جرير بن عبد الله البجلي:
علي وصي له بعده
خليفتنا القائم المنتقم
له الفضل والسبق والمكرمات
وبيت النبوة والمدعم[502]
[502]( 1) عن مناقب ابن شهر آشوب: ج 3 ص 50
الفصل الخامس والاربعون «علي (عليه السلام) أمْسى مُحِبّنا مغتبطاً برحمة من الله»
(1)روى الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالمفيد (رحمه الله) المتوفي سنة 413 ه- في «أمالي المفيد»[503]باسناده عن حنش بن المعتمر قال:
دخلنا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، كيف أمسيت؟
قال: أمسيتُ مُحبّاً لمحِّبنا مُبغضاً لمبغضنا، وأمسى محبّنا مغتبطاً برحمة من الله كان ينتظرها، وأمسى عدوّنا يرمس بُنيانه على شفا جرف هار، فكان ذلك الشفا قد انهار به في نار جهنم، وكأن أبواب الجنة قد فتحت لأهلها، فهنيئاً لأهل الرحمة رحمتهم، والتعس لأهل النار والنار لهم.
يا حنش، منْ سرّهُ أن يعلم أمُحبٌّ لنا أو مُبغض فليمتحن قلبَه، فان كان يحبّ وليَّنا فليَس بمُبغض لنا، وان كان يبغض وليَّنا فليسَ بمحب لنا، ان الله تعالى أخذ ميثاقاً لمحبِّنا بمودّتنا، وكتب في الذكر اسم مُبغضنا، نحن النجباء وأفراطنا أفراط الانبياء[504].
(2)روى العلامة الطبري (قدس سره) في «بشارة المصطفى» باسناده عن صالح بن ميثم
[503]( 1) أمالي المفيد ح 4 ص 334
[504]( 2) ورواه الطبري في بشارة المصطفى( ص 46) بعين ما تقدم سنداً ومتناً
التمار (رحمه الله) قال: وجدت في كتاب ميثم (رحمه الله) يقول: تمسّينا ليلة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال لنا:
لَيْسَ من عبد امتحن الله قلبه للايمان الا أصبحَ يجد مودّتنا على قلبه، ولا أصبح عبد ممن سخط الله عليه الا يجدُ بغضنا على قلبه، وأصبحنا نفرح بحُب المحب لنا ونعرف بُغض المُبغض لنا وأصبحَ مُحبّنا مغتبطاً برحمة من الله ينتظرها كل يوم، وأصْبَحَ مُبغضنا يؤسّس بُنيانهُ على شفا جُرف هار فكان ذلك الشّفا قد انهار به في نار جهنّم، وكأن أبواب الرحمة قد فُتِحت لأهل الرحمة فهنيئاً لاصحاب الرحمة رحمتهم، وتَعساً لأهل النار مثواهُم. ان عبداً لم يقصر في الخير يجعله الله في قلبه، ولن يحبّنا من يحب مُبغضنا، ان ذلك لم يجتمع في قلب واحد، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفِه يُحِب بهذا قوماً ويُحب بالآخر عدوّهم، والذي يحبّنا فهو يخلص بحبنا كما يخلص الذَهَب الذي لا غش فيه. نحن النجباء وأفراطنا أفراط الانبياء، وأنا وصيّ الاوصياء، وانا حزب الله ورسوله والفئة الباغية حزب الشيطان، فمَن أحب أن يعلم حالهُ في حُبّنا فليمتحن قلبه، فان وَجَدَ فيه حُب من ألَّبَ علينا فليعلم ان الله تعالى عدوّه وجبرئيل وميكائيل والله عدوّ الكافرين[505].
(3)روى الشيخ المفيد أعلا الله مقامه باسناده عن الثمالي، عن حبيش المعتمر قال:
دخلتُ على علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو في الرحبة مُتكىء فقلت: السلام
[505]( 1) بشارة المصطفى: ص 87 ط. الحيدرية سنة 1383 ه-
عليك ورحمة الله وبركاته كيف أصبحت؟
قال: فرفع رأسه ورَدّ علي وقال:
قال: أصبحتُ محبّاً لمحِّبنا، مُبغضاً لمن يبغضنا، ان مُحبنا ينتظر الروح والفَرَج في كل يوم وليلة، وان مبغضنا بنى بناءً فأسّسَ بنيانه على شفا جرف هار، فكان بنيانه هار فانهار به في نار جهنم.
يا أبا المعتمر ان محبّنا لا يستطيع أن يبغضنا، قال: ومُبغضنا لا يستطيع أن يحبنا، ان الله تبارك وتعالى جَبَل قلوب العباد على حبّنا، وخذل من يبغضنا فلن يستطيع محبنا يبغضنا، ولن يستطيع مبغضنا يحبنا، ولن يجتمع حبّنا وحب عدوّنا في قلب أحد: (ما جَعَلَ لرجُل من قلبين في جوفه)[506]يحب بهذا قوماً ويحب بالآخر أعداءهم[507].
(4)روى العلامة أبو جعفر الطبري (رحمه الله) في «بشارة المصطفى»[508]بسنده عن المنهال بن عمر قال:
كنتُ جالساً مع محمد بن علي الباقر (عليه السلام) اذ جاءه رجلٌ فسَلّمَ عليه فردَّ عليه السلام، فقال الرجل: كيف أنتم؟ فقال له محمد: أو ما آن لكم أن تعلموا كيف نحن؟!
انما مثلنا في هذه الامة مثل بني اسرائيل كان يذبّح ابنائهم ويستحيي نسائهم، الا وان هؤلاء يذبّحون أبناءَنا ويَستَحيُون نساءنا، زعمت العرب ان لهم
[506]( 1) الاحزاب: 4
[507]( 2) مجالس المفيد: ص 145 الرقم 27 عن البحار: ج 81: 68/ 38
[508]( 3) بشارة المصطفى: ص 89
فضلا على العجم، فقالت العجم وبما ذاك؟ قالوا كان محمد (صلى الله عليه وآله) منا عربيّاً قالوا لهم صدقتم، وزعمت قريش ان لهم فضلا على غيرهم من العرب، فقالت لهم العرب من غيرهم وبما ذاك، قالوا: كان محمداً قرشياً قالوا لهم صدقتم، وان كان القوم صَدَقوا فلَنا فضلٌ على الناس لأنا ذرية محمد وأهل بيته خاصة وعترته، لا يشركنا في ذلك غيرنا، فقال له الرجل: والله اني لاحبكم أهل البيت.
قال (عليه السلام): فاتخذ للبلاء جلباباً، فو الله انه لاسَرعُ الينا والى شيعتنا من السيل في الوادي، وبنا يبدأ البلاء ثم بكم وبنا يبدأ الرخاء ثم بكم.
(5)«تظلّم الزهراء (عليها السلام) في خطبتها عند منع أبي بكر اياها فدكاً»
، روى علامة الادب الثقة الاقدم أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر البغدادي المتوفي سنة 280 ه- في «بلاغات النساء»[509]باسناده عن عطية العوفي قال:
لما مرضت فاطمة (عليها السلام) المرضة التي تُوفيّت بها دخل النساء عليها، فقلن كيف أصْبحتِ من عِلَّتكِ يا بنت رسول الله؟
قالت: أصبحتُ والله عائفة لدنياكم، قاليةٌ لرجالكم، لَفَظتُهُم بعدَ أن عجَمتهُم، وشَنَئَتُهُم بعد أن سَبَرتهم، فقُبحاً لفلول الحدّ، وخور القنا، وخطل الرأي، وبئسما قدّمت لهم أنفُسُهم ان سَخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها، وشنّت عليهم عارها، فجَدعاً وعَقَراً وبُعداً للقوم الظالمين، ويَحهم أنى زَحْزَحوُها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوّة، ومهبط الروح الامين، الطّبن لأمور الدنيا والدين، الا ذلك هو الخُسران المبين.
[509]( 1) بلاغات النساء: ص 19 ط. الحيدرية
وما الذي نقمُوا من أبي الحَسَن؟!
نقموُا والله منه نكيرَ سيفه، وشدّة وَطئتَه، ونكال وقعته، وتنمُّرُه في ذات الله، ويا لله لو تكافئوا على زمام نبذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسارَ بهم سَيراً سجحاً، لا يكلّم خشاشهُ، ولا يتعتع راكبه، ولأورَدهُم مَنهَلا روّياً فضْفاضاً تطفح ضفتاه. ولأصْدَرَهُم بطاناً قد تحرىْ بهم الري غير متحل منهم بطائل بعمله الباهر، وردَعه سَورَة الساغب، ولفتحت عليهم بركات السماء، وسَيَأخُذهم الله بما كانوا يكسبون.
الا هَلُمَّنَّ فَاسمعْن وما عشتن اراكُنّ الدهر عجَباً!
الى أي لَجأ لجأوا واسْندوا، وبأي عُروة تَمسّكوا، ولبئسَ المولى ولبئسَ العَشير، استبدلوُا والله الذنابى بالقوادم، والعجز بالكاهل، فرغماً لمعَاطِس قوم (يحسبون أنهُم يحْسنون صُنعاً الا أنهُم هُم المفسدون ولكِن لا يَشعُرُون).
ويحهمُ: (افَمَن يَهْدي الى الحَق احقّ انْ يُتّبَعَ امّنْ لا يَهدّي الا ان يُهدى فما لكم كيف تَحكُمُون) اما لعمر الهكن لقد لقحت قنطرة ريثما تنتج، ثم احْتَلبُوا طلاع القعب دماً عبيطاً وذُعافاً ممقراً، هنالك يَخسَرُ المُبطلُون، ويعرف التالون غِبَّ ما أسَّسَ الأولون، ثم أطيبوا عَنْ انفُسِكُم نفساً، وطامِنوا للفتنة جاشاً، وأبْشِروُا بسيف صارم وبقرح شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً، وجَمعَكم حصَيداً! فيا حسرةً لكم وأنى بكم وقد عميت عليكم أنلزمْكمُوها وأنتُم لها كارهون.
ثم أمسكت (عليها السلام)[510].
[510]( 1) ورواه الأستاذ عمر رضا كحالة في« أعلام النساء»( ج 3 ص 1219 ط. دمشق) بعين ما تقدم وزاد في آخرها: والحمد لله رب العالمين، وصَلاته على محمد خاتم النبيين وسيّد المرسلين
- ورواه ابن ابي الحديد في« شرح نهج البلاغة»( ج 4 ص 87 ط. القاهرة) باسناده عن فاطمة بنت الحسين( عليهما السلام)
أقول: من يلاحظ خطبة الزهراء (عليها السلام) هذه والخطبة التي سبَقَتها يتضح له جلياً ان دفاعها (عليها السلام) كان عن الامامة المغصوبة والحق المهدور لامير المؤمنين (عليه السلام) في الخلافة ولم يكن مطالبة منها بفدك أو ميراث أو نحلة أبيها (صلى الله عليه وآله).
(6)وروى العلامة ابن شهر آشوب السروي في «مناقب آل ابي طالب» قال:
ودخلت أمّ سلمة على فاطمة (عليها السلام) فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله؟
قالت: أصَبحتُ بين كمد وكرب: فقد النبي (صلى الله عليه وآله) وظلم الوصي، والله حجبه أصبحت امامته مقتصة على غير ما شرع الله في التنزيل وسَنّها النبي في التأويل، ولكنها أحقادٌ بَدرية وترات أُحدية كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة لا مكان الوشاة فلما استهدف الامر ارسلت علينا شابيب الآثار من مخيلة الشقاق فيقطع وتر الايمان من قسي صدورها، وليس على ما وعد الله من حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين احرزوا عايدتهم غرور الدنيا بعد انتصار ممن فتك بآبائهم في مواطن الكروب ومنازل الشهادات[511].
(7)وروى ابن شهر آشوب في «المناقب»[512]قال:
[511]( 1) مناقب آل ابي طالب: ج 2 ص 205
[512]( 2) المناقب: ج 2 ص 385
وسُئل علي (عليه السلام) كيف أصبحت؟
فقال: أصْبحتُ وأنا الصدِّيق الأول والفاروق الاعظم وأنا وصيّ خير البشرَ، وأنا الأول وأنا الآخر وأنا الباطِنُ وأنا الظاهر وأنا بكل شيء عليم، وانا عين الله وأنا جَنبُ الله، وأنا أمينُ الله على المرسلين، بنا عُبد الله، ونحن خُزان الله في أرضهِ وسَمائه، وأنا أحي وأميتُ وأنا حيُّ لا أموت!
فتَعجّب الأعرابي من قوله، فقال (عليه السلام):
أنا الأول أولُ من آمَنَ برسُولِ الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا الآخر آخر مَن نَظَرَ فيه لما كان في لحده، وأنا الظاهر فظاهر الاسلام، وأنا الباطن بَطينٌ من العلم، وانا بكل شيء عليم فاني عليمٌ بكل شيء أخبَره الله به نبيّه فاخبرني به.
فأما عين الله فانا عينُه على المؤمنين والكفرة، وأما جنبُ الله فان تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرّطتُ في جنبِ الله ومَن فرّط فيَّ فقد فرَّط في الله، ولم يجز لنبي نُبوة حتى يأخذُ خاتماً من محمد فلذلك سُمي خاتم النبيِّين محمد سيّد النبيّين فانا سيِّد الوصيّين، وأما خُزان الله في ارضهِ فقد عَلمنا ما عَلَّمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقول صادق، وأنا احيي احيي سُنة رسول الله، وأنا أميتُ أميت البِدعَة، وأنا حَيٌ لا اموتُ لقوله تعالى: (ولا تَحسبنَّ الذين قُتلوُا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عندَ ربّهم يُرزقون).
العبدي:
لك قال النبي هذا علي
أوّلُ آخرٌ سميعٌ عَليم
ظاهِرٌ باطنٌ كما قالت الشَمسُ
جهاراً وقولها مكتوم