بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 9

التمهيد

وقبل أن ندخل في موضوع دراستنا أود أن أشير إلى نقطتين أساسيتين:

النقطة الأولى: التفريق بين استحباب زيارة الأربعين ورجوع السبايا

وهذه النقطة مهمة للغاية في الحديث عن كل من هذين الأمرين حيث أن منهج إثبات الحكم الشرعي بأنواعه الخمسة - من وجوب وحرمة واستحباب وكراهة وإباحة - مختلف بشكل كبير عن منهج إثبات القضايا التاريخية، وذلك لأن البحث في الأحكام الشرعية وأدلتها من الآيات والروايات إنما يراد منها أن تنتهي إلى التعذير أو التنجيز، وبعبارة أخرى أكثر وضوحاً، يراد من البحث الفقهي أن ينتهي إلى أن مثل هذا الأمر، هل هو واجب ملزم أولا؟ وبالتالي تثبت العقوبة بمخالفته أو أنه ليس كذلك.

ومن هنا تجد أن الفقهاء يتشددون دائماً في هذا الطريق حتى لا ينسبوا إلى الله جل وعلا ما ليس له وبالتالي يكونون مصداقاً لقول الله تعالى: {قُلْ


صفحه 10

أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}([2]).

ومثل هذا التشدد لا يوجد في إثبات القضايا التاريخية، وعليه فإن من الخطأ الفادح أن يأتي البعض ويحاول أن يسأل عن صحة الرواية أو عدم صحتها في المسائل التاريخية، وهذا لاشك لا يعني بالضرورة، أننا نقبل كل ما كتبه المؤرخون ونتساهل في تصحيح الأحداث التاريخية لمجرد ذكرهم لها، وفي عين الوقت لا يعني ذلك أننا نرفض كل هذه الأحداث والمواقف التاريخية لأنها لم تكن روايتها مسندة وصحيحه على وفق المبنى الفقهي في التعامل مع الروايات.

فلربما كانت عندنا مثلاً عشرون رواية تتحدث عن قضية وحادثة تاريخية معينة وكل واحدة من هذه الروايات العشرين ضعيفة من حيث المستند الفقهي فهي أما تحتوي على رواة مجاهيل أو أنها مرسلة أو ما شاكل ذلك من الآفات التي قد تعترض الأخذ بالرواية من حيث السند، ولكنها في الوقت نفسه تمثل كل واحدة منها في باب تراكم القرائن واحتمالاتها درجة ضعيفة فإذا انضمت إليها الرواية الثانية أصحبت الدرجة الاحتمالية أكبر وهكذا حتى يتصاعد عندنا الكم التراكمي من القرائن والاحتمالات فنقبل حدثاً أو نرفضه وفقاً لتلك المعطيات التي قدمتها لنا هذه الروايات العشرون حتى وإن كانت من حيث السند ضعيفة.

ومثل هذا المنهج هو منهج عقلائي متبع في كثير من القضايا التي يعيشها

[2]يونس/ 59.


صفحه 11

الناس لاسيما في أقسام الجرائم والجنايات ومحققيها، فإنهم لا يتركون كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالجريمة إلا وحفظوها وتمسكوا بها مهما كانت ضعيفة في نفسها ولا تثبت بنفسها أن تكون دليلاً مستقلاً ومع ذلك تبقى على مستوى تجميع القرائن والاحتمالات تمثل عنصراً مهماً يستعان به في رفع شبهة الاحتمالات أو تضعيفها، ولذلك تراهم يحفظون كل شاردة وواردة وكل جليل ودقيق فلربما كانت واحدة منها رأس الخيط كما يقال الذي ينفتح منه باب الحقيقة المجهولة. وعلى أساس ذلك لا يمكن لنا أن نضيع ونهمل التراث والكتب التاريخية وما حوته من مواقف وأحداث مهمة لأنها لم تكن صحيحة السند مثلاً، لاسيما في قضية الحسين عليه السلام ومقتله وما ناله ونال أهل بيته وأنصاره ونساءهم بعد ذلك من السبي وما رافقه من المصائب العظمى والكبرى.

وعلى وفق ما ذكرنا كانت كلمات العلماء تصب في نفس هذه الرؤية والمنهج الذي ذكرناه حيث كانوا يتشددون في الأحكام ولكنهم في الوقت نفسه يتساهلون في غيرها وبالتالي لا يضيعون من قضايا التاريخ شيئاً.

يقول الشهيد الثاني: جوز الأكثر العمل بالضعيف في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال لا في صفات الله والحلال والحرام وهو حسن حيث لا يبلغ حد الوضع والاختلاف لما اشتهر بين العلماء من التساهل بأدلة السنن...) ([3]).

[3]الرعاية: ص76.


صفحه 12

وعلى أساس ما تقدم وحتى يكون البحث موضوعياً وعلمياً لابد لنا أن نفرق بين الأمرين معا.

بين أن نبحث يوم الأربعين كحدث تاريخي جرى وحصل فيه رجوع أهل البيت عليهم السلام من الشام إلى كربلاء وملاقاة جابر بن عبد الله الأنصاري.

وبين أن نبحث في يوم الأربعين عن استحباب زيارة الإمام الحسين عليه السلام فيه- بغض النظر عن ثبوت أو عدم ثبوت مجي أهل البيت عليهم السلام إلى كربلاء - ومن ثم شرعية ورجحان المشي إليه في هذه الزيارة.

ولا شك أن منهجنا في الأمر الأول سوف يختلف تماماً وبشكل كامل عن المنهج في الأمر الثاني.

حيث لا يمكن للمنهج الفقهي أن يتحرك في إطار الأحداث التاريخية إثباتاً ونفياً، ولا يمكن في الوقت نفسه أن يتحرك المنهج التاريخي في إطار الحكم الشرعي، وبالتالي نسبة هذه الأحكام المنتجة إلى الله سبحانه وتعالى.

النقطة الثانية: ورود العدد (أربعين) في النصوص الإسلامية عامة والحسينية خاصة

لاشك ولا ريب أن هناك مجموعة من الأعداد ورد ذكرها في النصوص الإسلامية أكثر من مرة، كالعدد (100) و(70) و(40) و(33) و(34) ومما لا ريب ولاشك فيه أنّه لم يقل أحد من المسلمين أياً كان مذهبه ومشربه إنّ هذه الأعداد وردت على وجه الصدفة واللاقصد، وبالتالي لابد أن تكون هذه


صفحه 13

الأعداد تحمل في نفسها أسراراً وخفايا وحكماً قد يتبين لنا منها شيء وتخفى علينا منها أشياء.

ومن هذه الأعداد التي تم التأكيد عليها في النصوص الإسلامية قرآناً وسنةً هو العدد (40) حيث تحدث عنه القرآن الكريم في أربعة مواضع وهي:

1. في قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}([4]).

2. في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}([5]).

3. في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ}([6]).

4. في قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ}([7]).

وأما الروايات فقد حفلت كتب السنّة والشيعة بعشرات الروايات وهي تتحدث عن هذا العدد في مختلف المجالات العباديّة وغيرها، وسأكتفي بذكر بعض هذه الروايات مثالاً لا حصراً منها:

1ـ ما ورد في حفظ أربعين حديثاً

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من حفظ من أمتي أربعين حديثاً ينتفعون به بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً»([8]).

[4]البقرة/ 52.

[5]الأعراف/142.

[6]الأحقاف/ 15.

[7]المائدة/ 26.

[8]الكافي للكليني: 1 / 49، كنز العمال: 10/ 158.


صفحه 14

2ـ ما ورد في توبة العبد عند الأربعين

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب مسح الشيطان بيده ووجهه وقال: بأبي وجه لا يفلح»([9]).

3ـ ما ورد في استجابة الدعاء إذا كان الداعي أربعين رجلاً

قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «ما من رهط أربعين رجلاً اجتمعوا فدعوا الله عز وجل في أمرٍ إلا استجاب لهم، فإن لم يكونوا أربعين فأربعة يدعون الله عز وجل عشر مرات إلا استجاب الله لهم، فإن لم يكونوا أربعة فواحد يدعوا الله أربعين مرة فيستجيب الله العزيز الجبار له»([10]).

4ـ ما ورد في حضور أربعين مؤمناً على الجنازة

قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «إذا مات المؤمن، فحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين وقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً وأنت أعلم به منا قال الله تبارك وتعالى: قد أجزت شهادتكم وغفرت له ما علمت مما لا تعلمون»([11]).

وما إلى ذاك من الروايات الكثيرة التي رواها المسلمون في مصنفاتهم.

وأما فيما يتعلق بالحسين عليه السلام، فقد وردت كلمة «الأربعين» في الروايات الكثيرة عن أهل البيت عليهم السلام حيث ربطت بين العدد أربعين

[9]طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: 1/ 331.

[10]وسائل الشيعة العاملي: 7/ 103 - 104.

[11]من لا يحضره الفقيه للكليني: 1/ 165.


صفحه 15

وبين مصائب الحسين عليه السلام وأحزانه، وسأذكر طرفاً من هذه الروايات للمثال لا للحصر، فمنها:

1ـ ما ورد في نضوب الماء عند قبر الحسين عليه السلام بعد أربعين يوماً

روى ابن كثير في البداية والنهاية: «أن الماء لمّا أجري على قبر الحسين عليه السلام ليُمحى أثره نضب([12]) الماء بعد أربعين يوماً، فجاء أعرابي من بني أسد، فجعل يأخذ قبضةً قبضةً ويشمها حتى وقع على قبر الحسين عليه السلام فبكى وقال: بأبي أنت وأمي ما أطيبك وأطيب تربتك ثم أنشد يقول:

أرادوا ليخفوا قبره محبيه قبره عن محبيه

وطيب تراب القبر دلَّ على القبر([13])

2ـ ما ورد في بكاء السماء والأرض وغيرها أربعين صباحاً على الحسين عليه السلام

عن زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «يا زرارة إن السماء بكت على الحسين عليه السلام أربعين صباحاً بالدم، وأن الأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد، وأن الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة، وأن الجبال تقطعت وانتشرت، وأن الجبال تفجرت، وأن الملائكة بكت أربعين صباحاً

[12]نضب الماء ينضب، بالضم، نضوباً ونضب إذا ذهب في الأرض وفي المحكم: غار وبعد. لسان العرب: 14/ مادة نضب.

[13]البداية والنهاية لابن كثير: 8/ 205.


صفحه 16

على الحسين عليه السلام، وما اختضبت منا امرأة ولا أدهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد، وما زلنا في عبرة بعده، ومازلنا في عبرة بعده، وكان جدي إذا ذكره بكى حتى تملأ دموعه لحيته وحتى يبكي لبكائه رحمة له مَنْ رآه، وأن الملائكة عند قبره ليبكوه فيبكي لبكائهم كل من في الهواء والسماء من الملائكة...»([14]).

3ـ ما ورد أن من علامات المؤمن زيارة الأربعين

قال الإمام الحسن العسكري: «علامات المؤمن خمس: صلاة أحدى وخمسين وزيارة الأربعين والتختم باليمين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم»([15]).

4ـ المدة الفاصلة بين أول أيام الحج الذي تركه الحسين عليه السلام وتوجه إلى كربلاء وبين اليوم العاشر من محرم وهو يوم شهادته عليه السلام، أربعون يوماً

5ـ المدة الفاصلة بين يوم شهادة الحسين عليه السلام في العاشر من محرم وبين يوم عودة السبايا من الشام إلى كربلاء على المشهور هو أربعون يوماً

وهناك أكثر من هذه النقاط الخمس أعرضنا عنها اختصاراً.

[14]كامل الزيارات لابن قولويه: 81/ باب 26/ ح6.

[15]بحار الأنوار للعلامة المجلسي: 98/ 329.