بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 110

وهي نظيفة طاهرة نقية تسبح في رحمات ربها وفضله ورضوانه، وكم من الناس من ذهبوا وهم يحملون هموم الدنيا وعظائم مصائبها، فرجعوا وقد زالت كل تلك الهموم والمصائب.

وهذه ميزة الحسين عليه السلام عمن سواه حيث استجابة الدعاء تحت قبته الشريفة المباركة، يقول الإمام الباقر عليه السلام: «إن الله تعالى عوّض الحسين عليه السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذريته والشفاء في تربته وإجابة الدعاء عند قبره ولا تُعد أيام زائريه جائياً وراجعاً من عمره»([135]).

4ـ العلاج برياضة المشي

جاء في مجلة (أسرتي) العدد الصادر في أبريل/2008 تقريراً مهماً حول المشي وأثره في علاج الكثير من الأمراض تحت هذا العنوان ( المشي.. التدريب المثالي والمتعة المجانية): «المشي هو التدريب المثالي للتحكم في الوزن، فالمشي لا يحرق 3500 سعرة حرارية في الساعة فقط، ولكنه يكبح الشهية عن طريق تنظيم مركز المخ المسؤول عن الجوع... يرفع المشي أيضاً مستوى الاندروفينات وهي المواد الكيماوية المسؤولة عن الإحساس بالسعادة في أجسامنا والتي تعمل كمضاد طبيعي للاكتئاب وتساعد على التخلص من الضغوط والتوتر، والأهم من ذلك أن المشي يساعد على تخفيف ضغط الدم المرتفع وتخفيض الكوليسترول وتحسين لياقتك البدنية.

[135]الأمالي للشيخ الطوسي: 317.


صفحه 111

وطبقاً لما يقوله د. فريد ستوتمان (صاحب لقب أبو ثورة المشي) وقد تم تكريمه بلقب د. مشي) فإن المشي بانتظام يقلل من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتات ويقلل الشهية ويتحكم في الوزن ويضبط العضلات ويبني العظام ويخلص الجسم من التوتر والضغوط، ويؤخر بعض أشكال السرطان والتهاب العظام....

إن المشي هو ملجأ ومفر رائع حيث يمكنك الهروب من المكالمات الهاتفية ومن العمل أو من البيت لفترة قليلة... ويمكنك المشي للتكفير في حل لمشكلة أو تمشي لتنسى مشكلة، فالمشي يعمل كمسكن ومهدئ ليساعدنا على الاستخراء...»([136]).

ومن الملفت للنظر أن أفضل أنواع المشي هو المشي الذي تكون خطواته متقاربة ومتسارعة في نفس الوقت.

وهو عين ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرواية عن جابر حيث قال: «شكا ناس إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من التعب فدعا لهم وقال: عليكم بالنسلان([137]) فانتسلنا فوجدناه أخف علينا»([138]).

ناهيك عن آثار المشي على نفسية الإنسان وفكره وتأملاته، فها هو القرآن الكريم يدعونا إلى أن نمشي في الأرض ونتدبر ونتأمل ونتفكر وننظر

[136]تقرير تحت عنوان (المشي للفوز ثورة اللياقة البدنية) ملاك نصر / مجلة أسرتي/ العدد أبريل / 2008.

[137]النسلان: مشية الذئب إذا أسرع ، لسان العرب لابن منظور: مادة نسل.

[138]مجمع الزوائد للهيثمي: 5/ 267.


صفحه 112

يقول تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ}([139]).

وقد درس العلماء حياة العبّاد والفلاسفة والرحالة والمؤرخين والناشطين السياسيين والقصيين وربطوا بين المشي في حياتهم وبين ما انتجوه للحضارة من نظريات وأفكار كبيرة ومهمة، كسقراط وبلاتو وأرسطو وجون ستيورات ميل وتولستوي وغيرهم حتى وصل الأمر إلى درجة قالت عندها السيدة سولنت: لو كان التأمل في الطبيعة ديناً لكان المشي من أهم طقوسه([140]).

والماشي إلى الحسين عليه السلام يستطيع أن يحصل على كل هذه الفوائد الشخصية المترتبة على المشي سواء أكانت على مستوى الصحة البدنية أو على مستوى الصحة النفسية والفكرية، وذلك من خلال تأملاته التي يعيشها أثناء طيّه للمسافات في الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم السلام لاسيما سيد الشهداء عليه السلام وكذلك التأمل في وقته أين ذهب؟ وكيف استثمر؟ وماذا قدم لآخرته؟ وما إلى ذاك من الأفكار والتأملات التي ستنتهي به آخر المطاف إلى الوصول إلى درجات متقدمة من الصحة البدنية والنفسية ولكن بشرطها وشروطها.

[139]العنكبوت/ 20.

[140]خلاصة لمقال للدكتور صالح بن سعد الأنصاري حول المشي والتأمل على موقع مركز تعزيز الصحّة في الرياض.


صفحه 113

الفوائد الدينية والعقائدية

ويمكن لنا أن نتلمس بعض هذه الفوائد من خلال ما يلي:

1ـ تجسيد مبدأ الولاية والبراءة في الأربعين

والتولي معناه أن يتولى الإنسان أولياء الله تعالى وقد صار علماً على معنى الاعتقاد بإمامة أهل البيت عليهم السلام وخلافتهم وإعلان المودة والمتابعة لهم، والتبري معناه أن يتبرأ الإنسان من أعداء أولياء الله، وقد صار علماً كذلك على إعلان البراءة والعداء من أعداء أئمة أهل البيت عليهم السلام ومثل هذين الأمرين ضروريان في ديننا لكثرة النصوص الواردة فيهما قرآناً وسنة، يقول القرآن الكريم: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}([141]).

[141]المجادلة/ 22.


صفحه 114

ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أصحابه ذات يوم:

«يا عبد الله أحبّ في الله وأبغض في الله ووالِ في الله وعادِ في الله فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون وعليها يتباغضون وذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً فقال له: وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله عز وجل ومَنْ وليُّ الله تعالى حتى أواليه؟ ومَنْ عدوه حتى أعاديه فأشار له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي عليه السلام فقال له: أترى هذا. فقال بلى. قال: وليّ هذا وليّ الله فواله وعدو هذا عدو الله فعاده. ثم قال: وال ولي هذا ولو أنه قاتل أبيك وولدك وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك وولدك»([142]).

ويقول الإمام الرضا عليه السلام: «كمال الدين ولاياتنا والبراءة من عدونا»([143]).

وما شاء الله تعالى من النصوص الكثيرة في هذا المجال، ومما لا ريب فيه أن الملايين التي تذهب لزيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين إنما تريد أن تجسّد هذا المعنى في أعلى صوره وأشكاله، فالزائر يمشي إلى الحسين عليه السلام ولسانه يلهج في زيارته «إني سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم» ومعنى ذلك إني سأسالم وأسلم لمن سلّم له الحسين عليه السلام وسأقف ضد

[142]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 27 / 58.

[143]نفس المصدر.


صفحه 115

من وقف ضده الحسين عليه السلام وأعلن الحرب عليه ومثل هذا المعنى مهم جداً لأنه تجسيد حي وعملي لمبدأ (الولاية والبراءة) كما تقدم.

وحتى يتقرب مثل هذا المعنى العظيم، أحاول أن أضرب مثالاً جسّد هذا المعنى بأجمل صورة حتى خرّ شهيداً مضمخاً بدمائه الزاكية بين يدي أبي عبد الله الحسين عليه السلام ذلك هو الشهيد يزيد بن زياد بن مهاجر الكندي والمكنى بأبي الشعثاء، الكندي (رض)، هذا الرجل كان رامياً في معسكر الحسين عليه السلام وكلما كان يرمي كان الحسين عليه السلام يقول: «اللهم سدّد رميته وأجعل ثوابه الجنّة»([144]).

يقول الشيخ محمد السماوي: هو يزيد بن زياد بن مهاجر أبو الشعثاء الكندي، كان رجلاً شريفاً فاتكاً، خرج إلى الحسين عليه السلام من الكوفة من قبل أن يتصل به الحر... ثمّ حمل على القوم بسيفه وقال:

أنا يزيد وأبي مهاجر
يا رب إني للحسين ناصر

كأنني ليث بخيلٍ خادر
ولابن سعد تارك وهاجر([145])

وهكذا ترى معي أيّها القارئ العزيز كيف تولى هذا الشهيدُ الحسين عليه السلام السبطَ، وكيف تبرأ من عمر بن سعد وهكذا فكل من يمشي إلى الحسين عليه السلام إنما يجسّد هذه المقولة «إني للحسين ناصر ولابن سعد تارك وهاجر».

[144]موسوعة شهادة المعصومين: 2/ 225.

[145]إبصار العين في أنصار الحسين للشيخ محمد السماوي: 172.


صفحه 116

2ـ التسليم والطاعة لأهل البيت عليهم السلام عليهم السلام

وهذا موقف ديني وعقائدي آخر يمكن لنا أن نتلمسه في حركة الزائرين نحو الحسين عليه السلام حيث يقروّن لهم بالطاعة والتسليم كما سلّم لهم وأطاعهم المؤمنون عبر التاريخ مستجيبين بذلك إلى نداء الله عز وجل حيث يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}([146]).

وهذا التسليم هو تسليم حقيقي نابع من القلب وهذا ما يمكن أن يفهم من قول الإمام الصادق عليه السلام في زيارته: «وقلبي لقلبكم سلم وأمري لأمركم متبع ونصرتي لكم معدة حتى يأذن الله..»([147]).

بل إنّ الأمر لا يتوقف عند ذلك التسليم فقط بل يتعداه إلى ما هو أعظم «إنّي بكم مؤمن وبإيّابكم موقن بشرائع ديني وخواتيم عملي»([148])، بل إن الأمر ليرتقي أعظم من ذلك حينما يقرأ الإنسان زيارة الأربعين حيث يقول: «اشهد أنّي بكم مؤمن وبإيّابكم موقن بشرائع ديني وخواتيم عملي وقلبي لقلبكم سلم وأمري لأمركم متبع ونصرتي لكم مُعدة حتى يأذن الله...»([149]).

يا لها من كلمات عظيمة ويا لها من أنشودة جليلة يحتاجها الأحرار

[146]النساء: 59.

[147]مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي/ زيارة وارث.

[148]نفس المصدر.

[149]نفس المصدر.


صفحه 117

في كل زمان ومكان، حيث يتجسد التسليم فيها (إنّي سلم لمن سالكم) والموقف العملي (وأمري لأمركم متبع) وتختم بالانتظار وبتهيئة الوسائل النفسية والإيمانية بل وحتى المادية للنصرة (ونصرتي لكم معدة)، والسائرون إلى الحسين عليه السلام لاشك أنّهم يعيشون كل هذه المفاهيم العقائدية والدينية المهمة التي نحتاجها في حياتنا لاسيما في هذا الوقت العصيب الذي تدور فيه علينا دوائر الشر والعدوان المتعددة خارجياً وداخلياً.

3ـ الشهادة للحسين بالعصمة

كل هذه الملايين الزاحفة نحو الحسين عليه السلام لاشك أنها ستنتهي وتقف أمام قبره الشريف وتقرأ في زيارتها: «أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها وأشهد أنك من دعائم الدين وأركان المؤمنين وأشهد أنك الإمام البر التقي الرضي الزكي الهادي المهدي...»([150]).

ومثل هذه الشهادة هي تأكيد لمبدأ العصمة التي تحدث عنها القرآن حول أهل البيت عليهم السلام في آية التطهير حيث يقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل البيت عليهم السلام وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([151]).

وهذا الأمر هو دين وعقيدة ندين الله عز وجل بها.

[150]نفس المصدر.

[151]الأحزاب/ 33.