الفصل الحادي والاربعون «الرضا (عليه السلام): اصطفاء العترة الطاهرة باثنى عشر منقبة على الامة»
روى الشيخ الصدوق أعلا الله مقامه في العيون باسناده عن الريان بن الصلت قال:- واللفظ له- قال: حدّثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدّب وجعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنهما قالا: باسنادهما عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه، عن الريّان بن الصلت قال:
حضر الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون بمروَ وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان، فقال المأمون:
أخبروني عن معنى هذه الآية: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)؟ فقالت العلماء: اراد الله عزّ وجل بذلك الامة كلها.
فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسَن؟
فقال الرضا (عليه السلام): لا أقول كما قالوا، ولكني أقول: أراد الله عزّ وجلّ بذلك العترة الطاهرة.
فقال المأمون: وكيف عنى العترة من دون الامة؟ فقال له الرضا (عليه السلام): انه لو اراد الامة لكانت أجمعها في الجنة لقول الله عزّ وجلّ: (فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير) ثم جمعهم كلهم في الجنة فقال عزّ وجلّ: (جنّاتُ عدن يَدخلُونها يُحلّون
فيها من اساوِرَ من ذهب) الآية فصَارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم.
فقال المأمون: مَن العترة الطاهرة.
فقال الرضا (عليه السلام): الذينَ وصفهم الله في كتابه فقال عزّ وجلّ: (إنّما يُريدُ الله ليذهبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً) وهُم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني مُخلِّفُ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي الا وانهما لَنْ يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، ايّها الناس لا تُعلّمُوهم فانهم أعلمُ منكم.
قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة أهُم الآل أم غير الآل؟
فقال الرضا (عليه السلام) هُم الآل.
فقالت العلماء: فهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُؤثر عنه انه قال: أُمتي آلي وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفاض الذي لا يمكن دفعه: آل محمد أمته.
فقال أبو الحسن (عليه السلام): أخبروني فهل تحرم الصدقة على الآل؟
فقالوا: نعم، فقال: فتَحرمُ على الامة؟ قالوا: لا.
قال: هذا فرقٌ بين الآل والامة، ويْحَكُم اين يُذهبُ بكم، أضَرَبتُم عن الذِكر صَفحاً أم أنتم قوم مسرفون، أما علمتم أنه وقعت الوراثة والطهارة على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟
قالوا: ومن أين يا أبا الحسن؟
فقال: من قول الله عزّ وجلّ: (ولَقَد أرْسَلنا نُوحاً وابراهيم وجَعلنا في ذرِّيَّتهما النبوة والكتابَ فمنهم مُهتد وكثيرٌ منهم فاسِقُون) فصارت وراثة النبوة والكتاب للمهتدين دون الفاسقين، اما علمتم ان نوحاً حين سألَ رَبّه عزّ وجلّ:
(فقَال ربِّ ان ابني من أهلي وان وعدَكَ الحقّ وأنتَ أحكمُ الحاكمين) وذلك ان الله عزّ وجلّ وَعَدَهُ أن يُنجيه وأهله، فقال ربُّه عزّ وجلّ: (يا نوح انه عمل غير صالح فلا تسئلنْ ما ليسَ لك به علم اني أعظُك أن تكون من الجاهلين).
فقال المأمون: هل فضل الله العترة على سائر الناس؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام): ان الله عزّ وجلّ أبان فضل العترة على سائر الناس في مُحكم كتابه.
فقال له المأمون: واين ذلك من كتاب الله؟
فقال له الرضا (عليه السلام): في قول الله عزّ وجلّ: (ان الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين* ذُرِّية بعضها من بعض والله سميعٌ عليمٌ) وقال عزّ وجلّ في موضع آخر: (أم يحسدون الناس على ما آتيهُم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم مُلكاً كبيراً) ثمّ ردّ المخاطبة في أثر هذه الى ساير المؤمنين فقال: (يا أيُّها الذين آمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسُول وأولي الامر منكم) يعني الذين قَرنهم بالكتاب والحكمة وحُسدُوا عليهما فقوله عزّ وجلّ: (أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم مُلكاً عظيماً) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين، فالمُلك ههنا الطاعة لهم.
فقالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر الله عزّ وجلّ الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرضا (عليه السلام): فَسّر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثنا عشر موطناً ومَوضعاً.
فأوّل ذلك: قوله عزّ وجلّ: (وانذر عشيرتك الاقربين ورهطك المخلصين)
هكذا في قرائة ابي بن كعب وهي ثابتة في مصحف عبد الله بن مسعود، وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عزّ وجلّ بذلك الانذار فذكره لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذه واحدة.
والآية الثانية في الاصطفاء قوله عزّ وجلّ: (إنّما يريد الله لِيذهب عنكم الرجس أهل البيت ويُطهِّركم تطهيراً) وهذا الفضل الذي لا يجهله أحدٌ الا معاند ضال، لانه فضل بعد طهارة تنتظر فهذه الثانية.
وأما الثالثة فحين ميّز الله الطاهرين من خلقه فأمر نبيّه بالمباهلة بهم في آية الابتهال فقال عزّ وجلّ: يا محمد (فمن حاجّك فيه منْ بعد ما جائك من العلم فقل تعَالوا نَدعُ ابنائنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فبَرز النبي (صلى الله عليه وآله) عليّاً والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم وقرَنَ أنفُسَهُم بنفسه، فهل تدرون ما معنى قوله: (وانفسنا وانفسكم)؟
قالت العلماء: عنى به نفسه.
فقال أبو الحسن (عليه السلام): لقد غلطتم انما عنى بها علي بن أبي طالب (عليه السلام). ومما يدَلُّ على ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله) حين قال: ليَنْتَهَينّ بنو وليعة أو لابعَثَنّ اليهم رجلا كنفسي يعني علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعنى بالابناء الحسن والحسين (عليهما السلام)، وعنى بالنساء فاطمة (عليها السلام) فهذه خصوصية لا يتقدّمهم فيها أحد وفضلٌ لا يلحقهم فيه بشر وشرف لا يسبقهم اليه خلق اذ جعل نفس علي (عليه السلام) كنفسه، فهذه الثالثة.
واما الرابعة: فاخراجه (صلى الله عليه وآله) الناس من مسجده ما خلا العترة حتى تكلّم الناس في ذلك، وتكلّم العباس قال: يا رسول الله تركت علياً وأخرجتنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنا تركتُهُ وأخرجتُكم ولكن الله عزّ وجلّ تركه وأخرجكم، وفي
هذا تبيان قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): «انت مني بمنزلة هارون من موسى».
فقال العلماء: وأين هذا من القرآن؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام): أوجدكم في ذلك قرآناً وأقرأه عليكم؟
فقالوا: هات.
قال: قول الله عزّ وجلّ: (وأوحينا الى موسى وأخيه أن تبوّءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة) ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى، وفيها أيضاً منزلة علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومع هذا دليل واضح في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قال: الا ان هذا المسجد لا يَحلُّ لجُنب الا لمحمد (صلى الله عليه وآله) وآله.
قالت العلماء: يا ابا الحسن هذا الشرح وهذا البيان لا يوجد الا عندكم معاشر أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال: ومَن ينكر لنا ذلك ورسول الله يقول: «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمَن أراد المدينة فَليأتها من بابها؟ ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا ينكره الا مُعاند والله عزّ وجلّ والحمد على ذلك- فهذه الرابعة.
والآية الخامسة قول الله عزّ وجلّ: (وآتِ ذا القُربى حقّهُ) خصوصية خصّهم الله العزيز الجبار بها واصطفاهم على الأمة، فلما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ادعوا لي فاطمة، فدُعيت له فقال: يا فاطمة قالت: لبيك يا رسول الله، فقال: هذه فَدَك مما هي لم يُوجَف عليه بالخيل ولا ركاب وهي لي خاصة دون المسلمين وقد جعلتها لكِ لما أمرني الله تعالى به فخُذيها لكِ ولولدك فهذه الخامسة.
والآية السادسة: قول الله عزّ وجلّ: (قُل لا أسألكم عليه أجراً الا المودّة في القربى) وهذه خصوصية للنبي (صلى الله عليه وآله) الى يوم القيامة، وخصوصية للآل دون غيرهم، وذلك ان الله عزّ وجلّ حكى في ذكر نوح في كتابه: (يا قوْم لا أسألكم عليه مالا إنْ أجْري الا على الله وما أنا بطارد الذين آمَنوا أنهم مُلاقوا ربّهم ولكنّي اريكم قوماً تجهلون). وحكى عزّ وجلّ عن هود أنه قال: (قل لا أسألكم عليه أجراً ان اجري الا على الذي فطرني أفلا تعقلون). وقال عزّ وجلّ لنبيّه محمد (صلى الله عليه وآله): قل يا محمد (لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى) ولم يفرض الله تعالى موَدّتهم الا وقد علم أنهم لا يرتدّون عن الدين أبداً ولا يرجعون الى ضلال أبداً. واخرى ان يكون الرجل وادّاً للرجل فيكون بعض أهل بيته عدوّاً له فلا يسلم له قلب الرجل فأحَبّ الله عزّ وجلّ ان لا يكون في قلب رسول الله على المؤمنين شيء، ففرض عليهم الله مودّة ذوي القربى فمَن أخذَ بها وأحبَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأحَبّ أهل بيته لم يستطع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يبغضه ومن تركها ولم يأخذ بها وأبغضَ اهل بيته فعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يبغضه لانه قد ترك فريضة من فرائض الله عزّ وجلّ، فأيُّ فضيلة وأي شرف يتقدم هذا ويُدانيه؟
فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية على نبيّه (صلى الله عليه وآله): (قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودّة في القربى) فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه وقال: «يا أيّها الناس ان الله عزّ وجلّ قد فَرضَ لي عليكم فرضاً فهل أنتم مُؤدُّوه؟ فلم يجبه أحد فقال: يا أيّها الناس انه ليس بذهب ولا فضة ولا مأكول ولا مشروب! فقالوا: هات اذاً، فتلا عليهم هذه الآية، فقالوا: أما هذه فنعم! فما وفى بها اكثرهم وما بعث الله عزّ وجلّ نبيّاً الا اوحى اليه ان يسألَ قومه أجراً لأن الله عزّ وجلّ يوفيه اجر
الانبياء ومحمد (صلى الله عليه وآله) فَرضَ الله عزّ وجلّ طاعته ومودّة قرابته على أمته وأمَرهُ أن يَجَعل أجرَهُ فيهم ليُؤدُّوه في قرابته بمعرفة فضلهم الذي أوجبَ الله عزّ وجلّ لهم، فان المودّة انما تكون على قدر معرفة الفضل، فلما أوجَبَ الله تعالى ثقل ذلك لثقل وجوب الطاعة، فتمسّكَ بها قومٌ قد أخذَ الله ميثاقهم على الوفاء، وعاند أهل الشقاق والنفاق والحدوُا في ذلك فصَرَفوه عن حَدِّه الذي حَدّهُ الله عزّ وجلّ، فقالوا: القرابة هم العرَب كلهم واهل دعوته!
فعلى اي الحالتين كان فقد علمنا ان المودة هي القرابة فأقربهم من النبي (صلى الله عليه وآله) أولاهم بالمودة، وكلما قربت القرابة كانت المودة على قدَرَها، وما أنصفوا نبي الله (صلى الله عليه وآله) في حيطته ورأفته وما مَنَّ الله به على أمّته مما تعجز الألسُن عن وصف الشكر عليه أنْ لا يُؤذوهُ في ذرِّيَّته وأهل بيته، وان يجعلوهم فيهم بمنزلة العين من الرأس حفظاً لرسول الله فيهم والذين فرض الله تعالى مَودتهم ووعد الجزاء عليها فما وَفى أحدٌ بها، فهذه المودَة لا يَأتي بها أحد مؤمناً مُخلصاً الا استوجَبَ الجنة لقول الله عزّ وجلّ في هذه الآية: (والذين آمنوا وعَملوا الصالحات في روضاتِ الجنات لهُم ما يشاؤون عند رَبِّهم ذلك هو الفضل الكبير* ذلك الذي يُبَشِّر الله عباده الذين آمنوُا وعَمِلوا الصالحات قل لا أسألكم عَليه أجَراً الا المودّة في القربى) مُفَسّراً ومُبَيّناً.
ثم قال أبو الحسن (عليه السلام): حَدّثني أبي عن جدّي عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: اجتمع المهاجرون والانصار الى رسول الله فقالوا: ان لك يا رسول الله مؤنَة في نفقتك وفيمن يَأتيكَ من الوفود وهذه اموالنا مع دمائنا فاحكم فيها باراً مَأجوراً اعطِ ما شئت من غير حَرَج، قال: فأنزل الله عزّ وجلّ عليه الروح
الامين.
فقال: يا محمد (قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى) يعني أن تَوَدُّوا قرابتي من بعدي فخَرجوا، فقال المنافقون: ما حمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ترك ما عرضنا عليه الا ليحثنا على قرابته من بعد، ان هو الا شَيءٌ افتراه في مجلسه، وكان ذلك من قولهم عظيماً فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية (أم يقولون افتَريهُ قل ان افتريتُه فلا تملكون لي من الله من شيئاً هُو أعلمَ بما تفيضون فيه كفى به شهيداً بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم). فبعث عليهم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: هل من حَدث؟ فقالوا: اي والله يا رسول الله لقد قال بعضنا كلاماً غليظاً كرهناه فتلا عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الآية فبَكوا واشتدّ بكاؤهم، فأنزل عزّ وجلّ: (وهو الذي يقبَلُ التوبَة عن عبادِهِ ويعفو عن السيِّئات ويعلم ما تفعلون) فهذه السادسة.
وأما السابعة: فقول الله عزّ وجلّ: (ان الله وملائكته يُصلّون على النبي يا أيُّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً) قالوا: يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك فكيف الصلاة عليك؟ فقال: تقولون: «اللّهم صَلِّ على محمّد وآل مُحمد كما صَلّيت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميدٌ مجيدٌ» فهل بينكم معاشر الناس في هذا خلاف؟
فقالوا: لا.
فقال المأمون: هذا مما لا خلاف فيه أصلا وعليه أجماع الأمة، فهل عندك في الآل شي أوضح من هذا في القرآن؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام): نعم، أخبروني عن قول الله عزّ وجلّ: (يس والقرآن الحكيم* انكَ لمن المُرسلين* على صِراط مُستقيم) فمَن عنى بقوله يس؟