بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 108

الله عليه السلام قال: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان»([132]).

ولعل سير السائرين إلى الحسين عليه السلام وتحملهم لكل هذه الكليومترات الطويلة مشياً على الأقدام مع صعوبة الظروف المناخية بل وحتى الأمنية ليعطينا قدرة عن مدى الصبر والتحمل الذي تخلقه مثل هذه الشعيرة المقدسة في نفوس العاملين والمتمسكين بها.

فهناك صبر على شهوة القلب والمعصية وهناك صبر على الغضب وهناك صبر على أقدار هذه الدنيا ومصائبها لاسيما وهم يسيرون في طريق تكثر المخاطر فيه من قبل أعداء الله والشريعة.

وكفى الصابرين فضلاً وشرفاً دون الآخرين أنهم الذين تنزل عليهم صلوات الله عند المصائب والشدائد المهتدون إلى طريق الحق والثابتون عليه: {... وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ}([133]).

3ـ تفريغ الهموم والغموم

كلنا يعيش هموماً ومشاكلَ في حياته، قد تزداد مرة وتقلُّ أخرى، وقد تبقى مع الإنسان لفترة وجيزة من الزمن ثم تزول وقد تستمر لفترات طويلة من الزمن.

[132]أصول الكافي للكليني: 88.

[133]البقرة/ 155 - 157.


صفحه 109

وقد أشار العلماء إلى أن واحدة من أنجح الطرق للتخلص من هذه الهموم والمشاكل هو تفريغ مثل هذه الشحنات السالبة التي يحملها الإنسان من خلال السفر والذهاب إلى خارج البيت والبلد، حيث إن واحداً من آثار السفر التي يتركها في الإنسان هو تفريج همه وكربه.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام في ديوانه الذي ينسب إليه:

تغرب عن الأوطان في طلب العلى
تفرج همٍ واكتساب معيشة وعلم
فإن قيل: في الأسفار ذل ومحنة
فموت الفتى خير له من معاشه

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
وآداب وصحبة ماجد
وقطع الفيافي وارتكاب الشدائدِ
بدار هوان بين واشٍ وحاسد([134])

وكما ترى وتقرأ فإن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قد عدَّ أول أثر من آثار السفر هو تفريج الهموم والأحزان.

ولا شك أن المشي إلى زيارة الحسين عليه السلام لاسيما في يوم الأربعين مع الملايين الذين يمشون مع الإنسان هي من مصاديق السفر في طلب العُلى عند الله عز وجل ورسوله الكريم والأئمة الطاهرين.

وما أن يشعر الزائر أنه قد أقترب من كربلاء ولاحت له أعلامها وقبابها السامية حتى تزول عنه الهموم والأكدار بإذن الله تعالى وتتفرغ عنه كل الشحنات السالبة التي كان يحملها - كما يقول العلماء - فلا يجد نفسه إلا

[134]جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي: 16 / 371.


صفحه 110

وهي نظيفة طاهرة نقية تسبح في رحمات ربها وفضله ورضوانه، وكم من الناس من ذهبوا وهم يحملون هموم الدنيا وعظائم مصائبها، فرجعوا وقد زالت كل تلك الهموم والمصائب.

وهذه ميزة الحسين عليه السلام عمن سواه حيث استجابة الدعاء تحت قبته الشريفة المباركة، يقول الإمام الباقر عليه السلام: «إن الله تعالى عوّض الحسين عليه السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذريته والشفاء في تربته وإجابة الدعاء عند قبره ولا تُعد أيام زائريه جائياً وراجعاً من عمره»([135]).

4ـ العلاج برياضة المشي

جاء في مجلة (أسرتي) العدد الصادر في أبريل/2008 تقريراً مهماً حول المشي وأثره في علاج الكثير من الأمراض تحت هذا العنوان ( المشي.. التدريب المثالي والمتعة المجانية): «المشي هو التدريب المثالي للتحكم في الوزن، فالمشي لا يحرق 3500 سعرة حرارية في الساعة فقط، ولكنه يكبح الشهية عن طريق تنظيم مركز المخ المسؤول عن الجوع... يرفع المشي أيضاً مستوى الاندروفينات وهي المواد الكيماوية المسؤولة عن الإحساس بالسعادة في أجسامنا والتي تعمل كمضاد طبيعي للاكتئاب وتساعد على التخلص من الضغوط والتوتر، والأهم من ذلك أن المشي يساعد على تخفيف ضغط الدم المرتفع وتخفيض الكوليسترول وتحسين لياقتك البدنية.

[135]الأمالي للشيخ الطوسي: 317.


صفحه 111

وطبقاً لما يقوله د. فريد ستوتمان (صاحب لقب أبو ثورة المشي) وقد تم تكريمه بلقب د. مشي) فإن المشي بانتظام يقلل من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتات ويقلل الشهية ويتحكم في الوزن ويضبط العضلات ويبني العظام ويخلص الجسم من التوتر والضغوط، ويؤخر بعض أشكال السرطان والتهاب العظام....

إن المشي هو ملجأ ومفر رائع حيث يمكنك الهروب من المكالمات الهاتفية ومن العمل أو من البيت لفترة قليلة... ويمكنك المشي للتكفير في حل لمشكلة أو تمشي لتنسى مشكلة، فالمشي يعمل كمسكن ومهدئ ليساعدنا على الاستخراء...»([136]).

ومن الملفت للنظر أن أفضل أنواع المشي هو المشي الذي تكون خطواته متقاربة ومتسارعة في نفس الوقت.

وهو عين ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرواية عن جابر حيث قال: «شكا ناس إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من التعب فدعا لهم وقال: عليكم بالنسلان([137]) فانتسلنا فوجدناه أخف علينا»([138]).

ناهيك عن آثار المشي على نفسية الإنسان وفكره وتأملاته، فها هو القرآن الكريم يدعونا إلى أن نمشي في الأرض ونتدبر ونتأمل ونتفكر وننظر

[136]تقرير تحت عنوان (المشي للفوز ثورة اللياقة البدنية) ملاك نصر / مجلة أسرتي/ العدد أبريل / 2008.

[137]النسلان: مشية الذئب إذا أسرع ، لسان العرب لابن منظور: مادة نسل.

[138]مجمع الزوائد للهيثمي: 5/ 267.


صفحه 112

يقول تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ}([139]).

وقد درس العلماء حياة العبّاد والفلاسفة والرحالة والمؤرخين والناشطين السياسيين والقصيين وربطوا بين المشي في حياتهم وبين ما انتجوه للحضارة من نظريات وأفكار كبيرة ومهمة، كسقراط وبلاتو وأرسطو وجون ستيورات ميل وتولستوي وغيرهم حتى وصل الأمر إلى درجة قالت عندها السيدة سولنت: لو كان التأمل في الطبيعة ديناً لكان المشي من أهم طقوسه([140]).

والماشي إلى الحسين عليه السلام يستطيع أن يحصل على كل هذه الفوائد الشخصية المترتبة على المشي سواء أكانت على مستوى الصحة البدنية أو على مستوى الصحة النفسية والفكرية، وذلك من خلال تأملاته التي يعيشها أثناء طيّه للمسافات في الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم السلام لاسيما سيد الشهداء عليه السلام وكذلك التأمل في وقته أين ذهب؟ وكيف استثمر؟ وماذا قدم لآخرته؟ وما إلى ذاك من الأفكار والتأملات التي ستنتهي به آخر المطاف إلى الوصول إلى درجات متقدمة من الصحة البدنية والنفسية ولكن بشرطها وشروطها.

[139]العنكبوت/ 20.

[140]خلاصة لمقال للدكتور صالح بن سعد الأنصاري حول المشي والتأمل على موقع مركز تعزيز الصحّة في الرياض.


صفحه 113

الفوائد الدينية والعقائدية

ويمكن لنا أن نتلمس بعض هذه الفوائد من خلال ما يلي:

1ـ تجسيد مبدأ الولاية والبراءة في الأربعين

والتولي معناه أن يتولى الإنسان أولياء الله تعالى وقد صار علماً على معنى الاعتقاد بإمامة أهل البيت عليهم السلام وخلافتهم وإعلان المودة والمتابعة لهم، والتبري معناه أن يتبرأ الإنسان من أعداء أولياء الله، وقد صار علماً كذلك على إعلان البراءة والعداء من أعداء أئمة أهل البيت عليهم السلام ومثل هذين الأمرين ضروريان في ديننا لكثرة النصوص الواردة فيهما قرآناً وسنة، يقول القرآن الكريم: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}([141]).

[141]المجادلة/ 22.


صفحه 114

ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أصحابه ذات يوم:

«يا عبد الله أحبّ في الله وأبغض في الله ووالِ في الله وعادِ في الله فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون وعليها يتباغضون وذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً فقال له: وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله عز وجل ومَنْ وليُّ الله تعالى حتى أواليه؟ ومَنْ عدوه حتى أعاديه فأشار له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي عليه السلام فقال له: أترى هذا. فقال بلى. قال: وليّ هذا وليّ الله فواله وعدو هذا عدو الله فعاده. ثم قال: وال ولي هذا ولو أنه قاتل أبيك وولدك وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك وولدك»([142]).

ويقول الإمام الرضا عليه السلام: «كمال الدين ولاياتنا والبراءة من عدونا»([143]).

وما شاء الله تعالى من النصوص الكثيرة في هذا المجال، ومما لا ريب فيه أن الملايين التي تذهب لزيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين إنما تريد أن تجسّد هذا المعنى في أعلى صوره وأشكاله، فالزائر يمشي إلى الحسين عليه السلام ولسانه يلهج في زيارته «إني سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم» ومعنى ذلك إني سأسالم وأسلم لمن سلّم له الحسين عليه السلام وسأقف ضد

[142]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 27 / 58.

[143]نفس المصدر.


صفحه 115

من وقف ضده الحسين عليه السلام وأعلن الحرب عليه ومثل هذا المعنى مهم جداً لأنه تجسيد حي وعملي لمبدأ (الولاية والبراءة) كما تقدم.

وحتى يتقرب مثل هذا المعنى العظيم، أحاول أن أضرب مثالاً جسّد هذا المعنى بأجمل صورة حتى خرّ شهيداً مضمخاً بدمائه الزاكية بين يدي أبي عبد الله الحسين عليه السلام ذلك هو الشهيد يزيد بن زياد بن مهاجر الكندي والمكنى بأبي الشعثاء، الكندي (رض)، هذا الرجل كان رامياً في معسكر الحسين عليه السلام وكلما كان يرمي كان الحسين عليه السلام يقول: «اللهم سدّد رميته وأجعل ثوابه الجنّة»([144]).

يقول الشيخ محمد السماوي: هو يزيد بن زياد بن مهاجر أبو الشعثاء الكندي، كان رجلاً شريفاً فاتكاً، خرج إلى الحسين عليه السلام من الكوفة من قبل أن يتصل به الحر... ثمّ حمل على القوم بسيفه وقال:

أنا يزيد وأبي مهاجر
يا رب إني للحسين ناصر

كأنني ليث بخيلٍ خادر
ولابن سعد تارك وهاجر([145])

وهكذا ترى معي أيّها القارئ العزيز كيف تولى هذا الشهيدُ الحسين عليه السلام السبطَ، وكيف تبرأ من عمر بن سعد وهكذا فكل من يمشي إلى الحسين عليه السلام إنما يجسّد هذه المقولة «إني للحسين ناصر ولابن سعد تارك وهاجر».

[144]موسوعة شهادة المعصومين: 2/ 225.

[145]إبصار العين في أنصار الحسين للشيخ محمد السماوي: 172.