أقول: من يلاحظ خطبة الزهراء (عليها السلام) هذه والخطبة التي سبَقَتها يتضح له جلياً ان دفاعها (عليها السلام) كان عن الامامة المغصوبة والحق المهدور لامير المؤمنين (عليه السلام) في الخلافة ولم يكن مطالبة منها بفدك أو ميراث أو نحلة أبيها (صلى الله عليه وآله).
(6)وروى العلامة ابن شهر آشوب السروي في «مناقب آل ابي طالب» قال:
ودخلت أمّ سلمة على فاطمة (عليها السلام) فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله؟
قالت: أصَبحتُ بين كمد وكرب: فقد النبي (صلى الله عليه وآله) وظلم الوصي، والله حجبه أصبحت امامته مقتصة على غير ما شرع الله في التنزيل وسَنّها النبي في التأويل، ولكنها أحقادٌ بَدرية وترات أُحدية كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة لا مكان الوشاة فلما استهدف الامر ارسلت علينا شابيب الآثار من مخيلة الشقاق فيقطع وتر الايمان من قسي صدورها، وليس على ما وعد الله من حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين احرزوا عايدتهم غرور الدنيا بعد انتصار ممن فتك بآبائهم في مواطن الكروب ومنازل الشهادات[511].
(7)وروى ابن شهر آشوب في «المناقب»[512]قال:
[511]( 1) مناقب آل ابي طالب: ج 2 ص 205
[512]( 2) المناقب: ج 2 ص 385
وسُئل علي (عليه السلام) كيف أصبحت؟
فقال: أصْبحتُ وأنا الصدِّيق الأول والفاروق الاعظم وأنا وصيّ خير البشرَ، وأنا الأول وأنا الآخر وأنا الباطِنُ وأنا الظاهر وأنا بكل شيء عليم، وانا عين الله وأنا جَنبُ الله، وأنا أمينُ الله على المرسلين، بنا عُبد الله، ونحن خُزان الله في أرضهِ وسَمائه، وأنا أحي وأميتُ وأنا حيُّ لا أموت!
فتَعجّب الأعرابي من قوله، فقال (عليه السلام):
أنا الأول أولُ من آمَنَ برسُولِ الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا الآخر آخر مَن نَظَرَ فيه لما كان في لحده، وأنا الظاهر فظاهر الاسلام، وأنا الباطن بَطينٌ من العلم، وانا بكل شيء عليم فاني عليمٌ بكل شيء أخبَره الله به نبيّه فاخبرني به.
فأما عين الله فانا عينُه على المؤمنين والكفرة، وأما جنبُ الله فان تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرّطتُ في جنبِ الله ومَن فرّط فيَّ فقد فرَّط في الله، ولم يجز لنبي نُبوة حتى يأخذُ خاتماً من محمد فلذلك سُمي خاتم النبيِّين محمد سيّد النبيّين فانا سيِّد الوصيّين، وأما خُزان الله في ارضهِ فقد عَلمنا ما عَلَّمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقول صادق، وأنا احيي احيي سُنة رسول الله، وأنا أميتُ أميت البِدعَة، وأنا حَيٌ لا اموتُ لقوله تعالى: (ولا تَحسبنَّ الذين قُتلوُا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عندَ ربّهم يُرزقون).
العبدي:
لك قال النبي هذا علي
أوّلُ آخرٌ سميعٌ عَليم
ظاهِرٌ باطنٌ كما قالت الشَمسُ
جهاراً وقولها مكتوم
محمد بن ابي النعمان:
جَسَدٌ طَهَّرَهُ رَبُّ البَرايا
واجْتَباهُ واصطَفاهُ من علي
وارتضاهُ وحَبَاهُ لِمعان
لَطُفَت عن كل معنى مَعنوي
وصَفيٌّ ووَصيٌ وامام
عادلٌ بَعدَ النبي
وهو في الباطن من
مكنون سرِّ أوحَدي
اوّلٌ في الكون من قبل البرايا
آخر في الاخري
فهو في الباطن شخصٌ بشري
ناطق من جسم رب آدمي
وهو في الباطن جسم ملكي
ابطحيٌ قرشيٌ هاشِميٌ ووَلي
(8)قيل لأمير المؤمنين علي صلوات الله عليه: كيف أصبحَت يا أمير المؤمنين؟
قال صَلَوات الله عليه: أصْبَحتُ آكل رزقي وأنتظِرُ أجَلي.
قيل له: فما تقول في الدنيا؟
قال (عليه السلام): فَما أقول في دار أوّلُها غم وآخرها الموَت، من استغنى فيها افتَقَر، ومَن افتَقَر فيها حُزن، في حلالها حسابٌ وفي حرامها النار.
قيل: فمنَ اغبط الناس؟
قال (عليه السلام): جَسدٌ تحت التراب قد أمِن من العقاب ويرجُو الثواب[513].
(9)وروى الصدوق (رحمه الله) في «معاني الاخبار» بسنده عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال:
كان للحسن بن علي (عليه السلام) صديق وكان ماجناً فتَباطأَ عليه أياماً، فجاءهُ يوماً
[513]( 1) اختصاص المفيد: 188
فقال له الحسَن (عليه السلام): كيف أصبحت؟
فقال: يا ابن رسول الله أصبَحتُ بخلاف ما أحبّ ويُحب الله ويُحب الشيطان!
فضحك الحسن (عليه السلام) ثم قال: وكيف ذاك؟!
قال: لأن الله عزّ وجلّ يحب أن أطيعه ولا أعصيه ولَستُ كذلك، والشيطان يحب أن أعصي الله ولا أطيعه ولسَتُ كذلك، وأنا أحب أن لا أموت ولستُ كذلك!
فقال اليه رجل فقال: يا ابن رسول الله ما بالنا نكرهُ الموت ولا نُحبُّه؟
قال: فقال الحسن (عليه السلام): لانكم أخَربْتُم آخرتكم وعمّرتُم دنياكم وانتم تكرهون النقلة من العمران الى الخراب[514].
(10)«كيف أصبحت»[515]
، قبل للحسن (عليه السلام): كيف أصبحت؟ قال: كيف أصبح من هو غرض لثلاثة أسهم: سهم رزيّة وسهم بليّة وسهم منية.[516]
(11)قيل للحسين بن علي (عليه السلام) كيف أصبحت يابن رسول اللّه؟
قال: أصبحت ولي ربّ فوقي، والنار امامي، والموت في طلبي والحساب محدقٌ بي وانا مرتهن بعملي، لا أجدُ ما أحب ولا ادفع ما اكره والأمور بيد غيري،
[514]( 1) معاني الاخبار: ص 370 ح 29
[515]( 2) شجرة طوبى: 385
[516]( 3) زهر الربيع: 385
فان شاء عذّبني وان شاء عفى، فأي فقير افقر منّي؟[517]
(12)قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): كيف أصبحت؟
قال: كيف يصبح من كان للّه عليه حافظان، وعلم أن خطاياه مكتوبة في الديوان ان لم يرحمه ربّه فمرجعه الى النار.
(13)قيل لعلي بن الحسين (عليهما السلام): كيف اصبحت يابن رسول اللّه؟
قال: اصبحت مطلوباً بثمان: اللّه تعالى يطلبني بالفرائض، والنبي (صلى الله عليه وآله) بالسُنّة، والعيال بالقوت، والنفس بالشهوة، والشيطان بالمعصية، والحافظان بصدق العمل، وملك الموت بالروح، والقبر بالجسد، وانا بين هذه الخصال مطلوب.
(14)قيل لسلمان الفارسي: كيف اصبحت؟
قال: كيف يصبح من كان الموت غايتة والقبر منزله، والديدان جواره، وان لم يغفر له فالنار مسكنه.
(15)قيل لحذيفة اليماني: كيف اصبحت؟
قال: كيف يصبح من كان اسمه عبداً، ويدفن غداً في القبر وحدا، ويحشر بين يدي اللّه فرداً.
[517]( 1) شجرة طوبى: 370
(16)في جامع الاخبار عن ابن المسيب قال: خرج أميرالمؤمنين (عليه السلام) يوماً من البيت فاستقبله سلمان، فقال له (عليه السلام): كيف اصبحت يا أبا عبداللّه؟
قال: اصبحت في غموم اربعة، فقال له: وما هنَّ؟
قال: غمّ العيال يطلبون الخبز والشهوات، والخالق تعالى يطلب الإطاعة، والشيطان يأمرنا بالمعصية، وملك الموت يطلب بالروح!
فقال (عليه السلام): ابشر يا أبا عبداللّه، فان لك بكلّ خصلة درجات، واني كنت دخلت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ذات يوم فقال (صلى الله عليه وآله): كيف اصبحت يا علي وساق الحديث على مثل ما مرّ.
(17)قال المنهال: دخلتُ على عليّ بن الحسين (عليهما السلام) وقلت: يابن رسول اللّه كيف اصبحت؟
فقال: أنت تزعم انك لنا شيعة وانت لاتعرف صباحنا ومسائنا؟! أصبحت في قومنا بمنزلة بني اسرائيل وآل فرعون، يذبّحون ابنائهم ويستحيون نسائهم، واصبح خير البريّة بعد نبيّها (صلى الله عليه وآله) يلعن على المنابر، ويعطى الفضل والأموال على شتمه، واصبح من يحبّنا منقوص على حبّه ايانا.
(18)في الأنوار النعمانية للسيد الجزائري: قال منهال بن عمرو الدمشقي:
رأيت علي بن الحسين (عليهما السلام) في بعض أسواق الشام وقد أتكى على عصاه والصفرة قد غلبت على وجهه ورجلاه كأنهما قصبتان والدم يجري من ساقيه، فقلت له: يابن رسول اللّه كيف أصبحت؟
قال: وكيف يصبح من كان أسيراً ... ألخ الحديث.
الفصل السادس والاربعون «يا علي مَن أحبنا فهو العربي»
(1)روى الشيخ الصدوق أعلا الله مقامه في «فضائل الشيعة»[518]عن أبي ذر (رضي الله عنه) قال:
رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ضرب كتف علي بن أبي طالب (عليه السلام) بيده وقال:
«يا علي مَن أَحَبّنا فهو العربي ومَن أبغَضَنا فهو العلج، فشيعتنا أهل البيوتات والمعادن والشرف ومَن كان مولده صحيحاً، وما على ملة ابراهيم (عليه السلام) الا نحن وشيعتنا وسائر الناس منها براء، ان الله وملائكته يهدمون سيّئات شيعتنا كما يهدم القدوم البنيان[519].
(2)روى ثقة الاسلام الكليني في «روضة الكافي» بالاسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«نحن بنو هاشم وشيعتنا العرب وسائر الناس الاعراب»[520].
(3)وروى الكليني (رحمه الله) في «روضة الكافي» بالاسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
[518]( 1) فضائل الشيعة: ص 11 ح 9
[519]( 2) راجع: القطرة: ج 2 ص 32 ح 10. ورواه العلامة الطبري في« بشارة المصطفى»( ص 102 ط الحيدرية). وأمالي الطوسي: ج 1 ص 194. والبحار: ج 68 ص 23 ح 41. والعلج: الكافر
[520]( 3) روضة الكافي: ج 1 ص 317 ح 183