بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 84


فارتاب الرجل بذلك ، فلما تغيب عن يزدان جشنس ، وفك الكتاب ، وقرأه فإذا فيه حتفه ، فرجع إلى يزدان جشنس ، وهو مستخل ، فضربه حتى قتله ، وأخذ رأسه ، فانطلق به إلى بهرام ، وهو بالري ، فألقاه بين يديه ، وقال : هذا رأس عدوك يزدان جشنس الذي وشى بك إلى الملك ، وأفسد قلبه عليك ، فقال له بهرام : ( يا فاسق ، أقتلت يزدان جشنس في شرفه وفضله ، وقد كان خرج نحوي ليعتذر إلى مما كان منه ، ويصلح بيني وبين الملك ؟ .
ثم أمر به ، فضربت عنقه .
وبلغ من بباب الملك من العظماء والأشراف والمرازبة مقتل يزدان جشنس ، وكان عظيما فيهم ، فمشى بعضهم إلى بعض ، وعزموا على خلع الملك ، وتمليك ابنه كسرى ، وكان الذي زين لهم ذلك ، وحملهم عليه ( بندوية وبسطام ) خالا كسرى . وكانا محتبسين ، فأرسلا إلى العظماء ، أن أريحوا أنفسكم من ابن التركية ، يعنيان الملك هرمزد ، وقد قتل خيارنا ، وأباد سراتنا ، وذلك أنه كان مولعا بالعلية من أجل استطالتهم على أهل الضعف ، فقتل منهم خلقا كثيرا ، فاتفقوا على يوم يجتمعون فيه لذلك ، فأقبلوا جميعا حتى أخرجوا بندويه وبسطاما من الحبس ، وجميع من كان فيه .
( تولية كسرى أبرويز ) ثم أقبلوا إلى الملك هرمزد فنكسوه عن سريره ، وأخذوا تاجه ومنطقته وسيفه وقباءه ، فأرسلوا بها إلى كسرى ، وهو بآذربيجان .
فلما انتهى ذلك إليه سار مقبلا حتى ورد المدائن ، ودخل الإيوان ، واجتمع إليه العظماء ، فقام فيهم خطيبا ، فكان مما قال : المقادير ترى المرء ما لا يخطر بباله ، والأسباب تأتي على خلاف الهوى ، والبغي مصرعة لأهله ، والخائب من أورطته رغبته ، والحازم من قنع بما قضى له ولم تتق نفسه إلى أكثر منه . أيها الناس : ثابروا على ما يقربكم إلينا من طاعتنا ومناصحتنا ، وإياكم


صفحه 85


ومخالفة أمرنا ، والبغي علينا ، فإنا لكم بمنزلة العرى والأركان .
فلما تفرق الناس عنه قام يمشي حتى دخل على أبيه ، وهو في بيت من بيوت القصر ، فقبل يديه ورجليه ، وقال : ( يا أبت ، ما أحببت هذا الأمر في حياتك ، ولا أردته ، ولو لم أقبله لصرف منا ، وأزيل عنا إلى غيرنا ) .
فقال له أبوه : ( صدقت وقد قبلت عذرك ، فدونك الأمر ، فقم به ، وقد عرضت لي إليك حاجة ) .
قال : ( يا أبت ، وما عسى أن يعرض لك إلي ؟ ) .
قال : ( تنظر الذين تولوا نكسى عن السرير ، وأخذوا التاج عن رأسي ، واستخفوا بي ، وهم فلان وفلان ، وسماهم ، فعجل قتلهم ، واطلب لأبيك بثأره منهم .
قال كسرى : ( هذا لا يمكن يومنا هذا حتى يقتل الله عدونا بهرام ، ويستدف[1]لنا الأمر ، فتنظر عند ذلك كيف أبيرهم[2]وأنتقم لك منهم ) .
فرضي أبوه بذلك منه ، وخرج كسرى من عنده ، فجلس مجلس الملك .
وبلغ بهرام ما جرى ، وهو بالري ، وما كان من الأمر ، فغضب لهرمزد غضبا شديدا ، وأدركته له حمية ورقة ، وذهب عنه الحقد ، فسار في جنوده جادا مجدا ليقتل كسرى ومن والاه على أمره ، ويرد هرمزد إلى ملكه .
وبلغ كسرى فصوله من الري ، وما يهم به ، فكتم ذلك عن أبيه ، وسار ملتقيا لبهرام في جنوده ، وقدم رجلا من ثقاته ، وأمره أن يأتي عسكر بهرام متنكرا ، فينظر سيرته ، ويعرف له كنه أمره .
فسار الرجل ، فاستقبل بهرام بهمذان ، فأقام في عسكره حتى عرف جميع أمره ، ثم انصرف إلى كسرى ، فأخبره : أن بهرام إذا سار كان عن يمينه مردان سينه الرويدشتي ، وعن يساره يزدجشنس بن الحلبان ، وأن أحدا


[1]يستدف = يستقيم .
[2]أبيرهم - أهلكهم .


صفحه 86


من جنوده لا يطمع نفسه في اغتصاب أحد من الرعية مقدار حبة فما فوقها ، وإنه إذا نزل المنزل دعا بكتاب كليلة ودمنة ، فلا يزال منكبا عليه طول نهاره .
فقال كسرى لخاليه بندوية وبسطام : ( ما خفت بهرام قط كخوفي منه الساعة ، حين أخبرت بإدمانه النظر في كتاب كليلة ودمنة ، لأن كتاب كليلة ودمنة يفتح للمرء رأيا أفضل من رأيه ، وحزما أكثر من حزمه ، لما فيه من الآداب والفطن .
وأن كسرى وبهرام توقفا بالنهروان ، فعسكر كل منهما بأصحابه في ناحية ، وخندق على نفسه ، ثم إن بهرام عقد جسرا ، وعبر إلى كسرى ، فلما تواقف الجمعان بدر بهرام حتى دنا من صفوف كسرى ، ثم صاح بأعلى صوته ( تبا لكم يا معشر العجم ، في خلعكم ملككم ، أيها الناس : توبوا إلى ربكم مما فعلتم ، وانحازوا إلي بجماعتكم حتى نرد السلطان على ملككم قبل أن ينزل الله نقمته عليكم ) .
فلما سمع أصحاب كسرى ذلك قال بعضهم لبعض ( قد والله صدق بهرام ، وأن الأمر لعلى ما قال ، فهلموا بنا نتلاف أمرنا ، ونصلح ما كان منا بإجابة بهرام إلى ما رأى ) . وانحازوا جميعا ، فانضموا إلى بهرام ، ولم يبق مع كسرى إلا خالاه ، بندوية وبسطام ، وهرمزد جرابزين ، والنخارجان ، وسابور بن أبركان ، ويزدك كاتب الجند ، وباد بن فيروز ، وشروين بن كامجار ، وكردي بن بهرام جشنس أخو بهرام شوبين لأبيه وأمه ، وكان من ثقات كسرى وأحبائه .
فقال[1]هؤلاء لكسرى : ( أيها الملك ، ما تفعل ؟ ألا ترى إلى جميع الناس قد فارقوك ، وانحازوا إلى عدوك ) . فمضى نحو المدائن حتى إذا انتهى إلى قنطرة ( جوذرز ) التفت وراءه ، فإذا هو ببهرام وحده ، قد ترك الناس خلفه حتى


[1]في الأصل : فقالوا .


صفحه 87


دنا منه ومن أصحابه ، فوقف له كسرى على طرف القنطرة ، ووتر قوسه ، وكان من رماة الناس ، فوضع فيها نشابة ، وخاف أن يعمد برميته بهرام ، فلا يعمل السهم فيه لجودة درعه ، فأراد أن يعمد وجهه ، فلم يأمن أن يتترس بدرقته[1]أو يميل وجهه عن سهمه ، فرمى جبهة فرسه ، فلم يخطئ وسط جبهته ، واستدار الفرس من شدة الرمية ، ثم سقط .
وبقي بهرام راجلا ، فأمعن كسرى ركضا حتى دخل المدائن ، وأتى أباه ، ولم يعلمه أن بهرام إنما يحاول رد الملك إليه غير أنه قال له : ( إن أصحابي جميعا مالوا إليه ثم قال ( ما الذي ترى ؟ ) قال ( أرى لك أن تلحق بقيصر ، فإنه سينجدك ، وينصرك حتى يسترجع لك ملكك ) . فقبل كسرى يدي أبيه ورجليه ، وودعه ، وسار نحو البحر في أصحابه ، وكانوا تسعة ، هو عاشرهم ، فقال بعضهم لبعض : ( إن بهرام يوافي المدائن اليوم أو غدا ، فيملك هرمزد ، فيكون ملكا كما لم يزل ، ثم يكتب هرمزد إلى قيصر ، فيردنا إليه ، فيقتلنا جميعا ، وليس كسرى بملك ما دام أبوه حيا ) . فقال بندونيه وبسطام خالا كسرى ( نحن نكفيكم ذلك ) . فانصرفا على المقبض ، ثم أقبلا حتى دخلا قصر المملكة ، وولجا على هرمزد البيت الذي كان فيه ، وقد شغل الحشم بالبكاء والعويل ، لهرب كسرى من عدوه ، فألقيا عمامة في عنقه ، فخنقاه حتى مات .
ثم لحقا بكسرى ، ولم يخبراه بذلك ، وساروا بالركض الشديد يومهم ، مخافة الطلب ، ومن الغد حتى شارفوا مدينة هيت[2]، وانتهوا إلى دير رهبان ، فنزلوه ، فأتوهم بخبز شعير ، فبلوه بالماء ، وأكلوه ، وأتوهم بخل ، فمزجوه بماء ، وشربوا منه ، واتكأ كسرى على خاله بسطام ، فنام لشدة ما أصابه من التعب ، فبينا هم كذلك إذ ناداهم الراهب من صومعته : أيها النفر ، قد أتتكم الخيل ، وهم بالبعد .


[1]الدرقة معدب دريجة ، والدرق بالفتح الصلب من كل شئ ، . الدرقة كالدرع يتخذها المحارب ليحمي نفسه من النشابة والسهام .
[2]بلدة على الفرات ، فوق الأنبار على جهة البرية وقد سميت باسم بانيها .


صفحه 88


وقد كان بهرام ، حين وافى المدائن ، فصادف هرمزد الملك قتيلا ، ازداد غيظا على كسرى وحنقا ، فوجه بهرام بن سياوشان في ألف فارس على الخيل العتاق . فلما نظر كسرى وأصحابه إلى الخيل سقط في أيديهم ، وأيسوا من أنفسهم ، فقال بندوية لكسرى : أنا أخلصك بحيلتي ، غير أني أغرر بنفسي .
قال له كسرى : يا خال ، إنك إن وقيتني بنفسك سلمت أو قتلت ، فكفاك بذلك ذكرا باقيا وشرفا عاليا ، فقد خاطر أرسناس بنفسه في أمر منوشهر ، وأتى فراسياب ملك الأتراك ، وهو في وسط جنوده ، فرماه بسهم فقتله ، وأراح زاب الملك منه ، فأصاب بثأر منوشهر ، فقتل ، فبعد صيته في الناس ، وعظم ذكره ، وقد خاطر جوذرز بنفسه بسبب سابور ذي الأكتاف حين قام بتدبير ملكه ، وضبط سلطانه ، فحسده الناس لذلك ، فلما أدرك سابور ملكه على جميع أموره ، وفوض إليه سلطانه .
قال له بندويه ( قم ، فألق عنك قباءك ، ومنطقتك ، وحل عنك سيفك ، وضع تاجك ، واركب في سائر أصحابك ، فتبطنوا هذا الوادي ، فأغذوا فيه السير ، ودعوني والقوم ) . ففعل كسرى ما أمره ، وتبطن الوادي ، وسار في بقية أصحابه ، وعمد بندوية إلى قباء كسرى فلبسه ، وتنطق بمنطقته ، ووضع التاج على رأسه . ثم قال للرهبان ( عليكم بالجبل ، فألحقوا به إلى أن ينصرف هذا الخيل ، وإلا لم آمن أن يقتلوكم .
عن آخركم ) . فتركوا الصومعة جميعا ، وخرجوا عن الدير .
وصعد بندويه ، فصار على سطح الدير ، وقد أغلق عليه الباب ، وهو لابس بزة كسرى ، فقام على رجليه قائما ، حتى علم أن القوم قد رأوه جميعا ، ثم نزل إلى الدير ، فخلع بزة كسرى ، ولبس بزة نفسه ، ثم عاد إلى سطح الدير ، وقد حدقت به الخيل ، فقال ( يا قوم ، من أميركم ؟ ) فأتى بهرام بن سياوشيان وقال ( أنا أميرهم ، ما تشاء يا بندوية ؟ )


صفحه 89


قال : إن الملك يقرئك السلام ، ويقول ، إنا إنما نزلنا آنفا[1]، وقد كللنا ، وتعبنا ، وليس عليك منا فوت ، فدعنا على حالنا في هذا الدير إلى العشاء ، لنخرج إليك ، وننطلق معك إلى بهرام ، فيحكم فينا بما يرى .
قال بهرام بن سياوشان ( ذلك له ، وعزازه ) .
ثم نزل بندويه ، والقوم محدقون بالدير ، فلما أمسوا عاد بندويه إلى سطح الدير ، وقال لبهرام بن سياوشان : ( إن الملك يقول لك : هذا المساء ، وليست لنا أجنحة نطير بها ، وقد حدقتم بالدير ، فدعنا ليلتنا هذه لنستريح ، وامتن علينا بذلك ، فإذا أصبحنا خرجنا إليك ، ومضينا معك .
قال بهرام ( وذلك له ، وحبا وكرامة ) . ثم أمر أصحابه أن يكونوا فرقتين ، فرقة تنام ، وأخرى تحرس نوائب .
فلما أصبح بندويه فتح الباب وخرج إلى القوم وقال : ( إن كسرى قد فارقني لمنذ أمس ، هذا الوقت ، ولو كنتم على نجائب كالريح ما لحقتموه ، وإنما كان ما سمعتم مني مكيدة وحيلة . فلم يصدقوه ، ودخلوا الدير ، ففتشوه بيتا بيتا ، فسقط في يد بهرام بن سياوشان ، ولم يدر ما يعتذر به إلى بهرام شوبين . فحمل بندوية ، وانصرف حتى دخل على بهرام شوبين ، وأخبره بالحيلة التي احتالها بندوية ، فدعا به بهرام ، وقال : ( لم ترض بما كان منك من قتل الملك هرمزد ، حتى خلصت الفاسق كسرى ، فنجا مني ؟
قال بندوية ( أما قتلي هرمزد فلست أعتذر منه ، إذ طغى وبغى ، وقتل صناديد العجم ، وألقى بأسهم بينهم ، وفرق كلمتهم ، وأما حيلتي في تخليص ابن أختي كسرى فلا لوم علي في ذلك ، إذ كان ولدي .
قال بهرام : ( أما إنه ليس يمنعني من تعجيل قتلك إلا ما أرجو من ظفري بالفاسق كسرى ، فأقتله ، وأقتلك على أثره ، ثم قال لبهرام بن سياوشان ( احبسه عندك مقيدا إلى أن أدعوك به ) .


[1]أي منذ ساعة .


صفحه 90


ثم إن بهرام جمع إليه وجوه المملكة ، فقال : ( قد علمتم ما ارتكب كسرى من الوزر العظيم بقتل أبيه ، وقد مضى هاربا ، فهل ترضون أن أقوم بتدبير هذا الملك حتى يدرك شهريار بن هرمزد مدرك الرجال ، فأسلمه إليه ) . فرضي بذلك فريق ، وأباه فريق . فممن أبي موسيل الأرمني ، وكان من عظماء المرازبة ، وقال لبهرام :
( أيها ( الإسبهبد )[1]، ليس لك أن تقوم بشئ من ذلك ، وكسرى صاحب الملك ووراثه في الأحياء ) ، فقال بهرام : من لم يرض فليرتحل عن المدائن ، فإني إن صادفت بعد ثالثة أحدا ممن لم يرض ثاويا بالمدائن ضربت عنقه .
فارتحل موسيل الأرمني فيمن كان على رأيه ، وكانوا زهاء عشرين ألف رجل ، فساروا إلى آذربيجان ، فنزلوها ينتظرون قدوم كسرى من الروم ، ولم يزل بندوية محتبسا عند بهرام بن سياوشان ، فكان بهرام بن سياوشان يحسن إليه في المطعم والمشرب ليتخذ بذلك زلفة عنده ، لما ظن أن كسرى سينصرف ، ويرجع إليه الملك ، وكان إذا جن عليه الليل أخرجه من محبسه ، فأجلسه معه على شرابه ، فقال بندوية ذات ليلة لبهرام : يا بهرام ، إن ما أنتم فيه سيضمحل ، ويذهب لظلم بهرام شوبين واعتدائه . فقال بهرام : والله لأعرف ما تقول ، وإني لأهم بأمر . قال بندوية : وما هو ؟ قال : ( أقتل غدا بهرام شوبين ، وأريح الناس منه ، ليرجع الملك إلى نظامه وعنصره ) قال بندوية :
أما إذ كان رأيك ، فأطلقني من قيدي ، ورد على دابتي وسلاحي ) ، ففعل .
ولما أصبح بهرام بن سياوشان تدرع تحت ثيابه درعا ، واشتمل على السيف ، فأبصرت ذلك امرأته ، وكانت بنت أخت بهرام شوبين ، فاسترابت به ، وبعثت إلى بهرام تعلمه ذلك .
وابتكر بهرام إلى الميدان ، فكان لا يمر به أحد من أصحابه إلا ضرب جنبه بالصولجان ، فلم يسمع حس[2]الدرع من أحد منهم ، حتى مر به بهرام


[1]كلمة فارسية lspehbed معناها قائد ، وفى الأصل إصبهبذ ، وهي تحريف ، فإصبهبذ مدينة في بلاد الدير .
[2]الحسن بالكسر : الحركة والصوت .


صفحه 91


ابن سياوشان فضرب جنبه بالصولجان ، فلما سمع حس الدرع استل سيفه وضربه حتى قتله .
وتنادى الناس : قتل بهرام في الميدان ، فظن بندوية أن بهرام شوبين المقتول ، فركب دابته ، ومضى نحو الميدان ، فلما علم أن المقتول صاحبه خرج متنكرا ، يسير الليل ، ويكمن النهار ، حتى أتى آذربيجان ، فأقام مع موسيل وأصحابه هناك .
ولما سار كسرى من الدير سار يوما وليلة ، وتلقاهم أعرابي ، فوقفوا عليه ، فسأله كسرى ، وكان يحسن بالعربية شيئا ، من هو ؟ فأخبر أنه من طيئ ، وأن اسمه إياس بن قبيصة ، فقال له : ( أين الحي ؟ ) ، فقال : ( قريب ) ، قال : ( فهل من قرى ، فقد بلغ منا الجوع ؟ ) ، قال : ( نعم ) ، فعدلوا معه إلى الحي ، فنزلوا به ، وسرحوا خيلهم ترتع ، وأقاموا عنده يومهم ، فأحسن قراهم ، وزودهم ، وخرج بهم حين أمسوا يدلهم الطريق ، حتى أخرجهم لثلاث بيالس[1]من شاطئ الفرات . ثم انصرف .
وسار كسرى حتى انتهى إلى اليرموك ، فخرج إليه خالد بن جبلة الغساني ، فقرأه ، ووجه معه خيلا حتى بلغ قيصر ، فدخل عليه ، وأبثه شأنه ، وما توجه له ، فوجده بحيث أمل من نصره ، ومعونته .
فقال له بطارقته : ( أيها الملك قد علمت ما لقي من كان قبلك من آبائك من هؤلاء ، منذ زمان الإسكندر ، وكان آخر ما لقينا منهم اغتصاب جد هذا إيانا مدن الشام التي لم تزل في أيدينا إرثا من آبائنا منذ ألف عام ، فردها عليك أبو هذا حين أجلبت بخيلك ورجلك ، فدع القوم يشتغل بعضهم ببعض ، فإن حرب العدو بعضهم بعضا فتح عظيم ) . فقال قيصر لعظيم الأساقفة : ما تقول أنت يا كبيرنا ؟ ) . فقال : ( لا يحل لك خذلانه ، إذ كان مبغيا عليه ، والرأي أن تنصره ، ليكون لك سلما ما بقيت وبقي ) .


[1]مراحل السفر .