بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 36

وتصلي ركعتين وتدعوا بما أحببت وتنصرف»([37]).

وهذه الرواية ربما تكون أوضح وأصرح من الرواية الأولى في استحباب زيارة الحسين عليه السلام في الأربعين، حيث إنّ المراد من الأربعين في رواية الإمام الحسن العسكري عليه السلام إذا كان فيه شك في أنه هل يحمل على زيارة الحسين عليه السلام أم زيارة أربعين مؤمناً فإن مثل هذا التردد سوف لا يرد هنا في رواية صفوان الجمال حيث إنّ الإمام في معرض الحديث عن زيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين لا في أي يوم آخر.

جيم: رواية الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد

روى الشيخ الطوسي تلميذ الشيخ المفيد في كتابه مصباح المتهجد بعد ما يتحدث عن شهادة زيد بن علي في شهر صفر في اليوم الأول منه وفي اليوم العشرين منه، كان رجوع حرم سيدنا أبي عبد الله الحسين عليه السلام، من الشام إلى المدينة وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله الأنصاري رضوان الله عليه صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام فكان أول من زاره من الناس ويستحب زيارته عليه السلام فيه وهي زيارة الأربعين([38])»([39]).

[37]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 98/ 231 - 232.

[38]مصباح المتهجد للشيخ الطوسي: 730.

[39]ويبدو أن الشيخ الطوسي وهو يتحدث عما ينبغي للزائر فعله يوم الأربعين ليكشف وبشكل واضح أن مثل هذا العمل كان متعارفاً عند الموالين وبالتالي سيكون من هذه الجهة من جملة حيثيات السيرة المتشرعية للشيعة في تعاهدهم لزيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين منذ أيام المعصومين عليهم السلام .


صفحه 37

ثانياً: دليل السيرة المتشرعية

وقبل أن ندخل في سيرة الشيعة بكامل طبقاتهم ودرجاتهم في التوجه إلى زيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين، أود أن أشير ولو على نحو الإجمال والسرعة ماذا نعني بسيرة المتشرعة؟

ونعني بالسيرة المتشرعية هي تلك السيرة التي يتجه فيها المؤمنون المعاصرون للأئمة المعصومين إلى سلوك معين كالاتفاق مثلاً في تلك العصور على إقامة صلاة الظهر يوم الجمعة بدلاً عن صلاة الجمعة، ومثل هذه السيرة لو حللناها فسوف تنحل إلى مجموعة من السلوكيات الفردية للمؤمنين يمثل كلُّ سلوك منفرد منها دليلاً ناقصاً على صدور رواية فيه وكلما كانت الأعداد أكبر كلما أزدادت احتمالات الصدور من المعصوم في تأييد سلوكهم هذا وبالتالي كلما كان العدد أكبر كلما كانت درجة الكشف عن رأي المعصوم أكبر وأضمن.

يقول السيد محمد باقر الصدر وهو يتحدث عن السيرة المتشرعية: «ويناظر الإجماع السيرة المعاصرة والقريبة من عصر المعصومين عليهم السلام للمتشرعة بما هم متشرعة، وتوضيح ذلك: أن العقلاء المعاصرين للمعصومين إذا اتجهوا إلى سلوك معين فتارة يسلكونه بما هم عقلاء كسلوكهم القائم على التملك والحيازة مثلاً، وأخرى يسلكونه بما هم متشرعة كمسحهم القدم في الوضوء ببعض الكف مثلاً، والأول هو السيرة


صفحه 38

العقلائية والثاني سيرة المتشرعة والفرق بين السيرتين: أن الأولى لا تكون بنفسها كاشفة عن موقف الشارع وإنما تكشف عن ذلك بضم السكوت الدال على الإمضاء كما تقدم، وأما سيرة المتشرعة فبالإمكان اعتبارها بنفسها كاشفة عن الدليل الشرعي على أساس أن المتشرعة حينما يسلكون بوصفهم متشرعة يجب أن يكونوا متلقين ذلك من الشارع، وهناك في مقابل ذلك احتمال أن يكون السلوك المذكور مبنياً على الغفلة عن الاستعلام أو الغفلة في فهم الجواب على تقدير الاستعلام غير أن هذا الاحتمال يضعف بحساب الاحتمال كلما لوحظ شمول السيرة وتطابق عدد كبير من المتشرعة عنها»([40]).

وعلى أساس ذلك فإذا ثبت عندنا وجود سيرة عند المتدينين من شيعة أهل البيت عليهم السلام عليهم السلام، سواء أكانوا من العلماء، أم من العامة من الناس متصلة من يومنا هذا بزمن المعصوم عليه السلام لم تنقطع في سنة من السنين مهما كان الظلم والبطش - يتعاهدون فيها زيارة الحسين عليه السلام في يوم الأربعين رجالاً وركباناً لدلّ مثل هذا الأمر على وجود إمضاء من المعصومين لهذه السيرة من خلال عدم نهيهم عنها فضلاً عن الدعوة إليها والحث عليها.

وإثبات مثل هذه السيرة من قبل الشيعة في زيارة الأربعين، ليس بالأمر الصعب، بل هو هين إلى درجة كبيرة، فقد ذكر الكثير ممن كتب في تاريخ المسلمين لاسيما في العهد الأموي والعباسي أن هناك توجهاً واضحاً

[40]دروس في علم الأصول: 1/ 247 - 248.


صفحه 39

وملحوظاً في نفس الوقت بوجود أعدادٍ ليست بالقليلة كانت تتعاهد زيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين وقد بذل الظالمون الكثير من أجل قطعها والوقوف أمامها فلم يمنع المؤمنين ذلك بل زادهم تحدياً وإصراراً في السير نحو الحسين عليه السلام، وقد تقدم قبل قليل في تاريخ الطبري وابن الأثير ما يشير إلى وجود هذه الأعداد من الموالين الملازمين لزيارة الحسين عليه السلام لاسيما يوم الأربعين.

ولقد كانت مثل هذه السيرة بمرأى ومسمع أئمة أهل البيت عليهم السلام عليهم السلام، فلم ينهوا المؤمنين عنها بل حثوا عليها ولو كان هناك خوف وكما قال الإمام الصادق عليه السلام لمعاوية بن وهب: لا تدع زيارة قبر الحسين عليه السلام لخوف فإن من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده»([41]).

ثالثاً: دليل الإطلاقات على استحباب الزيارة في كل شهر

وهذا دليل آخر يضاف لما سبق حيث وردت روايات كثيرة عن المعصومين عليهم السلام في استحباب زيارة الحسين عليه السلام في كل شهر.

فقد روى الشيخ الطوسي عن داوود بن فرقد قال: «قلت للإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام: ما لمن زار الإمام الحسين عليه السلام في كل شهر من

[41]وسائل الشيعة: 4 / 457.


صفحه 40

الثواب؟ قال: له من الثواب ثواب مائة ألف شهيد مثل شهداء بدر»([42]).

ولاشك أن هذا الإطلاق الوارد في زيارته كل شهر يشمل شهر صفر فهو داخل في قوله: «في كل شهر» وعليه تستحب زيارته كذلك في العشرين من شهر صفر لاسيما إذا حملنا هذه على رواية الإمام الحسن العسكري عليه السلام في أن من علامات المؤمن زيارة الأربعين حيث تم تحديد العشرين من صفر دون غيره.

رابعاًَ: أقوال الفقهاء وفهمهم لزيارة الأربعين

وحتى يعي المؤمنون الموالون لأهل البيت عليهم السلام عليهم السلام، أن ما يصنعونه في هذه السنوات من المسيرات المليونية المباركة نحو الحسين عليه السلام يوم الأربعين وبهذا الشكل الذي قلَّ بل عَدُمَ نظيره في العالم، أن كل ذلك إنما جاء نتيجة الحث الأكيد والبعث الشديد من قبل أئمة أهل البيت عليهم السلام وعلمائهم في الارتباط بالحسين عليه السلام في أربعينيته والسير إليه رجالاً وركباناً.

ومثل هذا الأمر أكّده العلماء من خلال فهمهم الرشيد طيلة هذه الفترة الطويلة والتي استمرت منذ أيام المعصومين وإلى يومك هذا ما شذ عنهم إلا نزر قليل، وسوف أحاول ذكر أقوالهم في هذه المسألة أبتدأ من الشيخ الطوسي ثم الذين يلونه من بعده:

[42]التهذيب للشيخ الطوسي: 6/ 47.


صفحه 41

1ـ قال الشيخ الطوسي في كتابه مصباح المتهجد: «وفي يوم العشرين منه (أي شهر صفر) كان رجوع حرم سيدنا أبي عبد الله الحسين عليه السلام...»([43]).

2ـ قال الشيخ المفيد في كتاب المزار: «(23) باب فضل زيارة الأربعين...»([44]).

3ـ قال العلامة الحلي في منتهى المطلب: «ويستحب زيارته يوم الأربعين من مقتله وهي العشرون من صفر...»([45]).

4ـ قال السيد ابن طاووس: «فإننا روينا باسنادنا إلى أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري... عن صفوان بن مهران قال: قال لي مولاي الصادق صلوات الله عليه في زيارة الأربعين...»([46]).

5ـ قال العلامة المجلسي في بحار الأنوار: «فضل زيارته صلوات الله عليه في يوم عاشوراء وإكمال ذلك اليوم وفضل زيارة الأربعين...»([47]).

6ـ قال صاحب الحدائق الناظرة: «وتتأكد (أي استحباب زيارة الحسين عليه السلام في النصف من شعبان ويوم مقتله عليه السلام ويوم عرفه... ويوم الأربعين من مقتله عليه السلام...».

[43]مصباح المتهجد للشيخ الطوسي: 730.

[44]المزار للشيخ المفيد:53.

[45]منتهى المطلب للعلامة الحلي: 2/892 كتاب الزيارات.

[46]إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس: 3 / 101.

[47]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 98 / 102.


صفحه 42

7ـ قال الشيخ عباس القمي في أعمال شهر صفر: «اليوم العشرون: يوم الأربعين وعلى قول الشيخين هو يوم ورود حرم الحسين عليه السلام... ويستحب فيه زيارته...»([48]).

ولئن كانت أقوال الفقهاء التي ذكرتها نابعة من فهمهم الرشيد والسديد لروايات الأربعين فإنهم مع ذلك لم يكتفوا بذلك في حث المؤمنين على إتيان هذه الشعيرة المباركة وإنما زادوا عليها بأن باشروا هم بأنفسهم زيارة الأربعين راكبين وراجلين مع كثرة مشاغلهم وأهمية أوقاتهم في الدرس والبحث والتأليف وذلك أعلاناً منهم بأهمية هذا العمل.

فقد جاء في ترجمة السيد هاشم الحداد ما نصه: «كان متعارفاً بين طلبة النجف الأشرف وفضلائها وعلمائها في أيام الزيارة المخصوصة لمولى الكونين أبي عبد الله الحسين عليه السلام سيد الشهداء كزيارة عرفة وزيارة الأربعين وزيارة النصف من شعبان: أن يذهبوا من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة سيراً على الأقدام، إما عن الطريق الصحراوي المعبد المستقيم وطوله ثلاثة عشر فرسخاً أو عن الطريق المحاذي لشط الفرات وطوله ثمانية عشر فرسخاً.

وكان الطريق الصحراوي قاحلا يخلو من الماء والخضرة، لكنه قصير يمكن للمسافرين أن يطوونه بسرعة خلال يوم أو يومين، على العكس من الطريق المحاذي لشط الفرات الذي كان يتعذر فيه السفر بالسيارة، فكان ينبغي

[48]مفاتيح الجنان: 395.


صفحه 43

السير خلاله على الأقدام أو بامتطاء الحيوانات، وكان هذا الطريق منحرفاً غير مستقيم، لكنه في المقابل يتميز بالخضرة ويتخلل بساتين الأشجار والنخيل البالغة وتوجد في كل عدة فراسخ أماكن لاستضافة المسافرين - وهي مضائف مصنوعة من الحصير تعود لشيوخ العرب يستقبلون فيها القادمين فيضيفونهم مجاناً مهما شاءوا الإقامة عندهم - وكان الطلبة يسيرون نهاراً ثم يأوون إلى هذه المضائف ليلاً؛ فيبيتون فيها وكان سفرهم في هذا الطريق المحاذي للنهر يستغرق غالباً يومين أو ثلاثة ولم يوفق الحقير خلال مدة إقامته في النجف الأشرف، والتي دامت سبع سنين للسفر إلى كربلاء مشياً على الأقدام إلا مرتين فقط، ذلك لأن الوالدة المرحومة كانت على قيد الحياة وبالرغم من ممانعتها للسفر إلا أن الحقير كان يرى آثار الاضطراب عليها، لذا لم أتقدم في الانضمام إلى مواكب المشاة حتى السنة أو السنتين الأخيرتين من إقامتنا في النجف الأشرف، حيث رأيت تناقص ذلك الاضطراب عندها من خلال العلاقات مع العوائل النجفية، لذا فقد أرسلتها إلى كربلاء مع بعض المسافرين والزوار الإيرانيين كانوا قد وفدوا علينا، وصحبت الرفقاء في مسيرتنا إلى كربلاء، وكان الحقير في هذين السفرين في معية سماحة آية الله الشيخ عباس القوچاني - أفاض الله علينا من رحماته وبركاته - وكان هناك أيضاً سماحة آية الله المرحوم الشيخ حسين علي نجابت الشيرازي وسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد مهدي دستغيب - الأخ الأصغر للمرحوم الشهيد دستغيب - وقد صحبنا في السفر الثاني أحد الطلبة ممن له معرفة بآية