يعيشها، فقد كان من أشد الداعمين لهذه المسيرات الراجلة لسيد الشهداء، حيث جاء في ترجمة الشهيد الصدر الأول: «كان يقدم المال لزوار الحسين عليه السلام من المشاة وكان منهم (أي المشاة) السيد محمود الهاشمي وكان طلابه يذهبون إلى الزيارة مشياً وكان ذلك تحت مرآه، وكان قدس سره يشجع على زيارة الأربعين والذهاب إلى الحرم الحسيني المطهر مشياً على الأقدام وكان هو يتمنى ذلك ولكن الظروف المحيطة به لم تسمح له بذلك أبداً»([115]).
6ـ سماحة آية الله السيد النجفي القوجاني
يقول هذا السيد الجليل - وهو أحد أبرز تلامذة صاحب الكفاية وصاحب الكتابين الشهيرين سياحة في الغرب وسياحة في الشرق: «قررنا نحن الاثنين الذهاب إلى كربلاء، إلا أن حمى شديدة أصابتني فتناولت العشاء، وكالعادة التحفت بعباءتي ونمت فبدأ الألم يتصاعد في عظامي بشدة وانشغلت في عالم الفكر والخيال والمناجاة القلبية والمحادثة الروحية مع الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قائلاً: لقد قطعت الفيافي والقفار تاركاً الأدوية التي كنت أستعين بها في حفظ صحتي، فلم يصبني أي بلاء ومرض، والآن وصلت تواً إلى تقبيل قدميك والوقوف تحت رايتك ودخلت حصن ديارك الحصين واسترحت من العناء وأمنت من الخوف والرعب في ديار الغربة هذه، مع ملازمتي للفقر والبؤس والسير على الأقدام غداً، فعلاوة على أنك لم تخفف
[115]محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة تأليف أحمد عبد الله أبو زيد العاملي: 2/ 280.
شيئاً من أعباء قلبي، تضيف على أحمالها حمل هذا الألم، فديتك لقد أحسنت ضيافتك لنا، ولو لم تكن لي نية قطع ستة فراسخ من السير على الأقدام غداً، لم أعبأ بشيء من الألم والحمى ولم أتفوه بكلمة اعتراض وأنت تعلم مدى قدرتي على التحمل والصبر على الشدائد، ولكن ما الحيلة في الفراسخ الستة التي ينبغي أن أمشيها غداً إضافة إلى تمريض الميرزا حسن، فكّر أنت في أي ظروف أصابتني هذه الحمى؟
وبينما كنت غارقاً في أفكاري تصبب العرق مني فارتحت لذلك واستولى النوم عليّ، وفي الصباح نهضنا وبعد الزيارة شربنا الشاي وودعنا السيد الخطيب الذي غادر إلى سامراء بينما نحن اتجهنا إلى كربلاء وكنت لخفة روحي ونشاطي أحس كأنني لم أكن مصاباً بالحمى»([116]).
7ـ المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم
شارك السيد المرجع بنفسه في المشي إلى الحسين عليه السلام من النجف إلى كربلاء في زيارة الأربعين وشارك معه جملة من طلابه وتلامذته في هذه المسيرة التي يحييها الملايين من الموالين والمحبين للإمام الحسين عليه السلام من داخل العراق وخارجه وقد نقلت هذه الأخبار على موقع السيد الحكيم في الأنترنيت وأجهزة التلفاز المختلفة إضافة إلى بعض الجرائد والمجلات وذلك في سنة 1434 هـ.
[116]سياحة في الشرق للسيد أحمد النجفي القوچاني: 189 - 190.
وهكذا الكثير الكثير، ولو أردنا أن نستقصي أسماء العلماء والشخصيات الإسلامية الكبيرة في سالف الزمان وحاضره لاحتاج الأمر إلى كتاب مستقل لكثرتهم وذكرياتهم وكراماتهم في هذا الطريق، ولكن فيما ذكرناه مثالاً لا حصراً لمجموعة من مراجعنا الدينية كفاية {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}([117]).

[117]سورة ق/ 37.
الفصل الثالث
الفوائد المترتبة على زيارة الحسين عليه السلام يوم الأربعين
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
تمهيد
ربما واحدة من الأمور التي يتميز بها الإسلام عن سواه من النظم والدساتير، أنه دين شامل للدنيا من خلال آرائه وسننه وقوانينه، وللآخرة من خلال ما أعده الله عز وجل للصالحين من ثوابٍ وعقاب وأجر عظيمين.
وعلى أساس هذا الأمر يمكن لنا أن نأخذ مثالاً لذلك قبل أن نصل إلى ما نريد أن نتحدث عنه، فإن الصلاة ستكون مثالاً واضحاً وبارزاً في هذا الاتجاه، فإنها تحمل في طياتها جنبتان أساسيتان، واحدة تتعلق في علاقة الإنسان بربّه وطريقة هذه العلاقة وكيفيتها، وأخرى تتعلق في ترتب آثار هذه العلاقة على الإنسان في تعاملاته وارتباطه مع الناس، فبمقدار طاعته والتزامه بأوامر الله ونواهيه تكون هذه العبادة مقبوله.
يقول الشيخ مكارم الشيرازي في تفسير قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ...}([118])، إذا أتى به العبد (أي الصلاة) وهو يكرره كل يوم خمس مرات ويداوم عليه وخاصة إذا زاول عليه في مجتمع
[118]العنكبوت/ 45.
صالح يؤتى فيه بمثل ما أتى به ويهتم فيه بما أهتم به أن يردعه عن كل معصية كبيرة يستشنعه الذوق الديني كقتل النفس عدواناً وأكل مال اليتيم ظلماً والزنا واللواط...».
ومن هذه العبادات والشعائر التي شرعت من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين هي زيارة قبور الصالحين والأولياء من الأنبياء والأئمة أو الشهداء أو ما شاكل ذلك.
وقد حفلت كتب الفريقين سنة وشيعة بمئات الأحاديث التي أشارت إلى أهمية هذه الشعيرة وآثارها الكبيرة على الإنسان والمجتمع، وقد قام العالم الإسلامي منذ بدايات انطلاقه والى يومك هذا بترجمة هذه الأحاديث على أرض الواقع، حيث صار المسلمون يتعاهدون قبور الصالحين بالدعاء والزيارة وقراءة القرآن والصلاة وما إلى ذاك، فهاهم المسلمون في مصر يتقربون إلى الله عز وجل بزيارة مقام رأس سيد الشهداء ومقام السيدة زينب عليها السلام ومقام السيدة نفسية وغيرهم وهكذا في سوريا حيث مرقد السيدة زينب والسيدة رقية وفي الأردن جنب مقام جعفر الطيار وفي العراق حيث قبور الأئمة الطاهرين وقبور كأبي حنيفة النعمان وعبد القادر الگيلاني وغيرهم وهكذا في بقية مناطق العالم الإسلامي، ناهيك عن أداء فريضة الحج والعمرة وزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حيث يتدافع الملايين من الناس للتشرف بالنظر إلى قبره ولمسه والدعاء عنده.
ولقد كانت من جملة هذه المزارات العظيمة التي حظيت بعناية خاصة في
رواياتنا الإسلامية هو مرقد سيد الشهداء عليه السلام لاسيما يوم الأربعين حيث يتقاطر المسلمون من كل حدب وصوب ومن داخل العراق وخارجه وعلى اختلاف ألسنتهم وألوانهم حباً وشوقاً بالحسين عليه السلام وبخط الحسين عليه السلام وحركته الشريفة المباركة، وقد حصلت من جراء هذه الزيارة العظيمة جملة من النعم المتنوعة وعلى مختلف الصعد عاشها المسلمون سابقاً ويعيشونها في هذا الوقت بالذات بعد أن تحولت هذه الشعيرة إلى ركن مهم من أركان الولاء والتفاعل مع الحسين عليه السلام وحركته.
وسوف نحاول أن نسلط الأضواء على جملة من هذه الفوائد الرئيسية على النحو التالي: