ولا ريب أن مثل هذا الأمر لم يكن لو لا هذه العواطف الجيّاشة التي يحملها الزائرون وهم يسيرون إلى أبي الأحرار تجاه عشاق الحسين عليه السلام ومحبيه والذين يعبر عنهم في روايات أهل البيت عليهم السلام أيتام آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في الرواية التي يرويها الطبرسي في الاحتجاج بإسناده عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام قال: حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أشد من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه، يتم يتيم انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى»([126]).
4ـ الشعور بالمساواة عند السائرين للحسين عليه السلام
وهذا الأمر نعيشه جميعاً حينما ننظر إلى يميننا وشمالنا ونحن نسير إلى الحسين عليه السلام، حين يكون معنا العالم المجتهد والخطيب البارع والطبيب المحب والمهندس والمدرس ورئيس القبيلة والفلاح والعامل وغيرهم كلهم سائرون في سمت وجهة واحدة على اختلاف أعمارهم وأجناسهم حيث الرجال والنساء والكهولة والشبيبة والطفولة يلهجون بكلمة واحدة «لبيك يا حسين».
لاشك أن هذا الشعور سوف يضفي على الإنسان الشعور بأهمية
[126]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 2 / 2.
إنسانيته، وأنّ الناس مهما تفاضلوا بالمال والجاه والمنزلة الاجتماعية وما إلى ذاك فإن التفاضل الحقيقي يبقى هو الإيمان الصحيح والعقيدة الحقة التي يحملها الإنسان في قلبه ومشاعره وبالتالي يمشي ويسير إلى جانب أخيه المؤمن أيّاً كان ماله ومنزلته وشهادته العلمية فيكون هو الثابت الباقي وكل ما عدا ذلك يكون زائلاً منتقلاً.
5ـ الظهور صفاً واحداً أمام أعداء الحسين عليه السلام
إذا كان الله عز وجل قد دعانا أن نقف صفاً واحداً أمام أعداء الإسلام بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ}([127])، فإن أبرز مظاهر ومصاديقِ هذا الصف المرصوص ما نراه من وقوف المؤمنين بعضهم إلى جانب بعض رجالهم ونسائهم وهم يسيرون إلى الحسين عليه السلام ولاشك أن مثل هذا التعبير يريد أن يشير إلى أن الجدار كما يصعب دفعه وكسره لأنه مكون من لبنات مفردة ولكنها متماسكة بقوة الاتحاد فيما بينها فاكتسبت قوة جديدة إلى قوتها: فهكذا الموالون السائرون إلى الحسين عليه السلام فهم كتلة واحدة لا يمكن ثنيها وتفتيتها لأنهم صاروا صفاً واحداً في حب الحسين عليه السلام كأنهم بنيان مرصوص وهذا هو سر من أسرار بقاء هذه الشعيرة عبر التاريخ رغم ما تعرضت له من ضربات شديدة من قبل الظالمين والناصبين، كما يصنعون في هذا العصر كآبائهم من خلال التفجيرات الإرهابية التي يتصورون جهلاً منهم أنهم قادرون من خلالها
[127]الصف/ 4.
على إنهاء هذه الظاهرة الربانية المؤيدة بكرامات الله ودماء المؤمنين.
6ـ تعارف الناس ولقاؤهم
لقد كانت واحدة، من جملة أهداف الإسلام التي سعى لها ودعى إليها هي التعارف بين الشعوب والقبائل ومد جسور التواصل النافع والتعاون على البر لا مع الموالفين فقط من المسلمين وحتى مع غيرهم ممن يخالفنا في الدين قال تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}([128])، وذلك ضمن هذا الهدف السامي والنبيل الذي أراده الله سبحانه وتعالى لبني البشر قاطبة حيث يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}([129])، وإذا كان الله عز وجل قد ندبنا إلى هذا الهدف الكبير وهو التعارف فإن من مصاديقه التي يمكن للإنسان أن يراه بشكل واضح وصريح هي هذه المسيرات المليونية للناس إلى الحسين عليه السلام، التي يتخللهم فيها أبناء البلد ومئات الآلاف من خارج البلد من العرب كالكويت والبحرين ولبنان وسوريا وغيرها ومن غير العرب كإيران وتركيا وباكستان وأفغانستان وغيرها. ناهيك عن دول شرق آسيا كاندنوسيا فضلاً عن أوربا وأمريكا واستراليا.
[128]سورة الممتحنة:8
[129]سورة الحجرات:13
ولو قُدِّر للعراق أن يعيش الأمان بعيداً عن الإرهاب والإجرام والقتل وآكلي لحوم البشر ومصاصي دمائهم باسم الدين وشريعة خاتم النبيين وكانت هناك خدمات يمكن أن تقدمها المؤسسات الحكومية بالشكل الذي يتناسب مع أعداد الزائرين للحسين عليه السلام.
أقول لو قُدّر للعراق أن يعيش كل ذلك ربما لا تجد لك موطئ قدم على ترابه من كثرة زوار الحسين عليه السلام، ولرأيت الملايين من الناس على اختلاف أجناسهم وخلفياتهم الحضارية تتقاطر على العراق وعلى كربلاء لتستمد من الحسين عليه السلام وثورته وحركته الدروس والعبر في مواجهة الحياة في كل أسكالها وصورها المرعبة التي نعيشها.
والحق يقال أن مثل هذه الملايين القادمة إلى العراق سوف تترك بصماتها على العراق من خلال التعارف واللقاءات وتبادل الخبرات والتجارب على مختلف المستويات ونكون بذلك قد حققنا من خلال هذه المسيرات الحسينية المباركة مطلباً مهماً من مطاليب الشريعة الغراء وهي قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}([130]).
[130]الحج/ 28.
الفوائد الاقتصادية
قد لا يجد المرء حرجاً في الحديث عن الفوائد الاقتصادية المترتبة على زيارة الأربعين المليونية بعد أن تحدث القرآن الكريم عن شعيرة الحج بقوله: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}([131])، وانطلاقاً من هذه الآية الكريمة التي أحلت لشرعية الجمع بين الشعيرة الروحية والعبادية والفوائد الدنيوية لاسيما المالية المترتبة عليها، نحاول أن نسلط الأضواء على أهمية المزارات الدينية لاسيما مراقد أئمة أهل البيت عليهم السلام بشكل عام ومرقد سيد الشهداء عليه السلام بشكل خاص.
وقبل أن نبدأ أود أن أشير إلى أن المزارات الدينية أو ما يعرف الآن بالسياحة الدينية قد أخذت أبعاداً كبيرة جداً لاسيما في هذه الفترة واهتمت بها الدول اهتماماً عظيماً وذلك لكثرة مردوداتها الإيجابية عليها، حتى صارت تمثل أكبر حركة سياحية منظمة في العالم، حيث تقدر سنوياً بما لا يقل عن مئات الملايين من السياح ومع واردات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات،
[131]الحج/ 28.
ولقد كان العراق وما زال واحداً من جملة أهم البلدان في العالم من حيث عدد السياح الدينيين إليه، لاسيما بعد سقوط النظام الصدامي البغيض، حتى أصبحت أعداد الزائرين إليه بالملايين سنوياً، ولئن كانت مدن العراق تعج بزائريها في بغداد وسامراء والنجف وكربلاء وغيرها فإن هذه الأعداد تجدها مضاعفة وبشكل كبير في زيارة الحسين عليه السلام لاسيما يوم الأربعين حيث المسيرة المليونية المباركة، ومن هنا كان لزاماً علينا أن نضع أيدينا على أهم الفوائد والمردوات الاقتصادية المترتبة على هذه الزيارات الدينية حتى يمكن الاهتمام بها وتطويرها ويمكن إجمال هذه الفوائد على النحو التالي:
1ـ توفير فرص العمل
كلما كان هناك زيادة في أعداد الزائرين كلما كانت هناك زيادة في عدد المشاريع السياحية في مختلف أشكالها وألوانها وبالتالي تحتاج مثل هذه المشاريع إلى أيدي عاملة تخلق لنا فرصاً جديدةً للعمل، ولا ريب أن الآثار المترتبة على زيادة فرص العمل وانخفاض معدل البطالة ستكون كبيرة جداً حيث تسهم في رفع المستوى المعيشي والرفاهي للفرد في داخل البلد.
ولو أردنا أن نضرب لذلك مثلاً، فإن أي زيادة في عدد الفنادق مع افتراض زيادة عدد السائحين سوف يترتب عليه زيادة الطلب على عدد الأسرة وملحقاتها وعلى الأدوات الصحية وسائر الخدمات وهذا بدوره سوف يدخل موردين جديدين، وبالتالي إنشاء مشروعات جديدة لتزويد الفنادق مثل هذه المستلزمات.
وعلى أساس ذلك فإن أثر هذا القطاع على زيادة العمالة وتقليل أعداد البطالة كبير جداً خصوصاً إذا علمنا بتداخل هذا القطاع السياحي الديني مع بقية القاعات الأخرى كالبناء والنقل والتغذية وغيرها.
2ـ زيادة رؤوس الأموال الأجنبية
ومثل هذه الأموال يمكن لنا أن نتلمسها بشكل واضح على أعداد الزائرين لاسيما في زيارة الأربعين، ومن المعروف أن طرق دخول هذه الأموال إلى البلد يتم من خلال ما يلي:
أ) تأشيرات الدخول للسياح إلى داخل البلد.
ب) رؤوس الأموال الأجنبية الداخلة من خلال الاستثمارات الخاصة بالسياحة الدينية.
ج) الاتفاق اليومي للسائحين.
د) فروق التحويلات للعملة.
هـ) إيرادات الفنادق والقطاعات السياحية الأخرى.
ولا شك أن كل ذلك سوف يشكل عاملاً مهماً في نمو وازدهار هذا القطاع بشكل خاص والبلد بشكل عام.
3ـ تنوع السلع التجارية وتطورها
تتطور السوق التجارية في ظل أجواء الزيارات العامة لائمة أهل البيت
عليهم السلام وزيارة الحسين عليه السلام بشكل خاص يوم الأربعين تبعاً لازدياد عدد الزائرين وتنوعهم سواء أكانوا من داخل البلد أو خارجه، فإنك سوف ترى ألواناً من السلع التجارية القادمة من خارج البلاد في شتى المجالات مما يفتح الأبواب أمام الناس في انتخاب الأحسن والأجمل منها وبأرخص الأسعار نتيجة التنافس الاقتصادي هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن هناك مجالاً واسعاً في تسويق المنتوجات الداخلية بشكل كبير فضلاً عن تطويرها وتحسينها بالشكل الذي ينسجم وتلبية متطلبات السوق المتنوعة في هذه الفترة لاسيما في زيارة الحسين عليه السلام حيث يرى الجميع بأم عينيه توزيع المنتوجات الحيوانية كاللحوم والمنتوجات الزراعية والنباتية كالخضار والفواكه والمنتوجات الصناعية كالألبسة والفرش والبطانيات وما شابه ذلك، وبشكل غير مسبوق وبكثرة ملفتة للنظر وبكرم يضرب به المثل، ومع أعداد الملايين من الزائرين الذين تتوزع عليهم كل الخدمات السابقة، لاشك سوف يدعو كل ذلك المزارعين لزيادة الإنتاج وتنشيط المراعي الحيوانية لسد حاجات السوق ناهيك عن الثلاجات والبرادات ووسائل التبريد أيام الصيف ووسائل التدفئة أيام الشتاء والبرد التي يحتاجها الناس بكثرة في تلك الفترة مضافاً إلى الهدايا والحاجيات التي يشتريها الزائرون من العراق ويأخذونها إلى بلدانهم.
كل ذلك يدعو إلى جعل السوق التجارية متحركة لأهميته ومتطورة لا متقوقعة ورابحة لا خاسرة وهذا بحد ذاته هدفٌ كبيرٌ تصرف من أجله الدول والحكومات الملايين بل المليارات من الدولارات للوصول إليه. وربما تكون