بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 98

إنسانيته، وأنّ الناس مهما تفاضلوا بالمال والجاه والمنزلة الاجتماعية وما إلى ذاك فإن التفاضل الحقيقي يبقى هو الإيمان الصحيح والعقيدة الحقة التي يحملها الإنسان في قلبه ومشاعره وبالتالي يمشي ويسير إلى جانب أخيه المؤمن أيّاً كان ماله ومنزلته وشهادته العلمية فيكون هو الثابت الباقي وكل ما عدا ذلك يكون زائلاً منتقلاً.

5ـ الظهور صفاً واحداً أمام أعداء الحسين عليه السلام

إذا كان الله عز وجل قد دعانا أن نقف صفاً واحداً أمام أعداء الإسلام بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ}([127])، فإن أبرز مظاهر ومصاديقِ هذا الصف المرصوص ما نراه من وقوف المؤمنين بعضهم إلى جانب بعض رجالهم ونسائهم وهم يسيرون إلى الحسين عليه السلام ولاشك أن مثل هذا التعبير يريد أن يشير إلى أن الجدار كما يصعب دفعه وكسره لأنه مكون من لبنات مفردة ولكنها متماسكة بقوة الاتحاد فيما بينها فاكتسبت قوة جديدة إلى قوتها: فهكذا الموالون السائرون إلى الحسين عليه السلام فهم كتلة واحدة لا يمكن ثنيها وتفتيتها لأنهم صاروا صفاً واحداً في حب الحسين عليه السلام كأنهم بنيان مرصوص وهذا هو سر من أسرار بقاء هذه الشعيرة عبر التاريخ رغم ما تعرضت له من ضربات شديدة من قبل الظالمين والناصبين، كما يصنعون في هذا العصر كآبائهم من خلال التفجيرات الإرهابية التي يتصورون جهلاً منهم أنهم قادرون من خلالها

[127]الصف/ 4.


صفحه 99

على إنهاء هذه الظاهرة الربانية المؤيدة بكرامات الله ودماء المؤمنين.

6ـ تعارف الناس ولقاؤهم

لقد كانت واحدة، من جملة أهداف الإسلام التي سعى لها ودعى إليها هي التعارف بين الشعوب والقبائل ومد جسور التواصل النافع والتعاون على البر لا مع الموالفين فقط من المسلمين وحتى مع غيرهم ممن يخالفنا في الدين قال تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}([128])، وذلك ضمن هذا الهدف السامي والنبيل الذي أراده الله سبحانه وتعالى لبني البشر قاطبة حيث يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}([129])، وإذا كان الله عز وجل قد ندبنا إلى هذا الهدف الكبير وهو التعارف فإن من مصاديقه التي يمكن للإنسان أن يراه بشكل واضح وصريح هي هذه المسيرات المليونية للناس إلى الحسين عليه السلام، التي يتخللهم فيها أبناء البلد ومئات الآلاف من خارج البلد من العرب كالكويت والبحرين ولبنان وسوريا وغيرها ومن غير العرب كإيران وتركيا وباكستان وأفغانستان وغيرها. ناهيك عن دول شرق آسيا كاندنوسيا فضلاً عن أوربا وأمريكا واستراليا.

[128]سورة الممتحنة:8

[129]سورة الحجرات:13


صفحه 100

ولو قُدِّر للعراق أن يعيش الأمان بعيداً عن الإرهاب والإجرام والقتل وآكلي لحوم البشر ومصاصي دمائهم باسم الدين وشريعة خاتم النبيين وكانت هناك خدمات يمكن أن تقدمها المؤسسات الحكومية بالشكل الذي يتناسب مع أعداد الزائرين للحسين عليه السلام.

أقول لو قُدّر للعراق أن يعيش كل ذلك ربما لا تجد لك موطئ قدم على ترابه من كثرة زوار الحسين عليه السلام، ولرأيت الملايين من الناس على اختلاف أجناسهم وخلفياتهم الحضارية تتقاطر على العراق وعلى كربلاء لتستمد من الحسين عليه السلام وثورته وحركته الدروس والعبر في مواجهة الحياة في كل أسكالها وصورها المرعبة التي نعيشها.

والحق يقال أن مثل هذه الملايين القادمة إلى العراق سوف تترك بصماتها على العراق من خلال التعارف واللقاءات وتبادل الخبرات والتجارب على مختلف المستويات ونكون بذلك قد حققنا من خلال هذه المسيرات الحسينية المباركة مطلباً مهماً من مطاليب الشريعة الغراء وهي قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}([130]).

[130]الحج/ 28.


صفحه 101

الفوائد الاقتصادية

قد لا يجد المرء حرجاً في الحديث عن الفوائد الاقتصادية المترتبة على زيارة الأربعين المليونية بعد أن تحدث القرآن الكريم عن شعيرة الحج بقوله: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}([131])، وانطلاقاً من هذه الآية الكريمة التي أحلت لشرعية الجمع بين الشعيرة الروحية والعبادية والفوائد الدنيوية لاسيما المالية المترتبة عليها، نحاول أن نسلط الأضواء على أهمية المزارات الدينية لاسيما مراقد أئمة أهل البيت عليهم السلام بشكل عام ومرقد سيد الشهداء عليه السلام بشكل خاص.

وقبل أن نبدأ أود أن أشير إلى أن المزارات الدينية أو ما يعرف الآن بالسياحة الدينية قد أخذت أبعاداً كبيرة جداً لاسيما في هذه الفترة واهتمت بها الدول اهتماماً عظيماً وذلك لكثرة مردوداتها الإيجابية عليها، حتى صارت تمثل أكبر حركة سياحية منظمة في العالم، حيث تقدر سنوياً بما لا يقل عن مئات الملايين من السياح ومع واردات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات،

[131]الحج/ 28.


صفحه 102

ولقد كان العراق وما زال واحداً من جملة أهم البلدان في العالم من حيث عدد السياح الدينيين إليه، لاسيما بعد سقوط النظام الصدامي البغيض، حتى أصبحت أعداد الزائرين إليه بالملايين سنوياً، ولئن كانت مدن العراق تعج بزائريها في بغداد وسامراء والنجف وكربلاء وغيرها فإن هذه الأعداد تجدها مضاعفة وبشكل كبير في زيارة الحسين عليه السلام لاسيما يوم الأربعين حيث المسيرة المليونية المباركة، ومن هنا كان لزاماً علينا أن نضع أيدينا على أهم الفوائد والمردوات الاقتصادية المترتبة على هذه الزيارات الدينية حتى يمكن الاهتمام بها وتطويرها ويمكن إجمال هذه الفوائد على النحو التالي:

1ـ توفير فرص العمل

كلما كان هناك زيادة في أعداد الزائرين كلما كانت هناك زيادة في عدد المشاريع السياحية في مختلف أشكالها وألوانها وبالتالي تحتاج مثل هذه المشاريع إلى أيدي عاملة تخلق لنا فرصاً جديدةً للعمل، ولا ريب أن الآثار المترتبة على زيادة فرص العمل وانخفاض معدل البطالة ستكون كبيرة جداً حيث تسهم في رفع المستوى المعيشي والرفاهي للفرد في داخل البلد.

ولو أردنا أن نضرب لذلك مثلاً، فإن أي زيادة في عدد الفنادق مع افتراض زيادة عدد السائحين سوف يترتب عليه زيادة الطلب على عدد الأسرة وملحقاتها وعلى الأدوات الصحية وسائر الخدمات وهذا بدوره سوف يدخل موردين جديدين، وبالتالي إنشاء مشروعات جديدة لتزويد الفنادق مثل هذه المستلزمات.


صفحه 103

وعلى أساس ذلك فإن أثر هذا القطاع على زيادة العمالة وتقليل أعداد البطالة كبير جداً خصوصاً إذا علمنا بتداخل هذا القطاع السياحي الديني مع بقية القاعات الأخرى كالبناء والنقل والتغذية وغيرها.

2ـ زيادة رؤوس الأموال الأجنبية

ومثل هذه الأموال يمكن لنا أن نتلمسها بشكل واضح على أعداد الزائرين لاسيما في زيارة الأربعين، ومن المعروف أن طرق دخول هذه الأموال إلى البلد يتم من خلال ما يلي:

أ) تأشيرات الدخول للسياح إلى داخل البلد.

ب) رؤوس الأموال الأجنبية الداخلة من خلال الاستثمارات الخاصة بالسياحة الدينية.

ج) الاتفاق اليومي للسائحين.

د) فروق التحويلات للعملة.

هـ) إيرادات الفنادق والقطاعات السياحية الأخرى.

ولا شك أن كل ذلك سوف يشكل عاملاً مهماً في نمو وازدهار هذا القطاع بشكل خاص والبلد بشكل عام.

3ـ تنوع السلع التجارية وتطورها

تتطور السوق التجارية في ظل أجواء الزيارات العامة لائمة أهل البيت


صفحه 104

عليهم السلام وزيارة الحسين عليه السلام بشكل خاص يوم الأربعين تبعاً لازدياد عدد الزائرين وتنوعهم سواء أكانوا من داخل البلد أو خارجه، فإنك سوف ترى ألواناً من السلع التجارية القادمة من خارج البلاد في شتى المجالات مما يفتح الأبواب أمام الناس في انتخاب الأحسن والأجمل منها وبأرخص الأسعار نتيجة التنافس الاقتصادي هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن هناك مجالاً واسعاً في تسويق المنتوجات الداخلية بشكل كبير فضلاً عن تطويرها وتحسينها بالشكل الذي ينسجم وتلبية متطلبات السوق المتنوعة في هذه الفترة لاسيما في زيارة الحسين عليه السلام حيث يرى الجميع بأم عينيه توزيع المنتوجات الحيوانية كاللحوم والمنتوجات الزراعية والنباتية كالخضار والفواكه والمنتوجات الصناعية كالألبسة والفرش والبطانيات وما شابه ذلك، وبشكل غير مسبوق وبكثرة ملفتة للنظر وبكرم يضرب به المثل، ومع أعداد الملايين من الزائرين الذين تتوزع عليهم كل الخدمات السابقة، لاشك سوف يدعو كل ذلك المزارعين لزيادة الإنتاج وتنشيط المراعي الحيوانية لسد حاجات السوق ناهيك عن الثلاجات والبرادات ووسائل التبريد أيام الصيف ووسائل التدفئة أيام الشتاء والبرد التي يحتاجها الناس بكثرة في تلك الفترة مضافاً إلى الهدايا والحاجيات التي يشتريها الزائرون من العراق ويأخذونها إلى بلدانهم.

كل ذلك يدعو إلى جعل السوق التجارية متحركة لأهميته ومتطورة لا متقوقعة ورابحة لا خاسرة وهذا بحد ذاته هدفٌ كبيرٌ تصرف من أجله الدول والحكومات الملايين بل المليارات من الدولارات للوصول إليه. وربما تكون


صفحه 105

علامة من علامات هذا السوق المتحرك بالملايين من الزوار هو اكتظاظ مطارات العراق لاسيما النجف الأشرف بالعشرات من شركات الطيران العالمية التي ما كانت لتصل إلى هذا البلد في ظل أوضاعه المشاهدة لو لا هذه الأعداد المباركة من الزائرين لعتباته المقدسة لاسيما سيد الشهداء عليه السلام في يوم الأربعين.

وأخيراً نقول: أن كثيراً من دول العالم تعتمد على السياحة والسائحين كمصدر مهم من مصادر الدخل القومي والوطني حين استطاعت أن تحصل على عائدات كبيرة من هذا الجانب الحيوي كما يحصل في الولايات المتحدة وعموم الدول الأوربية والغربية لاسيما المستقطبة للسياح أكثر، وكمثال على ذلك الأثر لاسيما الاقتصادي على الناس ما ذكره المجلس العالمي للسياحة والسفر في تقاريره حيث تم إيجاد أكثر من مليون فرصة عمل بشكل مباشر وغير مباشر في جميع أنحاء العالم، إضافة إلى العملات الأجنبية لاسيما إنفاق السائح والزائر على السلع والخدمات وهذا الأمر مما يمكن البلد من استيراد السلع وأيضاً عاملٌ من عوامل إسناد العملة المحلية.