الإسلامية فضلاً عن السنن والمستحبات، ومن هذه الروايات قول الإمام الصادق عليه السلام إلى معاوية بن وهب:
«يا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين عليه السلام لخوف فإن من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعوا له رسول الله وعلي وفاطمة والأئمة»([21]).
وفي رواية ابن بكير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال:
«قلت له: إني لأنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى زيارة قبر أبيك وإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المصالح فقال: يا بن بكير أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه وكان يحدثه الحسين عليه السلام تحت العرش وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزع فإن فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة»([22]).
[21]كامل الزيارات لابن قولويه:الباب الخامس والأربعون /136
[22]وسائل الشيعة: 14/ 457.
البحث الثاني
في فضل زيارة الإمام الحسين عليه السلام يوم الأربعين وأدلتها
لقد ذكر العلماء جملة من الأدلة التي تشير إلى استحباب زيارة الأربعين وحسب تتبعي القاصر وجدت أن الأدلة التي ذكروها لا تتعدى في الأعم الأغلب ما يلي:
أولاً: الدليل الروائي
وقد ذكروا في هذا المجال مجموعة من الروايات أذكر منه ثلاثاً أساسية وهي كالتالي:
ألف: رواية الإمام العسكري عليه السلام
روي عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام أنه قال: «علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين وزيارة الأربعين والتختم في اليمين
وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم([23])»([24]).
وقد استدل على استحباب زيارة الحسين عليه السلام في يوم الأربعين من خلال كلمة الإمام «زيارة الأربعين».
وقد ذكر العلماء لهذا الاستدلال وجوهاً منها:
الوجه الأول:ما فهمه العلماء في زمن الصدور وما بعده وإلى يومك هذا أن المراد من الأربعين خصوص زيارة الحسين عليه السلام في يوم أربعينه([25])، بل وما سار على هذا الفهم عموم شيعة أهل البيت عليهم السلام كما سيأتي ويمكن تقريب هذا الوجه الذي فهمه العلماء بل وعموم الشيعة من خلال مجموعة من النقاط:
النقطة الأولى
ورود كلمة «أربعين» محلاة بالألف واللام، ولاشك أن المراد من هذه الألف واللام خصوص العهد لا غيرها، ومن المعلوم أن الألف واللام العهدية إذا دخلت على نكرة حوّلتها إلى معرفةٍ مشخصة معروفة عند المخاطب فلا يصح مثلاً أن تطلب من شخصٍ أن يكرم الرجل ويتعاهد زيارته في الليل والنهار وهو لا يعرفه ولا يشخصه في الخارج بل لابد من
[23]مصباح المتهجد للشيخ الطوسي: 788، تهذيب الأحكام: 6/ 52.
[24]وقد عقد الحر العاملي في مسائله باباً تحت عنوان باب استحباب زيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين فراجع.
[25]وسيأتي بعد ذلك رأي شاذ سنناقشه أن المراد من الأربعين خصوص زيارة أربعين مؤمناً.
افتراضه شخصاً معهوداً عند الآمر والمخاطب معاً، وقد ورد نظير هذا الأمر في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً}([26]) فإن ال في (الرسول) للعهد لأنه معهود لدى المخاطب حيث سبق ذكره في الآية التي قبلها ومن هنا قسم النحاة لام العهد إلى ثلاثة أقسام وهي:
لام العهد الذهني
وهي التي يكون مصحوبها معلوماً ومعهوداً في الذهن، كقولهم «سيلقي الأستاذ محاضرة في الجامعة» فالمخاطب لابد أن يكون معهوداً في ذهنه عارفاً من هو ولابد أن تكون الجامعة كذلك معهودة في ذهنه عالماً بها.
لام العهد الذكري
وهي التي يكون مصحوبها مذكوراً سابقاً فتعرفه فيما بعد، كالآية التي تقدمت في سورة المزمل.
لام العهد الحضوري
وهي التي يكون مصحوبها حاضراً، كقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...}([27]).
بعد هذا كله سوف يتضح لنا أن كلمة «أربعين» في الرواية عندما جاءت
[26]المزمل: 15 - 16.
[27]المائدة: 3
محلاة بالألف واللام العهدية الذهنية لاشك أنها تريد أن تشير إلى أربعين معينة مشخصة عند المتحدث والمخاطب وهي أربعينية سيد الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام والتي أصبحت بدرجة من الشهرة والتشخيص في الواقع الإسلامي فضلاً عن الشيعي الموالي وبالتالي لا يجد المتلقي لهذا الحديث صعوبة في تطبيقها عليه وهو ما حصل عند كل من سمع بهذا الحديث قديماً وحديثاً.
النقطة الثانية
أن كلمة المؤمن في ضمن الثقافة الشيعية والفقهية تنصرف إلى خصوص الشيعي الموالي لأهل البيت عليهم السلام عليهم السلام، يقول رسول جعفريان في مجلة تراثنا:
«وفي الوقت نفسه يجب ملاحظة نوع آخر من التمييز بين المسلم والمؤمن في كلام أهل البيت عليهم السلام حيث أطلق لفظ المؤمن على خصوص الشيعة وأطلق لفظ المسلم على الشيعة وعلى غيرهم، مثل هذه التقسيمات تراها واضحة في كلام الشيخ المفيد فيما يتعلق بتعريف دار الإيمان ودار الإسلام حيث كتب في دار الإيمان ودار الإسلام قائلاً: كل موضع غلب فيه الإيمان فهو دار إيمان وكل موضع غلب فيه الإسلام دون الإيمان فهو دار إسلام... صقع من بلاد الإسلام ظهرت فيه شرائع الإسلام دون القول بإمامة آل محمد أنّه دار إسلام لا دار إيمان»([28]) ومن هنا ميز فقهاؤنا في الأعم الأغلب استناداً إلى هذا الأمر في جواز إعطاء الحقوق الشرعية من
[28]منهاج الصالحين للسيد السيستاني: 1 / مسألة 1259.
الخمس والزكاة بين المؤمن والمسلم حيث جوزوها على الأول دون الثاني، يقول السيد السيستاني وهو يتحدث عن مستحق الخمس ومصرفه:
«يقسم الخمس في زماننا - زمان الغيبة - نصفين: نصف لإمام العصر الحجة المنتظر - عجل الله تعالى فرجه وجعل أرواحنا فداه - ونصف لبني هاشم: أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ويشترط في هذه الأصناف جميعاً الإيمان ولا يعتبر العدالة...» ولا يخفى أن المراد من شرط الإيمان في مورد صرف الخمس هو الشيعي دون غيره.
وعلى أساس ما تقدم يمكن أن نحمل كلمة «المؤمن» التي وردت في حديث الإمام العسكري عليه السلام على وفق هذه النظرية المعمول بها فتكون زيارة الحسين عليه السلام من علامات المؤمنين الموالين لأهل البيت عليهم السلام كما هو واقع الحال.
النقطة الثالثة
الفترة التي عاشها الإمام الحسن العسكري عليه السلام كانت فترة خاصة جداً، حيث جاءت ولادته في زمن أعتى وأقسى ملكٍ من ملوك بني العباس ألا وهو المتوكل الذي شهدت كتب التاريخ بأجمعها على مآثره الظالمة اتجاه أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم حيث ملئت السجون في وقته بالسادة والفضلاء والعلماء من أبناء علي وفاطمة عليهما السلام ناهيك عن الشيعة الموالين، وكانت من جملة مظالمه الشديدة أمره بحفر قبر الحسين عليه
السلام وبشكل ملفت للنظر، حيث أمر بحرثه وبذر البذور عليه وتحويله إلى أرض زراعية عادية من أجل قطع الطريق لمعرفة مكان هذا القبر الشريف على الزائرين له في الليل والنهار كما أصدر الأوامر في قتل وجلد وحبس ومصادرة أموال كل من يخالف مثل هذه التعاليم الجديدة من قبله.
يقول الطبري في تاريخه: «ذكر خبر هدم قبر الحسين بن علي - عليهما السلام-: وفيها (سنة 236) أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي - عليهما السلام- وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره وأن يمنع الناس من إتيانه، فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبر الحسين عليه السلام بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق([29]) فهرب الناس وامتنعوا من المصير إليه وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه»([30]).
ويقول المسعودي: «وكان آل أبي طالب قبل خلافته (أي المنتصر) في محنة عظيمة وخوفٍ على دمائهم، قد منعوا زيارة قبر الحسين عليه السلام والغري من أرض الكوفة، وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد وكان الأمر بذلك من المتوكل سنة ستٍ وثلاثين ومائتين، وفيها أمر المعروف بالذيريج بالسّير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وهدمه، ومحوِ أرضه، وإزالة أثره وأن يعاقب من وجد به، فبذل الرغائب لمن
[29]المطبق: سجن مظلم تحت الأرض.
[30]تاريخ الطبري: 9/ 185.
تقدم على هذا القبر، فكل قد خشي العقوبة وأحجم...»([31]).
ويقول ابن الأثير: «في هذه السنة (236) أمر المتوكل بهدم قبر الحسين ابن علي عليهما السلام وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يبذر ويسقى موضع قبره وأن يمنع الناس من إتيانه فنادى في الناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق، فهرب الناس وتركوا زيارته، وخُرب وزرع»([32]).
وعلى أساس ذلك فقد كان ظرف الموالين ظرفاً خاصاً يحتاج إلى عمل خاص من قبل الأئمة في إبقاء هذه الشعلة وهاجة في قلوب المؤمنين وعدم إخمادها من قبل الظالمين، فكان للإمام العسكري عليه السلام حث على زيارة الحسين عليه السلام من خلال طريقين، الأول من خلال الأحاديث التي صدرت عنه وحثت على زيارته وتحدي الإرهاب العباسي المتوكلي تجاه زائري قبر الحسين عليه السلام، والثاني باشره بنفسه الشريفة حيث أمر أن يستأجر له رجل من الثقاة ليدعوا له عند الحسين عليه السلام دون غيره من قبور آبائه وأجداده الطاهرين.
فقد نقل السيد تحسين شبيب في كتابه مرقد الإمام الحسين عليه السلام: «وفي رواية أخرى عن أبي هاشم الجعفري([33]) قال: دخلت أنا ومحمد بن حمزة
[31]مروج الذهب للمسعودي: 4/52.
[32]تاريخ ابن الأثير: 6/108.
[33]رويت مثل هذه الرواية عن أبي هاشم الجعفري عن الإمام علي بن محمد الهادي عليهما السلام في بعض المصادر، ولا إشكال في ذلك حيث إنّ عصر الإمامين متداخل وقد عاصر كل من الإمامين المتوكل وآثاره السيئة عليهما وعلى شيعتهما، وبالتالي تكون هذه الرواية أيضاً شاهداً على حث كل من الإمامين على زيارة الحسين عليه السلام لما تقدم من الأسباب.