بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 64


عليهم رجلا منهم ، يقال له وهرز بن الكامجار ، وكان شيخا كبيرا ، قد أناف على المائة ، وكان من فرسان العجم ، وإبطالها ، ومن أهل البيوتات والشرف ، وكان أخاف السبيل ، فحبسه كسرى .
فسار وهرز بأصحابه إلى الأبلة[1]، فركب منها البحر ، ومعه سيف بن ذي يزن ، حتى خرجوا بساحل عدن ، وبلغ الخبر مسروقا ، فسار إليهم ، فلما التقوا وتواقفوا للحرب أسرع له وهرز بنشابة ، فرماه ، فلم يخطئ بين عينيه ، وخرجت من قفاه ، وخر ميتا ، وانفض جيشه ، ودخل وهرز صنعاء ، وضبط اليمن ، وكتب إلى كسرى بالفتح ، فكتب إليه كسرى ، يأمره بقتل كل أسود باليمن ، وبتمليك سيف عليها ، وبالإقبال إليه ، ففعل . وإن بقايا من السودان قد كان سيف استبقاهم ، وضمهم إلى نفسه ، يجمزون[2]بين يديه إذا ركب ، شدوا على سيف يوما ، وهم بين يديه في موكبه ، فضربوه بحرابهم حتى قتلوه .
( الفرس واليمن ) فرد كسرى وهرز إلى أرض اليمن ، وأمره ألا يدع بها أسود ولا من ضربت فيه السودان إلا قتله ، فأقام بها خمسة أحوال ، فلما أدركه الموت دعا بقوسه ونشابة ، ثم قال : أسندوني ، ثم تناول قوسه ، فرمى ، وقال : انظروا حيث وقعت نشابتي ، فابنوا لي هناك ناووسا ، واجعلوني فيه ، فوقعت نشابته من وراء الكنيسة ، وسمي ذلك المكان إلى اليوم ( مقبرة وهرز ) ، ثم وجه كسرى إلى أرض اليمن بادان ، فلم يزل ملكا عليها إلى أن قام الإسلام .
قالوا : وكان قباذ عندما أفضى إليه الملك حدث السن من أبناء خمس عشرة سنة ، غير أنه كان حسن المعرفة ، ذكي الفؤاد ، رحيب الذراع ، بعيد الغور ، فولى شوخر أمر المملكة ، فاستخف الناس بقباذ ، وتهاونوا به لاستيلاء شوخر


[1]الأبلة : بلدة في زاوية الخليج العربي على شاطئ نهر دجلة .
[2]يعدون .


صفحه 65


على الأمر دونه ، فأغضي قباذ على ذلك خمس سنين من ملكه ، ثم أنف من ذلك ، فكتب إلى سابور الرازي من ولد مهران الأكبر ، وكان عامله على بابل وخطرنية[1]، أن يقدم عليه فيمن معه من الجنود ، فلما قدم أفشى إليه ما في نفسه ، وأمره بقتل شوخر ، فغدا سابور على قباذ ، فوجد شوخر عنده جالسا ، فمشى نحو قباذ مجاوزا لشوخر ، فلم يأبه له شوخر حتى أوهقه سابور ، فوقع الوهق[2]في عنقه ، ثم اجتره حتى أخرجه من المجلس ، فأثقله حديدا ، واستودعه السجن ، ثم أمر به قباذ ، فقتل .
( الديانة المزدكية ) فلما مضى لملك قباذ عشر سنين أتاه رجل من أهل إصطخر ، يقال له مزدك ، فدعاه إلى دين المزدكية ، فمال قباذ إليها ، فغضبت الفرس من ذلك غضبا شديدا ، وهموا بقتل قباذ ، فاعتذر إليهم ، فلم يقبلوا عذره ، وخلعوه من الملك ، وحبسوه في محبس ، ووكلوا به ، وملكوا عليهم جاماسف بن فيروز أخا قباذ .
وإن أخت قباذ اندست لقباذ حتى أخرجته بحيلة ، فمكث أياما مستخفيا إلى أن أمن الطلب ، ثم خرج في خمس نفر من ثقاته ، فيهم زرمهر بن شوخر نحو الهياطلة[3]، يستنصر ملكها ، فأخذ طريق الأهواز ، فانتهى إلى أرمشير ، ثم صار إلى قرية في حد الأهواز وأصبهان ، فنزلها متنكرا ، وكان نزوله عند دهقانها[4]، فنظر قباذ إلى بنت لصاحب منزله ، ذات جمال ، فوقعت بقلبه ، فقال لزرمهر بن شوخر : ( إني قد هويت هذه الجارية ، ووقعت بقلبي ، فانطلق إلى أبيها ، فاخطبها علي ، ففعل .


[1]خطرنية : بلد كانت بأرض بابل
[2]الحبل يرمى في أنشوطة فتؤخذ به الدابة أو الإنسان ، والأنشوطة كأنبوبة : عقدة يسهل انحلالها
[3]هياطلة Houyatila اسم لبلاد ما وراء النهر .
[4]الدهقان بالكسر والضم زعيم فلاحى العجم ورئيس الإقليم ، وهو لفظ معرب .


صفحه 66


فأرسل قباذ إلى الجارية بخاتمه ، وجعل ذلك مهرها ، فهيئت وأدخلت عليه ، فخلا بها قباذ ، وسر بها سرورا شديدا لما ألفاها ذات عقل وجمال وأدب وهيئة ، فأقام عندها ثلاثا ، ثم أمرها بحفظ نفسها ، وخرج سائرا حتى ورد على صاحب الهياطلة ، فشكا إليه صنيع رعيته به ، وسأله أن يمده بجيش ليسترجع ملكه ، فأجابه إلى ذلك ، وشرط عليه أن يسلم له حيز الصغانيان ، ووجه معه ثلاثين ألف رجل .
فأقبل بهم يريد أخاه ، فأخذ على طريقه الذي شخص فيه بديئا حتى نزل القرية التي تزوج فيها بتلك المرأة ، فنزل على أبيها ، وسأله عنها ، فأخبره أنها ولدت غلاما ، فأمر بإدخالها عليه مع ابنها ، فدخلت ومعها الغلام ، فابتهج به ، ورآه كأجمل ما يكون من الغلمان ، فسماه كسرى ، وهو كسرى أنوشروان الذي تولى الملك من بعده ، فقال لزرمهر : ( اخرج ، فسل لي عن هذا الرجل أبي الجارية هل له قديم شرف ؟ ) ، فسأل عنه ، فأخبر انهم من ولد فريدون الملك ، ففرح بذلك قباذ ، وأمر بالجارية وابنها ، فحملا معه .
ولما انتهى إلى مدينة طيسفون تلاومت العجم فيما بينها ، وقالوا : ( إن قباذ تنصل إلينا من شأن مزدك ، ورجع عما كنا اتهمناه ، فلم نقبل ذلك منه ، وظلمناه حقه ، وأسأنا إليه ) ، فخرجوا إليه جميعا ، وفيهم ( جاماسف ) أخوه الذي ملكوه ، فاعتذروا إليه ، فقبل ذلك منهم ، وصفح عن أخيه جاماسف ، وعنهم ، وأقبل فدخل قصر المملكة ، ووصل الجيش الذي أقبل بهم ، وأجازهم ، وأحسن إليهم ، وردهم إلى ملكهم ، وأمر بالجارية ، فأنزلت في أفضل مساكنه .
ثم إن قباذ تجهز وسار في جنوده ، غازيا بلاد الروم ، فافتتح مدينة آمد وميافارقين ، وسبى أهلها ، وأمر فبنيت لهم مدينة فيما بين فارس والأهواز ، فأسكنهم فيها ، وسماها إيرقباذ ، وهي أستان الأعلى ، وجعل لها أربعة طساسيج :
طسوج[1]الأنبار ، وكان منها هيت وعانات[2]، فضمها يزيد بن معاوية حين ملك


[1]الطسوج : هو الناحية .
[2]بلدان بأرض العراق .


صفحه 67


إلى الجزيرة ، وطسوج بادوريا ، وطسوج مسكن ، وكور كورة بهقباذ الأوسط ، وبهقباذ الأسفل ، وضم إليها ثمانية طساسيج ، لكل كورة أربعة طساسيج ، وهي الأستانات[1]، وشق كورة[2]أصبهان كورتين ، شق جى ، وشق التيمرة[3]وكان لقباذ عدة من الأولاد ، لم يكن فيهم آثر عنده من كسرى ، لاجتماع الشرف فيه ، غير أنه كان به ظنة ، أي سيئ الظن ، فلم يكن قباذ يحمده عليها ، فقال له ذات يوم : ( يا بني قد كملت فيك الخصال التي هي جماع أمور الملك ، غير أن بك ظنة ، وأن الظنة في غير موضعها داعية الأوزار ، ومحبطة للأعمال ) فاعتذر كسرى إلى أبيه مما وقع في قلبه من ذلك ، واستصلح نفسه عنده .
( كسرى أنو شروان ) فلما أتى للملك قباذ ثلاث وأربعون سنة حضره الموت ، ففوض الأمر إلى ابنه ، وهو أنوشروان[4]، فملك بعد أبيه ، وأمر بطلب ( مزدك بن مازيار ) الذي زين للناس ركوب المحارم ، فحرض بذلك السفل على ارتكاب السيئات ، وسهل للغصبة الغصب ، وللظلمة الظلم ، فطلب حتى وجد ، فأمر بقتله وصلبه ، وقتل من كان في ملته .
ثم قسم كسرى أنوشروان المملكة أربعة أرباع ، وولى كل ربع رجلا من ثقاته ، فأحد الأرباع : خراسان ، وسجستان ، وكرمان ، والثاني : أصبهان ، وقم ، والجبل ، وآذربيجان ، وأرمينية ، والثالث : فارس ، والأهواز إلى البحرين ، والرابع : العراق إلى حد مملكة الروم . وبلغ كل رجل من هؤلاء الأربعة غاية الشرف والكرامة .


[1]جمع أستان وهو أربع الكور .
[2]الكورة : هي المدينة الكبيرة أو الصقع .
[3]جى وتيمرة قريتان بأصبهان .
[4]Nouschirwan


صفحه 68


ووجه الجيوش إلى بلاد الهياطلة ، وافتتح تخارستان وزابلستان[1]، وكابلستان والصغانيان .
وإن ملك الترك سنجبو خاقان جمع إليه أهل المملكة ، واستعد ، وسار نحو أرض خراسان حتى غلبا على الشاش[2]، وفرغانة ، وسمرقند ، وكش[3]ونسف[4]، وانتهى إلى بخارى . وبلغ ذلك كسرى ، فعقد لابنه هرمز ، الذي ملك من بعده ، على جيش كثيف ، ووجهه لمحاربة خاقان التركي ، فسار حتى إذا قرب منه خلى ما كان غلب عليه ، ولحق ببلاده ، فكتب كسرى إلى ابنه هرمز بالانصراف .
( دولتا الفرس والروم في عهد كسرى ) قالوا : وإن خالد بن جبلة الغساني غزا النعمان بن المنذر ، وهو المنذر الأخير ، وكانا منذرين ، ونعمانين ، فالمنذر الأول هو الذي قام بأمر بهرام جور ، والمنذر الثاني الذي كان في زمان كسرى أنوشروان ، وكانوا عمال كسرى على تخوم أرض العرب ، فقتل من أصحاب المنذر مقتلة عظيمة ، واستاق إبل المنذر وخيله ، فكتب المنذر إلى كسرى أنوشروان يخبره بما ارتكب منه خالد بن جبلة .
فكتب كسرى إلى قيصر : أن يأمر خالدا بإقادة المنذر و ( من )[5]قتل من أصحابه ، ورد ما أخذ من أمواله ، فلم يحفل قيصر بكتابة ، فتجهز كسرى لمحاربته ، فسار حتى أوغل في بلاد الجزيرة ، وكانت إذ ذاك في يد الروم ، فاحتوى على مدينة


[1]زابلستان : خطة واقعة جنوب أفغانستان وشمال بلوجستان ، وكانت محاطة بكابلستان وخراسان وسيستان وسند ، ومن مدنها غزنة ، وهي إقليم جميل كثير المياه ، وأهله مشهورون بالشجاعة .
[2]مدينة بالقرب من فرغانة ، وتقع على مجرى نهر سيحون .
[3]قرية على ثلاثة فراسخ من جرجان ، تقع على جبل ، وهي مسقط رأس تيمورلنك .
[4]نسف : مدينة كبيرة بين جيحون وسمر قند ، لها أربعة أبواب ، وهي على مدرج بخارى ، وبلخ ، والجبال منها على مرحلتين فيما يلي كش ، وبينها وبين جيحون مفازة لا جبل فيها ، ولها نهر واحد يجرى في وسط المدينة .
[5]في الأصل : ما .


صفحه 69


دارا[1]ومدينة الرها[2]ومدينة قنسرين[3]ومدينة منبج ( 4 ) ومدينة حلب حتى انتهى إلى أنطاكية ، فأخذها ، وكانت أعظم مدينة في الشام والجزيرة ، وسبى أهل أنطاكية ، وحملهم إلى العراق ، وأمر ، فبنيت لهم مدينة إلى جانب طيسفون ، على بناء مدينة أنطاكية ، بأزقتها ، وشوارعها ، ودورها ، لا يغادر منها شيئا ، وسماها ( زبر خسرو ) وهي المدينة التي إلى جانب المدائن ، تسمى الرومية ، ثم سرحوا فيها ، فانطلق كل إنسان منها إلى مثل داره بمدينة أنطاكية ، وولي القيام بأمرهم رجلا من نصارى الأهواز ، يقال له يزدفنا .
وإن قيصر كتب إلى كسرى يسأله الصلح ، ورد ما احتوى عليه من هذه المدن ، على أن يؤدي إليه ضريبة موظفة عليه في كل عام وكره كسرى البغي ، فأجابه إلى ما بذل ، ووكل بقبضه وتوجيهه إليه في كل عام شروين الدستباى ، فأقام مع ملك الروم هناك ومعه ( خزين ) مملوكه المشهور الخبر ، وكان نجدا فارسا بطلا .
ولما قفل كسرى منصرفا من أرض الشام أصابه مرض شديد ، فمال إلى مدينة حمص ، فأقام بها في جنوده إلى أن تماثل ، فكان قيصر يحمل إليه كفاية عسكره إلى أن شخص .
قالوا : وكان لكسرى أنوشروان ابن يسمى أنوش زاذ ، كانت أمه نصرانية ، ذات جمال ، وكان كسرى معجبا بها ، وأرادها على ترك النصرانية ولدخول


[1]كان موقعها في أرض الجزيرة بين نصيبين وماردين ، ويقال إنها بنيت بعد غلبة دارا على الإسكندر ، وقد فتحها الروم واتخذها مركزا هاما ضد الإيران ، ويذكر ابن بطوطة في رحلته ( أنه رآها ، وهي تحوي منازل بيضاء وبها قلعة ) ويوجد بجوار خرابها وآثارها اليوم قرية صغيرة .
[2]مدينة ذات مياه جارية كثيرة ، تقع على بعد 190 ك . م شمال شرقي حلب ، 145 ك . م جنوب غرب ديار بكر .
[3]مدينة قديمة على بعد 25 ك . م جنوب غربي الشام ، وقد فتحت على يد أبى عبيدة الجراح سنة 17 ه‌ ، وخربت أيام سيف الدولة بن الحمدان في القرآن الرابع . ( 3 ) مدينة في الإقليم الشمالي ( سوريا ) شمال شرقي حلب ، حكمها الشاعر أبو فراس الحمداني ، وفيها أسرة الروم .


صفحه 70


في المجوسية ، فأبت ، فورث ذلك منها ابنها أنوش زاذ وخالف أباه في الديانة ، فغضب عليه ، وأمر بحبسه في مدينة جنديسابور .
فلما غزا كسرى بلاد الشام بلغ أنوش زاذ مرضه ومقامه بحمص ، استغوى أهل الحبس ، وبث رسله في نصارى جنديسابور ، وسائر كور الأهواز ، وكسر السجن ، وخرج ، واجتمع إليه أولئك النصارى ، فطرد عمال أبيه من كور الأهواز ، واحتوى على الأموال ، وأشاع بموت أبيه ، وتهيأ للمسير نحو العراق .
وكتب خليفته بمدينة طيسفون يعلمه خبر ابنه ، وما خرج إليه ، فكتب إليه كسرى : ( وجه إليه الجنود ، وأكمش في حربه ، واحتل لأخذه ، فإن يأت القضاء عليه ، فيقتل ، فأهون دم ، وأضيع نفس ، واللبيب يعلم أن الدنيا لا يخلص صفوها ، ولا يدوم عفوها ، ولو كان شئ يسلم من شائبة إذن لكان الغيث الذي يحيي الأرض الميتة ، ولكان النهار الذي يأتي الناس رقودا فيبعهم ، وعميا فيضئ لهم ، فكم مع ذلك من متأذ بالغيث ومتداع عليه من البنيان ، وكم في سيوله وبروقه من هالك ، وكم في هواجر النهار من ضرر وفساد ، فاستأصل الثؤلول[1]الذي نجم بحدك ، ولا يهولنك كثرة القوم ، فليست لهم شوكة تبقى ، وكيف تبقى النصارى وفي دينهم : أن الرجل منهم إن لطم خده الأيسر أمكن من الأيمن ؟ ! ، فإن استسلم أنوش زاذ وأصحابه فرد من كان منهم في المحابس إلى محابسهم ، ولا تزدهم على ما كانوا فيه من ضيق ونقص المطعم والملبس ، ومن كان منهم من الأساورة[2]فاضرب عنقه ، ولا يكن منك عليهم رأفة ، ومن كان منهم من سفل الناس وأوغادهم ، فخل سبيلهم ، ولا تعرض لهم ، وقد فهمت ما ذكرت مما كان منك في نكال القوم الذين أظهروا شتم أنوش زاذ ، وذكروا أمه ، فاعلم أن أولئك ذوو أحقاد كامنة وعداوة باطنة ، فجعلوا شتم


[1]الثؤلول بالضم : حملة الثدي ، وقد استعير للدلالة على ضآلة الشأن وصغر الهمة .
[2]القادة والرماة .


صفحه 71


أنوش زاذ ذريعة لشتمنا ، ومرقاة إلى ذكرنا ، وقد وفقت في تأديبك إياهم ، فلا ترخص لأحد في مثل مقالتهم ، والسلام ) . ثم إن كسرى عوفي من مرضه ، فانصرف في جنوده إلى دار ملكه ، وقد أخذ ابنه أنوش زاذ أسير ، وانتهى فيه إلى ما أمر به .
( الخراج في عهد كسرى ) قالوا : وكانت ملوك الأعاجم يضعون على غلات الأرضين شيئا معروفا من المقاسمات : النصف ، والثلث ، والربع ، والخمس إلى العشر ، على قدر قرب الضياع من المدن ، وعلى حسب الزكاء والريع ، فهم قباذ بإسقاط ذلك ، ووضع الخراج ، فمات قبل أن يستتم المساحة ، فأمر كسرى أنوشروان باستتمامها .
فلما فرغ منها أمر الكتاب ففصلوها ، ووضعوا عليها الوضائع ، ووظف الجزية على أربع طبقات ، وأسقطها عن أهل البيوتات والمرازبة[1]والأساورة[2]والكتاب ، ومن كان في خدمة الملك ، ولم يلزم أحدا لم يأت له عشرون سنة ، أو جاز الخمسين . وكتب تلك الوضائع في ثلاث نسخ ، نسخة خلدها ديوانه ، ونسخة بعث بها إلى ديوان الخراج ، ونسخة دفعت إلى القضاء في الكور ، ليمنعوا العمال من اعتداء ما في الدستور الذي عندهم ، وأمر أن يجبي الخراج في ثلاثة أنجم ، وسمي الدار التي يجبى فيها ذلك ( سراي شمرة ) ، وتفسيره دار الثلاثة الأنجم ، وهي التي تعرف بالشمرج اليوم ، وقد قيل في تفسير ذلك غير هذا ، أي إنما هي دار الحساب ، والحساب شمرة ، وهذا كلام معروف في لغة فارس إلى اليوم ، يسمون الخراج الشمرة بالشين على معنى الحساب ، ورفع خراج الرؤوس عن الفقراء وألزمني ، وكذلك خراج الغلات ، ورفعه عما نالته


[1]رؤساء الفرس .
[2]قواد الفرس ومجيدو الرمي بالسهام . ( 3 ) أوقات مضروبة ، والمفرد نجم .