بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 89

تمهيد

ربما واحدة من الأمور التي يتميز بها الإسلام عن سواه من النظم والدساتير، أنه دين شامل للدنيا من خلال آرائه وسننه وقوانينه، وللآخرة من خلال ما أعده الله عز وجل للصالحين من ثوابٍ وعقاب وأجر عظيمين.

وعلى أساس هذا الأمر يمكن لنا أن نأخذ مثالاً لذلك قبل أن نصل إلى ما نريد أن نتحدث عنه، فإن الصلاة ستكون مثالاً واضحاً وبارزاً في هذا الاتجاه، فإنها تحمل في طياتها جنبتان أساسيتان، واحدة تتعلق في علاقة الإنسان بربّه وطريقة هذه العلاقة وكيفيتها، وأخرى تتعلق في ترتب آثار هذه العلاقة على الإنسان في تعاملاته وارتباطه مع الناس، فبمقدار طاعته والتزامه بأوامر الله ونواهيه تكون هذه العبادة مقبوله.

يقول الشيخ مكارم الشيرازي في تفسير قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ...}([118])، إذا أتى به العبد (أي الصلاة) وهو يكرره كل يوم خمس مرات ويداوم عليه وخاصة إذا زاول عليه في مجتمع

[118]العنكبوت/ 45.


صفحه 90

صالح يؤتى فيه بمثل ما أتى به ويهتم فيه بما أهتم به أن يردعه عن كل معصية كبيرة يستشنعه الذوق الديني كقتل النفس عدواناً وأكل مال اليتيم ظلماً والزنا واللواط...».

ومن هذه العبادات والشعائر التي شرعت من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين هي زيارة قبور الصالحين والأولياء من الأنبياء والأئمة أو الشهداء أو ما شاكل ذلك.

وقد حفلت كتب الفريقين سنة وشيعة بمئات الأحاديث التي أشارت إلى أهمية هذه الشعيرة وآثارها الكبيرة على الإنسان والمجتمع، وقد قام العالم الإسلامي منذ بدايات انطلاقه والى يومك هذا بترجمة هذه الأحاديث على أرض الواقع، حيث صار المسلمون يتعاهدون قبور الصالحين بالدعاء والزيارة وقراءة القرآن والصلاة وما إلى ذاك، فهاهم المسلمون في مصر يتقربون إلى الله عز وجل بزيارة مقام رأس سيد الشهداء ومقام السيدة زينب عليها السلام ومقام السيدة نفسية وغيرهم وهكذا في سوريا حيث مرقد السيدة زينب والسيدة رقية وفي الأردن جنب مقام جعفر الطيار وفي العراق حيث قبور الأئمة الطاهرين وقبور كأبي حنيفة النعمان وعبد القادر الگيلاني وغيرهم وهكذا في بقية مناطق العالم الإسلامي، ناهيك عن أداء فريضة الحج والعمرة وزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حيث يتدافع الملايين من الناس للتشرف بالنظر إلى قبره ولمسه والدعاء عنده.

ولقد كانت من جملة هذه المزارات العظيمة التي حظيت بعناية خاصة في


صفحه 91

رواياتنا الإسلامية هو مرقد سيد الشهداء عليه السلام لاسيما يوم الأربعين حيث يتقاطر المسلمون من كل حدب وصوب ومن داخل العراق وخارجه وعلى اختلاف ألسنتهم وألوانهم حباً وشوقاً بالحسين عليه السلام وبخط الحسين عليه السلام وحركته الشريفة المباركة، وقد حصلت من جراء هذه الزيارة العظيمة جملة من النعم المتنوعة وعلى مختلف الصعد عاشها المسلمون سابقاً ويعيشونها في هذا الوقت بالذات بعد أن تحولت هذه الشعيرة إلى ركن مهم من أركان الولاء والتفاعل مع الحسين عليه السلام وحركته.

وسوف نحاول أن نسلط الأضواء على جملة من هذه الفوائد الرئيسية على النحو التالي:


صفحه 92

الفوائد الاجتماعية

ومن أمثلة هذه الفوائد ما يلي:

1ـ الشعور بالأخوّة الإيمانية الموالية

يقول السيد محمد الشيرازي وهو يتحدث عن أبعاد القضية الاجتماعية وظروفها للإنسان من خلال مشاعر الأخوة الإنسانية والإيمانية التي يحملها في نفسه تجاه الآخرين: «الإنسان بفطرته مدني بالطبع وتميل نفسه إلى الاجتماعات والتآلف مع الآخرين والركون إلى الجماعة والاختلاف بها وهذا سبب تكوين المدنية وإنشاء المدن والمجتمعات الكبيرة. وهذا الميل عبارة عن غريزة فطرية موجودة في الإنسان الساعي سعياً دائباً مستمراً لإشباع غرائزه، فميله نحو التوطن ضمن مجموعة من الناس والعيش معهم عبارة عن إشباع لغريزته هذه وتكوين الأسرة أيضاً صورة أخرى من صور إشباع الغريزة الاجتماعية وغريزة الاجتماع تؤمن للإنسان حسن الألفة والاختلاط البشري ومنافع أخرى».


صفحه 93

ولا شك أن مثل هذه المشاعر الاجتماعية التي يشعر بها الإنسان تجاه أخيه الإنسان أيّاً كان، تزداد وتكبر في ظل أجواء الإيمان والعلاقات الدينية، ولاشك ولا ريب أن السائرين في درب الحسين عليه السلام يعيشون هذه الأحاسيس بأعلى صورها وأشكالها حيث الود والأمن والأمان والسلام وكلمات الأخوة المعبرة عن عمق القضية الإيمانية في نفوسهم، ومثل هذا الأمر مطلوب ومراد من قبل الشارع المقدس لأن فيه نمو وزيادة وتطور عُرى التآلف والمحبة فيما بين أبناء المسلمين فضلاً عن الموالين لأهل البيت عليهم السلام عليهم السلام.

وقد أشارت جملة من الروايات إلى ضرورة شعور المؤمن بأخوته الإيمانية للآخرين وسأذكر بعض هذه الروايات تيمناً وتبركاً وإلا فالروايات في هذه المجال كثيرة جداً منها:

أ) عن جابر الجعفي قال: تقبضت بين يدي أبي جعفر عليه السلام فقلت: جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي فقال: «نعم يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمن من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه فإذا أصاب روحاً من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت عليه هذه لأنّها منها»([119]).

ب) عن علي بن رئاب عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه

[119]الأصول من الكافي للكليني: 166.


صفحه 94

السلام يقول: «المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إن اشتكى شيئاً منه وجد ألم ذلك في سائر جسده وأرواحهما من روح واحدة: وإن روح المؤمن لأشد اتصالاً من اتصال شعاع الشمس بها»([120]).

ج) عن حفص بن البحتري قال: «كنت عند أبي عبد الله عليه السلام ودخل عليه رجل فقال لي: أتحبه؟ فقلت: نعم. فقال لي: ولم لا تحبه وهو أخوك وشريكك في دينك وعونك على عدوك ورزقه على غيرك»([121]).

2ـ الشعور بالإعزاز بالانتماء إلى الحسين عليه السلام

وأنت تسير إلى جانب الملايين من الناس متجهين إلى الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تشعر بالفخر والاعتزاز- بأنك تنتمي إلى المدرسة الربانية التي من أئمتها ومدرسيها أبو عبد الله الحسين عليه السلام،- وتنتابك مشاعر جليلة القدر تفقه من خلالها لماذا تمشي في هذا الطريق مبتهجاً؟ ولماذا ترفع الأقدام وتضعها سروراً؟، ولسان حالك مع الآخرين يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}([122]).

ولا شك ولا ريب أن مثل هذا الاهتداء نعمة كبيرة يتوجب على المؤمنين شكرها ليلاً ونهاراً بل وأن يبالغوا في شكر هذه النعمة، بأن خصَّهم

[120]الأصول من الكافي للكليني: 166.

[121]نفس المصدر.

[122]الأعراف/ 43.


صفحه 95

الله دون غيرهم أن صاروا من الحازنين على الحسين عليه السلام والباكين عليه والمواسين له بكل شيء والمتقربين إلى جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في مودة أهل بيته عليهم السلام كما أرادها يقول الله تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}([123]).

وقد نقل الهيثمي في مجمع الزوائد عن أحمد بن حنبل في مسنده وعن أبي يعلى والبزاز والطبراني وصرّح بأن رجال الحديث ثقات، في بكاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سيجري عليه وتألمه لذلك([124]).

وقد روى العلامة المجلسي في بحاره عن بعض المؤلفات لأحد ثقات معاصريه: «أنه لما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة عليها السلام بقتل الحسين عليه السلام وما يجري عليه من المحن بكت فاطمة عليها السلام بكاءً شديداً وقالت: يا أبت متى يكون ذلك؟ قال: في زمان خالٍ مني ومنك ومن عليّ عليه السلام فاشتد بكاؤها وقالت: يا أبت فمن يبكي عليه؟ ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن نساء أمتي يبكون على نساء أهل بيتي عليهم السلام ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي عليهم السلام ويجحدون العزاء جيلاً بعد جيل في كل سنة، فإذا كان يوم القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال وكل من بكى منهم على مصاب الحسين عليه السلام أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة»([125]).

[123]الشورى/ 23.

[124]انظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 187.

[125]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 44 / 292.


صفحه 96

3ـ التكافل الاجتماعي وزيارة الأربعين

ربما لا يحتاج المرء كثيراً للحديث عن الآثار العظيمة والكبيرة التي تتركها زيارة الأربعين لاسيما عند الماشين إلى الحسين عليه السلام، من تحويل قلوبهم - الخاشعة والخاضعة والمتيّمة بحب الله ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته - إلى قلوب ملؤها العزم والإرادة - وبأعلى صورها وأشكالها - لرفع مشاكل المؤمنين من زائري سيد الشهداء بل وحتى من غيرهم، والصور التي رأيناها بأم أعيننا جميعاً وسمعنا وقرأنا عنها كثيرة جداً بحيث تحتاج إلى دراسة خاصة مستقلة لجمع مفرداتها ودراستها والاستفادة منها.

فمع أن أعداد الزائرين قد وصلت إلى الملايين لاسيما في هذا العام (1435 هـ) حيث بلغت الأعداد إلى عشرين مليوناً حسب تصريحات رسمية لبعض المؤسسات، لم يكن هناك من ادعى من الزائرين أنه بقى بلا طعام أو شراب أو منام أو ما شاكل ذلك، بل أن بعض الزائرين كان يقول: إنّنا في مسيرة الحسين عليه السلام يوم الأربعين وقبل ذلك وبعده كنا نأكل ونشرب ونرتع بأنواع النعم والخيرات ما لم يتيسر لنا مثلها في سائر أيام وشهور السنّة.

ونتيجة لهذه الأموال التي يتم التبرع بها لزوار الحسين عليه السلام في مثل هذه المناسبة والسخاء المنقطع النظير فيها أنشئت مؤسسات خدمية ترعى شؤون المؤمنين المعوزين في نفس هذه الأيام العظيمة في شهر صفر وفي غيرها من خلال رعاية أيتامهم وتكفل بيوتات الفقراء منهم وإرسال المرضى إلى أماكن علاجية داخل وخارج العراق وتقديم المساعدات لهم وما إلى ذلك.