير المؤمنين ، إن من وراء بابك نيرانا تأجح من الجور ، وما يعمل من وراء بابك بكتاب الله ولا بسنة رسول الله ، يا أمير المؤمنين : ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، حتى أتى على آخر السورة[2]، ثم قال : ولمن عمل والله بمثل عملهم .
قالوا : فبكى أبو جعفر . فقال ابن مجالد : مه يا عمرو ، قد شققت على أمير المؤمنين منذ اليوم .
قال عمرو : من هذا يا أمير المؤمنين ؟
قال : هذا أخوك ابن مجالد .
قال عمرو : يا أمير المؤمنين ما أحد أعدى لك من ابن مجالد ، أيطوي عنك النصيحة ، ويمنعك من ينصحك ؟ وإنك لمبعوث وموقوف ومسئول عن مثاقيل الذر من الخير والشر .


[1]الراوندية فئة تنسب إلى أحمد بن يحي بن إسحاق الرواندي المتوفى سنة 303 ه‌ وقد كان معتزليا ، صار شيعيا ، ثم تغير إلى الزيغ والإلحاد ، وله مؤلفات تمثل ذلك الاضطراب الذي تقلب فيه ( تاريخ الإلحاد في الإسلام للدكتور عبد الرحمن بدوي ) .
[2]الآية رقم 6 من سورة الفجر .


صفحه 385


قال : فرمى أبو جعفر بخاتمه ، وقال :
- قد وليتك ما وراء بابي ، فادع أصحابك ، فولهم .
قال : إن أصحابي لن يأتوك حتى يروك قد عملت بالعدل ، كما قلت بالعدل .
ثم انصرف .
وسار أبو جعفر من البصرة سنة ثلاث وأربعين نحو الجبل حتى وافى مدينة نهاوند ، وقد كان بلغه طيبها ، فأقام بها شهرا .
ثم انصرف حتى أتى المدائن ، فأقام بها بقية عامة ذلك ، وعقد منها لخزيمة ابن خازم على جميع طبرستان ، حتى إذا آن أوان الحج خرج منها حاجا سنة أربع وأربعين ومائة ، ونزل الربذة[1]، فلما قضى حجه انصرف ، ولم يدخل المدينة .
وفي ذلك العام خرج عليه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، الملقب بالنفس الزكية ، فوجه إليه أبو جعفر عيسى بن موسى بن علي في خيل ، فقتل رحمه الله ، وخرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن ، فقتل رضوان الله عليهم .
[ موت أبي جعفر المنصور ] وفي سنة ثمان وخمسين ومائة حج أبو جعفر ، فنزل الأبطح على بئر ميمون ، فمرض بها ، وتوفي غداة السبت ، لست خلون من ذي الحجة .
فأقام الحج للناس في ذلك العام إبراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس ، وصلى على أبي جعفر عيسى بن موسى ، فكانت خلافته عشرين سنة ، وتوفي وله ثلاث وستون سنة ، ودفن بأعلى مكة .


[1]الربذة قرية قرب المدينة المنورة ، وبها قبر أبي ذر الغفاري ، وقد خربها القرامطة سنة 319 ه‌ .


صفحه 386


< فهرس الموضوعات > تولية محمد المهدي < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > ولاية موسى الهادي < / فهرس الموضوعات > [ تولية محمد المهدي ] ثم بويع للمهدي بن المنصور يوم السبت لسبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة[1]، وفي ذلك العام أمر المهدي باتخاذ المقاصير في جميع مساجد الجماعات ، ثم حج المهدي سنة ستين ومائة ، فانصرف على المدينة ، فأمر أن يشتري ما حول المسجد من المنازل والدور ، فيوسع به المسجد .
وفي سنة اثنتين وستين ومائة خرجت المحمرة بجرجان ، فسار إليهم عمر بن العلاء ، ففرقهم .
وفي ذلك العام عقد المهدي ولاية العهد لابنه موسى الهادي ، ومن بعده لابنه الرشيد .
وفي سنة تسع وستين خرج موسى بن المهدي إلى جرجان ، وخرج المهدي إلى ( ماسبذان )[2]فأقام بها متنزها .
ومات بها وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا ونصفا .
[ ولاية موسى الهادي ] وأتت الخلافة موسى الهادي ، وهو بجرجان ، وبويع بمدينة السلام لثمان بقين من المحرم .
وفي ذلك العام خرج الحسين بن علي بن الحسن بالمدينة ، وسار نحو مكة ، فلقيه عيسى بن موسى والعباس بن علي ، فقتلاه .
وفي سنة سبعين ومائة توفي الإمام موسى بن المهدي بعيسياباذ[3]في النصف من شهر ربيع الأول ، وكان له يوم توفي أربع وعشرون سنة ، وكانت خلافته سنة وشهرا وأربعة وعشرين يوما .


[1]الموافق 19 أكتوبر سنة 774 م .
[2]أصله ماه ، سبذان ، وهي مدن عدة وبها قبر المهدي ، ولا أثر بها إلا بناء قد تغصت رسومه ولم يبق منه إلا الآثار
[3]كذا في الأصل ، وهي عيساباز محلة كانت بشرقي بغداد ، وقد بني بها المهدي قصره الذي سماه قصر السلام ، وقد خربت .


صفحه 387


[ خلافة هارون الرشيد ] وفي ذلك العام استخلف هارون الرشيد ، وحج ، وانصرف إلى المدينة ، فوضع لأهلها العطاء ، وأجزل لهم .
وأقبل إلى العراق فوافى الكوفة ، وعقد لأبي العباس الطوسي على خراسان ، فلبث عليها عامين ، ثم عزله .
واستعمل عليها محمد بن الأشعث .
وفي سنة أربع وسبعين ومائة وقعت العصبية بأرض الشام بين المضرية واليمانية ، فتحاربوا حتى قتل من الفريقين بشر كثير .
وحج الرشيد في ذلك العام بالناس ومعه ابناه محمد ، وعبد الله ، وكتب بينهما كتابا بولاية العهد لمحمد ، ومن بعده لعبد الله المأمون ، وعلق الكتاب في جوف الكعبة ، ثم انصرف إلى مدينة السلام .
واستعمل على خراسان الغطريف بن عطاء .
* * * قال علي بن حمزة الكسائي : ولأني الرشيد تأديب محمد وعبد الله ، فكنت أشدد عليهما في الأدب ، وآخذهما به أخذا شديدا ، وبخاصة محمدا ، فاتتني ذات يوم خالصة جارية أم جعفر .
فقالت : يا كسائي ، إن السيدة تقرأ عليك السلام ، وتقول لك ، حاجتي إليك أن ترفق بابني محمد ، فإنه ثمرة فؤادي وقرة عيني ، وأنا أرق عليه رقة شديدة .
فقلت لخالصة : إن محمدا مرشح للخلافة بعد أبيه ، ولا يجوز التقصير في تأديبه .
فقالت خالصة : إن لرقة السيدة سببا ، أنا مخبرتك به .
أنها في الليلة التي ولدته أريت في منامها كان أربع نسوة أقبلن إليه ، فاكتنفنه عن يمينه وشماله ، وأمامه وورائه ، فقالت التي بين يديه : ( ملك قليل العمر ، ضيق الصدر ، عظيم الكبر ، واهي الأمر ، كثير الوزر ، شديد الغدر ) ،


صفحه 388


وقالت التي من ورائه : ( ملك قصاف ، مبذر متلاف ، قليل الإنصاف ، كثير الإسراف ) ، وقالت التي عن يمينه : ( ملك ضخم ، قليل الحلم ، كثير الإثم ، قطوع للرحم ) ، وقالت التي عن يساره : ( ملك غدار ، كثير العثار ، سريع الدمار ) . ثم بكت خالصة ، وقالت : ( يا كسائي ، وهل يغني الحذر ؟ ) .
وذكر عن الأصمعي قال : دخلت على الرشيد ، وكنت غبت عنه حولين بالبصرة ، فأومأ إلي بالجلوس قريبا منه ، فجلست قليلا ، ثم نهضت ، فأومأ إلي أن اجلس ، فجلست ، حتى خف الناس .
ثم قال لي :
- يا أصمعي ، ألا تحب أن ترى محمدا وعبد الله ؟
قلت : بلى يا أمير المؤمنين ، إني لأحب ذلك ، وما أردت القيام إلا إليهما ، لأسلم عليهما .
قال : تكفي .
ثم قال : علي بمحمد وعبد الله .
فانطلق الرسول .
وقال : أجيبا أمير المؤمنين .
فأقبلا ، كأنهما قمرا أفق ، قد قاربا خطأهما ، وضربا ببصرهما الأرض حتى وقفا على أبيهما ، فسلما عليه بالخلافة ، وأومأ إليهما ، فدنيا منه ، فأجلس محمدا عن يمينه ، وعبد الله عن شماله .
ثم أمرني بمطارحتهما ، فكنت لا ألقي عليهما شيئا من فنون الأدب إلا أجابا فيه وأصابا . فقال : كيف ترى أدبهما ؟
قلت : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت مثلهما في ذكائهما وجودة ذهنهما ، فأطال الله بقاءهما ، ورزق الأمة من رأفتهما ومعطفتهما .
فضمهما إلى صدره ، وسبقته عبرته حتى تحدرت دموعه .


صفحه 389


ثم أذن لهما ، حتى إذا نهضا وخرجا ، قال :
- كيف بكم إذا ظهر تعاديهما وبدا تباغضهما ، ووقع بأسهما بينهما حتى تسفك الدماء ، ويود كثير من الأحياء انهم كانوا موتى ؟
فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا شئ قضى به المنجمون عند مولدهما ، أو شئ أثرته العلماء في أمرهما ؟
قال : بل شئ أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما .
قالوا : فكان المأمون يقول في خلافته : ( قد كان الرشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر بن محمد ، فلذلك قال ما قال .
قال الأصمعي : وكان الرشيد يحب السمر ، ويشتهي ( أحاديث )[1]الناس ، فكان يرسل إلى إذا نشط لذلك ، وجن عليه الليل ، فأسامره ، فأتيت ذات ليلة ، ولم يكن عنده أحد ، فسامرته ساعة ، ثم أطرق ، وفكر ، ثم قال :
يا غلام ، علي بالعباسي - يعني الفضل بن الربيع - .
فحضر ، ودخل ، فأذن له بالجلوس .
فقال : يا عباسي ، إني عنيت بتولية العهد ، ومثبت الأمر في محمد وعبد الله ، وقد علمت أني إن وليت محمدا مع ركوبه هواه ، وانهماكه في اللهو واللذات خلط على الرعية ، وضيع الأمر ، حتى يطمع فيه الأقاصي من أهل البغي والمعاصي ، وإن صرفت الأمر إلى عبد الله ليسلكن بهم المحجة ، وليصلحن المملكة ، وإن فيه لحزم المنصور وشجاعة المهدي ، فما ترى ؟
قال الفضل : يا أمير المؤمنين ، إن هذا أمر خطير عظيم ، والزلة فيه لا تستقال ، وللكلام فيه مكان غير هذا .
فعلمت أنهما يحبان الخلوة ، فقمت عنهما ، وجلست ناحية من صحن الدار ، فما زالا يتناظران إلى أن أصبحا .


[1]بياض في الأصل مكان ما بين الحاصرتين .


صفحه 390


واتفق رأيهما على تولية محمد العهد ، وتصيير عبد الله من بعده ، وقسمه الأموال والجنود بينهما ، وأن يقيم محمد بدار الخلافة ، ويتولى المأمون خراسان .
فلما أصبح أمر بجميع القواد ، فاجتمعوا إليه ، فدعاهم إلى بيعة محمد ، ومن بعده إلى بيعة المأمون ، فأجابوا إلى ذلك ، وبايعوا .
وفي سنة ثمانين ومائة[1]عقد الرشيد لعلي بن عيسى بن ماهان على خراسان ، وفي ذلك العام خرج الرشيد إلى أرض الشام ، وأخذ على الموصل ، فلما وافاها أمر بهدم مدينتها ، وقد كانوا وثبوا بعاملة .
* * * وفي ذلك العام وثب أهل خراسان بعاملهم ، فقتلوه ، فأقام بالشام عامه ذلك ، ثم خرج حاجا ، فلما انصرف قصد الأنبار ، فنزل به بمدينة أبي العباس ، وهي من الأنبار على نصف فرسخ ، وقد كان بقي بها جمع عظيم من أبناء أهل خراسان ، توالدوا بها حتى كثروا ، فهم إلى الآن ، فأقام بها شهرا ، ثم توجه منها إلى الرقة[2]فأقام بها شهرا .
وخرج منها غازيا إلى أرض الروم ، فافتتح مدينة من مدنهم ، تسمى ( معصوف ) . ثم انصرف إلى الرقة ، فأقام بها بقية عامه ذلك .
فلما كان أوان الحج ، حج ، فقضى نسكه ، وجعل منصرفه على الرقة ، فأقام بها ، وولى يزيد بن مزيد أرمينية ، ثم قدم من الرقة سنة أربع وثمانين ومائة حتى وافى مدينة السلام ، ونزل قصره بالرصافة[3]، وأخذ عماله بالبقايا ، ثم سار من مدينة السلام في سنة خمس وثمانين ومائة عائدا إلى الرقة ، وقد كان استطابها . فلما كان أوان الحج حج ، فمر بالمدينة ، فأعطاهم ثلاث أعطيات ، وأعطى أهل مكة عطاءين ، ثم انصرف ، فقصد الأنبار ، فأقام بها شهرا ، ثم انصرف إلى مدينة السلام .


[1]سنة 796 م .
[2]مدينة على نهر الفرات كان بها قصران لهشام بن عبد الملك .
[3]محلة بالجانب الشرقي من بغداد ، كان المهدي قد عسكر بها ، فأمره المنصور أن يبني فيها دورا ، فالتحق بها الناس وعمروها ، وفيها قبور جماعة من الخلفاء العباسيين .


صفحه 391


ثم عقد البيعة لابنه القاسم بعد محمد وعبد الله ، وولاه الشام ، فوجه القاسم عليها عماله .
وحج الرشيد سنة ثمان وثمانين ومائة ، وانصرف فنزل الحيرة[1]، فأقام بها أياما ، ثم دخل مدينة السلام .
وفي سنة تسع وثمانين سار إلى الري فأقام بها شهرا ، ثم انصرف نحو مدينة السلام ، فضحى بقصر اللصوص[2]، ثم دخل بغداد ، ولم ينزلها ، ومضى حتى انتهى إلى السالحين[3]، وهي من مدينة السلام على ثلاثة فراسخ ، فبات بها ثم سار عامدا للرقة حتى وافاها ، وأمر عند ممره ببغداد بخشبة جعفر بن يحيى أن تحرق ، وأقام بالرقة بقية ذلك العام .
فلما دخلت سنة تسعين ومائة خرج غازيا لأرض الروم حتى أوغل فيها وانتهى إلى هرقلة[4]، فافتتحها .
* * * وفي ذلك العام خرج رافع بن نصر بن سيار مغاضبا بأرض خراسان ، وكان سبب خروجه أن علي بن عيسى بن ماهان لما ولى خراسان أساء السيرة ، وتحامل على من كان بها من العرب ، وأظهر الجور ، فخرج عليه رافع ، فواقعه وقعات ، ثم انحاز فيمن اتبعه من أهل خراسان ، وكانوا زهاء ثلاثين ألف رجل في سمرقند ، وأقام بمدينتها .
وبلغ ذلك الرشيد ، فعزل علي بن عيسى عنها ، واستعمل عليها هرثمة بن أعين .
ثم انصرف الرشيد قافلا من الروم حتى نزل بمدينة السلام عامه ذلك ، واستخلف ابنه محمدا على دار المملكة ، وخرج عامدا لأرض خراسان ليتولى حرب رافع بنفسه .
ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة وفيها خرجت ( الخرمية )[5]بأرض الجبل


[1]مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على النجف ، وكانت مسكن ملوك العرب في الجاهلية ، النعمان وآباؤه ، وسموها بالحيرة البيضاء لحسنها .
[2]سمى بذلك لأن جيشا من المسلمين نزلوا به ، فسرقت دوابهم .
[3]قرية من نهر عيسى ببغداد ، وهي السيلحين التي بات بها المثنى بن حارثة وصبح ، فأغار على سوق بغداد .
[4]مدينة ببلاد الروم ، قرب صفين فتحها الرشيد وسبى أهلها وقد خربت ، ولم يبق منها آثار عمارة .
[5]طائفة تنسب إلى بابك الخرمي ، وتدين بما تدين الباطنية أولاد المجوس الذين تأولوا آيات القرآن وسنن النبي على موافقة أصواتهم .