قال (ربيعة): ثم أني سكَتُّ. قال حذيفة: ما يمنعك من ذكر الطائفة الاخرى؟
فقلت: أنا منهم وأنا رسولهم اليك وقد عاهدُوا الله لا يخالفونك وأن يَنزلوُا عند قولك.
قال: فقال: يا رَبيعة اسمعَ مني واحفظ واروهِ وابلغ الناس عني، اني رأيت رسُول الله (صلى الله عليه وآله) وسمعته أُذناي وهو آخذ الحسين بن علي على منكبه الايمن، وجعل الحسين يغرز عقبه في سرّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرأيتُ كفّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) المباركة الزكية قد وَضَعها على ظهر قدم الحسين يغمزها في سرّة نفسه كيلا ينتهر ولا ينقطع نفسه، ثم قال: يا ايها الناس ان من استكمال حُجتي على الاشقياء من أمتي ان التاركين ولاية علي بن أبي طالب هم الخارجون من ديني فلا أعرفنّهم تختلِقون الاخبار من بَعدي.
ثم قال: هذا الحسين خير الناس جدّاً وخير الناس جدّة، جدّه رسول الله وجَدَّته خديجة سابقة نساء أمتي الى الايمان بالله.
هذا الحسين خيرُ الناس أباً وخيرُ الناس أُمّاً، أمّا أبوُه فعليٌّ أخو رسول الله ووزيره وابن عمِّه، وأُمُه فاطمة سيّدة نساء أهل الجنة من الأولين والآخرين.
وهذا الحسين بن علي أخيَرُ الناس عمّاً وأخيَرُ الناس عمّة، عمُّهُ جعفر بن ابى طالب المزين بالجناحين يطير بهما مع الملائكة حيث شاء وعمّتُه أُمّ هانىء بنت أبي طالب.
وهذا الحسين أخيَرُ الناس خالا وأخيرُ الناس خالة، خالهُ القاسم بن رسول الله وخالته زينب ابنة رسول الله، ثم وضعه على منكبه، فدرَجَ بين يديه.
ثم قال: ايها الناس هذا الحسين بن علي، جدّه في الجنة، وجدّته في الجنة،
وأبوه في الجنة وامّه في الجنة وعمّه في الجنة وخاله في الجنة وخالته في الجنة وأخوه في الجنة.
ثم قال: يا ايّها الناس، انه لم يُعط أحَدٌ من ورثة الانبياء المرسلين ما أعطي الحسين بن علي ما خلا يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم، فلا تخالجكم الامور في ان الفضل والشرف والمنزلة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولذُرّيته وأهل بيته فلا يُذهبن بكم الاباطيل.
(42)وروى الحافظ ابن حجر في «الصواعق المحرقة» قال: أخرج الديلمي عن عائشة ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
«خير أخوتي علي وخير أعمامي حمزة»[486].
(43)روى المفيد في «الاختصاص» باسناده عن مهران الجمال عن أبي عبدالله (صلى الله عليه وآله) قال: قال لي يا صفوان هل تدري كم بعث الله من نبي؟ قال: قلت: ما أدري، قال: بعث الله مائة الف نبي واربعة أربعين ألف نبي ومثلهم أوصياء بصدق الحديث وأداء الامانة والزهد في الدنيا وما بعث الله نبيّاً خيراً من محمد (صلى الله عليه وآله) ولا وصياً خيراً من وصيّه[487]
[486]( 1) الصواعق المحرقة: ص 124 ح 28 ط. 2
[487]( 2) الاختصاص: ص 263
الفصل الحادي والاربعون «الرضا (عليه السلام): اصطفاء العترة الطاهرة باثنى عشر منقبة على الامة»
روى الشيخ الصدوق أعلا الله مقامه في العيون باسناده عن الريان بن الصلت قال:- واللفظ له- قال: حدّثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدّب وجعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنهما قالا: باسنادهما عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه، عن الريّان بن الصلت قال:
حضر الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون بمروَ وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان، فقال المأمون:
أخبروني عن معنى هذه الآية: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)؟ فقالت العلماء: اراد الله عزّ وجل بذلك الامة كلها.
فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسَن؟
فقال الرضا (عليه السلام): لا أقول كما قالوا، ولكني أقول: أراد الله عزّ وجلّ بذلك العترة الطاهرة.
فقال المأمون: وكيف عنى العترة من دون الامة؟ فقال له الرضا (عليه السلام): انه لو اراد الامة لكانت أجمعها في الجنة لقول الله عزّ وجلّ: (فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير) ثم جمعهم كلهم في الجنة فقال عزّ وجلّ: (جنّاتُ عدن يَدخلُونها يُحلّون
فيها من اساوِرَ من ذهب) الآية فصَارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم.
فقال المأمون: مَن العترة الطاهرة.
فقال الرضا (عليه السلام): الذينَ وصفهم الله في كتابه فقال عزّ وجلّ: (إنّما يُريدُ الله ليذهبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً) وهُم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني مُخلِّفُ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي الا وانهما لَنْ يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، ايّها الناس لا تُعلّمُوهم فانهم أعلمُ منكم.
قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة أهُم الآل أم غير الآل؟
فقال الرضا (عليه السلام) هُم الآل.
فقالت العلماء: فهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُؤثر عنه انه قال: أُمتي آلي وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفاض الذي لا يمكن دفعه: آل محمد أمته.
فقال أبو الحسن (عليه السلام): أخبروني فهل تحرم الصدقة على الآل؟
فقالوا: نعم، فقال: فتَحرمُ على الامة؟ قالوا: لا.
قال: هذا فرقٌ بين الآل والامة، ويْحَكُم اين يُذهبُ بكم، أضَرَبتُم عن الذِكر صَفحاً أم أنتم قوم مسرفون، أما علمتم أنه وقعت الوراثة والطهارة على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟
قالوا: ومن أين يا أبا الحسن؟
فقال: من قول الله عزّ وجلّ: (ولَقَد أرْسَلنا نُوحاً وابراهيم وجَعلنا في ذرِّيَّتهما النبوة والكتابَ فمنهم مُهتد وكثيرٌ منهم فاسِقُون) فصارت وراثة النبوة والكتاب للمهتدين دون الفاسقين، اما علمتم ان نوحاً حين سألَ رَبّه عزّ وجلّ:
(فقَال ربِّ ان ابني من أهلي وان وعدَكَ الحقّ وأنتَ أحكمُ الحاكمين) وذلك ان الله عزّ وجلّ وَعَدَهُ أن يُنجيه وأهله، فقال ربُّه عزّ وجلّ: (يا نوح انه عمل غير صالح فلا تسئلنْ ما ليسَ لك به علم اني أعظُك أن تكون من الجاهلين).
فقال المأمون: هل فضل الله العترة على سائر الناس؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام): ان الله عزّ وجلّ أبان فضل العترة على سائر الناس في مُحكم كتابه.
فقال له المأمون: واين ذلك من كتاب الله؟
فقال له الرضا (عليه السلام): في قول الله عزّ وجلّ: (ان الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين* ذُرِّية بعضها من بعض والله سميعٌ عليمٌ) وقال عزّ وجلّ في موضع آخر: (أم يحسدون الناس على ما آتيهُم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم مُلكاً كبيراً) ثمّ ردّ المخاطبة في أثر هذه الى ساير المؤمنين فقال: (يا أيُّها الذين آمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسُول وأولي الامر منكم) يعني الذين قَرنهم بالكتاب والحكمة وحُسدُوا عليهما فقوله عزّ وجلّ: (أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم مُلكاً عظيماً) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين، فالمُلك ههنا الطاعة لهم.
فقالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر الله عزّ وجلّ الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرضا (عليه السلام): فَسّر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثنا عشر موطناً ومَوضعاً.
فأوّل ذلك: قوله عزّ وجلّ: (وانذر عشيرتك الاقربين ورهطك المخلصين)
هكذا في قرائة ابي بن كعب وهي ثابتة في مصحف عبد الله بن مسعود، وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عزّ وجلّ بذلك الانذار فذكره لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذه واحدة.
والآية الثانية في الاصطفاء قوله عزّ وجلّ: (إنّما يريد الله لِيذهب عنكم الرجس أهل البيت ويُطهِّركم تطهيراً) وهذا الفضل الذي لا يجهله أحدٌ الا معاند ضال، لانه فضل بعد طهارة تنتظر فهذه الثانية.
وأما الثالثة فحين ميّز الله الطاهرين من خلقه فأمر نبيّه بالمباهلة بهم في آية الابتهال فقال عزّ وجلّ: يا محمد (فمن حاجّك فيه منْ بعد ما جائك من العلم فقل تعَالوا نَدعُ ابنائنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فبَرز النبي (صلى الله عليه وآله) عليّاً والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم وقرَنَ أنفُسَهُم بنفسه، فهل تدرون ما معنى قوله: (وانفسنا وانفسكم)؟
قالت العلماء: عنى به نفسه.
فقال أبو الحسن (عليه السلام): لقد غلطتم انما عنى بها علي بن أبي طالب (عليه السلام). ومما يدَلُّ على ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله) حين قال: ليَنْتَهَينّ بنو وليعة أو لابعَثَنّ اليهم رجلا كنفسي يعني علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعنى بالابناء الحسن والحسين (عليهما السلام)، وعنى بالنساء فاطمة (عليها السلام) فهذه خصوصية لا يتقدّمهم فيها أحد وفضلٌ لا يلحقهم فيه بشر وشرف لا يسبقهم اليه خلق اذ جعل نفس علي (عليه السلام) كنفسه، فهذه الثالثة.
واما الرابعة: فاخراجه (صلى الله عليه وآله) الناس من مسجده ما خلا العترة حتى تكلّم الناس في ذلك، وتكلّم العباس قال: يا رسول الله تركت علياً وأخرجتنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنا تركتُهُ وأخرجتُكم ولكن الله عزّ وجلّ تركه وأخرجكم، وفي
هذا تبيان قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): «انت مني بمنزلة هارون من موسى».
فقال العلماء: وأين هذا من القرآن؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام): أوجدكم في ذلك قرآناً وأقرأه عليكم؟
فقالوا: هات.
قال: قول الله عزّ وجلّ: (وأوحينا الى موسى وأخيه أن تبوّءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة) ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى، وفيها أيضاً منزلة علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومع هذا دليل واضح في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قال: الا ان هذا المسجد لا يَحلُّ لجُنب الا لمحمد (صلى الله عليه وآله) وآله.
قالت العلماء: يا ابا الحسن هذا الشرح وهذا البيان لا يوجد الا عندكم معاشر أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال: ومَن ينكر لنا ذلك ورسول الله يقول: «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمَن أراد المدينة فَليأتها من بابها؟ ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا ينكره الا مُعاند والله عزّ وجلّ والحمد على ذلك- فهذه الرابعة.
والآية الخامسة قول الله عزّ وجلّ: (وآتِ ذا القُربى حقّهُ) خصوصية خصّهم الله العزيز الجبار بها واصطفاهم على الأمة، فلما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ادعوا لي فاطمة، فدُعيت له فقال: يا فاطمة قالت: لبيك يا رسول الله، فقال: هذه فَدَك مما هي لم يُوجَف عليه بالخيل ولا ركاب وهي لي خاصة دون المسلمين وقد جعلتها لكِ لما أمرني الله تعالى به فخُذيها لكِ ولولدك فهذه الخامسة.
والآية السادسة: قول الله عزّ وجلّ: (قُل لا أسألكم عليه أجراً الا المودّة في القربى) وهذه خصوصية للنبي (صلى الله عليه وآله) الى يوم القيامة، وخصوصية للآل دون غيرهم، وذلك ان الله عزّ وجلّ حكى في ذكر نوح في كتابه: (يا قوْم لا أسألكم عليه مالا إنْ أجْري الا على الله وما أنا بطارد الذين آمَنوا أنهم مُلاقوا ربّهم ولكنّي اريكم قوماً تجهلون). وحكى عزّ وجلّ عن هود أنه قال: (قل لا أسألكم عليه أجراً ان اجري الا على الذي فطرني أفلا تعقلون). وقال عزّ وجلّ لنبيّه محمد (صلى الله عليه وآله): قل يا محمد (لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى) ولم يفرض الله تعالى موَدّتهم الا وقد علم أنهم لا يرتدّون عن الدين أبداً ولا يرجعون الى ضلال أبداً. واخرى ان يكون الرجل وادّاً للرجل فيكون بعض أهل بيته عدوّاً له فلا يسلم له قلب الرجل فأحَبّ الله عزّ وجلّ ان لا يكون في قلب رسول الله على المؤمنين شيء، ففرض عليهم الله مودّة ذوي القربى فمَن أخذَ بها وأحبَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأحَبّ أهل بيته لم يستطع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يبغضه ومن تركها ولم يأخذ بها وأبغضَ اهل بيته فعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يبغضه لانه قد ترك فريضة من فرائض الله عزّ وجلّ، فأيُّ فضيلة وأي شرف يتقدم هذا ويُدانيه؟
فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية على نبيّه (صلى الله عليه وآله): (قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودّة في القربى) فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه وقال: «يا أيّها الناس ان الله عزّ وجلّ قد فَرضَ لي عليكم فرضاً فهل أنتم مُؤدُّوه؟ فلم يجبه أحد فقال: يا أيّها الناس انه ليس بذهب ولا فضة ولا مأكول ولا مشروب! فقالوا: هات اذاً، فتلا عليهم هذه الآية، فقالوا: أما هذه فنعم! فما وفى بها اكثرهم وما بعث الله عزّ وجلّ نبيّاً الا اوحى اليه ان يسألَ قومه أجراً لأن الله عزّ وجلّ يوفيه اجر