المقدمة الثانية: «اعتقاداتنا في الغلاة»
، قال الصدوق ابن بابويه (رحمه الله) في كتاب الإعتقادات:
اعتقادنا في الغلاة والمفوضة انّهم كفّار باللّه جلّ اسمه، وانّهم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والقدريّة والحروريّة من جميع أهل البدع والأهواء المضلّة، وانه ما صغر اللّه جل جلاله تصغيرهم شيء كما قال اللّه تعالى:
(ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون اللّه ولكن كونوا ربّانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون* ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبييّن ارباباً ايامركم بالكفر بعد اذ انتم مسلمون). وقال تعالى: (ولا تغلوا في دينكم).
واعتقادنا في النبي (صلى الله عليه وآله) انه سُمّ في غزوة خيبر فما زالت هذه الاكلة تعاوده حتى قطعت أبهره فمات منها، وأميرالمؤمنين (عليه السلام) قتله عبدالرحمن بن ملجم لعنه اللّه تعالى ودُفن بالغري، والحسن بن علي (عليه السلام) سمّته إمرأته جُعدة بنت الأشعث الكندي لعنهما اللّه فمات من ذلك، والحسين بن علي (عليه السلام) قتل بكربلاء وقاتله سنان بن أنس النخعي لعنه اللّه، وعلي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) سمّه الوليد بن عبدالملك لعنه اللّه، والصادق (عليه السلام) سمّه ابوجعفر المنصور الدوانيقي لعنه اللّه فقتله، وموسى بن جعفر (عليه السلام)، سمّه هارون لعنه اللّه فقتله، والرضا علي بن موسى (عليه السلام) قتله
المأمون لعنه اللّه، وابوجعفر محمد بن علي (عليه السلام) قتله المعتصم بالسمّ لعنه اللّه، وعلي بن محمّد (عليه السلام) قتله المتوكل بالسمّ لعنه اللّه، والحسن بن علي العسكري (عليه السلام) قتله المعتمد بالسم لعنه اللّه.
واعتقادنا انّ ذلك جرى عليهم في الحقيقة، وانه ما شُبه للناس بأمرهم كما يزعمه من يتجاوز فيهم من الناس بل شاهدوا قتلهم على الحقيقة والصحّة، لا على الحسبان والحيلولة، ولا على الشك والتهمة، فمن زعم انهم شبهوا أو واحد منهم فليس من ديننا على شيء، ونحن منه براء، وقد أخبر النبي والأئمة (عليهم السلام) انهم مقتولون، فمن قال انهم لم يقتلوا فقد كذّبهم، ومن كذّبهم فقد كذب الله عزّوجل وكفر به وخرج عن الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.[9]
[9]اثبات الهداة( ج 3، ح 40، الفصل 9، ص 755)
مقدمة المؤلف
«بسم اللّه الرحمن الرحيم»
ان انحراف الغلاة في عقائدهم عن الصراط المستقيم والمنهج القويم للاسلام، وانتحال بعضهم واجهة التشيّع لنشر الحاده وكفره بين المسلمين، أعطى أعدائنا السلاح لاتهام أئمة الحق والطعن في عقيدة التشيّع بدون رويّة، فقد ذهب اكثر المؤرّخين من العامة الى ربط تاريخ الغلاة بتاريخ الشيعة، واتهموا الطائفة الحقّة بالانحراف بتهم باطلة لا أساس لها.
وقد برزت عقيدة الغلاة الممسوخة في صدر الإسلام، حيث انتشرت فضائل أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) فملأت الخافقين، فلم تحتملها عقول بعض الجهلة وضعاف النفوس، كردّه (عليه السلام) للشمس، واحيائه للموتى، وبطولاته الخارقة في الحروب، ومعاجزه الكثيرة، فقال البعض منهم بالوهيّة علي (عليه السلام) وهو منهم براء، فاستتابهم أيام خلافته مراراً، ووعظهم تكراراً، فلم يتوبوا ولم يرجعوا عن مقالتهم، فتبرأ الامام منهم ومن فعالهم، فحفر لهم حفيرة، وأوقد فيها النار، فماتوا من الدخان، ومات ذكرهم بموتهم.
ثم نشطت حركة الغلاة ثانية في عصر الامامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، حيث انتشرت في زمانهما العلوم الغريبة والفلسفة وترجمة الكتب اليونانية، فظهرت على الساحة مجدداً عقائد الملاحدة والزنادقة والحلولية والمجسمة والتناسخ
ظهوراً ملموساً يخشى منه على الإسلام، وبرزت الى جانبها مدرسة الصادقين (عليهما السلام) العملاقة لتقف أمام سيل الكفر والإلحاد والزندقة والشبهات، فكان المنتسبون لها يربو عددهم على الآلاف في مسجد الكوفة، وكل منهم يقول: حدّثني جعفر بن محمد (عليه السلام).
واندسّ في هذه الاثناء بعض الملاحدة في صفوف الطلبة المنتسبين للصادق (عليه السلام)، فروّجوا لأفكارهم الفاسدة بين طائفة الشيعة، عن طريق الخداع والتضليل، وتارة مستخدمين للسِحر والشعبذة، ومتسترين تحت شعار حب أهل البيت (عليهم السلام) لاستمالة قلوب العوام والجهّال، فتصدى لهم ائمة الحق بعنف- كلّ في زمانه- وحاربوهم، وشهروا فساد عقائدهم، ولعنوهم وتبرّؤا منهم.
ونستعرض فيما يلي رؤساء الغلاة في زمن الصادق (عليه السلام) وموقفه منهم، ونذكر في الكتاب ايضاً ماتيسّر لنا نقله من كلمات أئمة الحق (عليهم السلام) في عبوديتهم للّه عزّ وجل ونفي الغلوّ عنهم، وبراءتهم من الغلاة، واللّه ولي التوفيق.
المؤلف
عبدآل محمد
الفصل الاول: «رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)»
(1)روي عن مولانا أبي جعفر (عليه السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): ألا ان لكل عبادة شرّة،[10]ثم تصير الى فترة، فمن صارت شرعة عبادته الى سُنَّتي فقد اهتدى، ومن خالف سنتي فقد ضلّ، وكان عمله في تباب، أما اني اصلي، وأنام، وأصوم، وافطر، وأضحك، وابكي، فمن رغب عن منهاجي وسنتي فليس منّي، وقال: كفى بالموت موعظة، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلًا.[11]
(2)وروى الراوندي باسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): لا ترفعوني فوق حقّي فإن اللّه تعالى اتخذني عبداً قبل ان يتخذني نبيّاً.[12]
[10]الشرّة: بكسر الشين وتشديد الراء: شدة الرغبة
[11]البحار( 71، ص 209 عن الكافي)؛ مستدرك سفينة البحار( ج 53: 7)
[12]نوادر الراوندي: ص 16؛ البحار( ج 25، ح 5، ص 265)؛ باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه( عليهم السلام) عن كتاب مدينة البلاغة( القسم الثاني من الخطب: 40 ص 278 ج 1 منشورات الكعبة).
(3)عن ابن صدقه، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): صنفان لا تنالهما شفاعتي: سلطان غشوم عسوف، وغال في الدين مارق منه غير تائب ولانازع.[13]
(4)وروى الشيخ حسن بن سليمان في كتاب «المحتضر» من كتاب السيد حسن بن كبش باسناده الى المفيد رفعه الى ابي بصير، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله):
ان اللّه تعالى اختار من الأيام يوم الجمعة ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، واختار من الناس الأنبياء والرسل، واختارني من الرسل، واختار مني عليّاً، واختار من علي الحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء يمنعون عن التنزيل تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأوُّل الجاهلين، تاسعهم باطنهم ظاهرهم قائمهم وهو أفضلهم.[14]
(5)في تفسير قوله تعالى:
(ما كان لبشر ان يؤتيه ... أيامركم بالكفر بعد اذ انتم مسلمون)
[15]قيل: تكذيب ورد على عبدة عيسى (عليه السلام)، وقيل: ان ابا رافع القرظي، والسيّد النجراني قالا: يا محمد اتريد ان نعبدك ونتخذك ربّا؟
فقال (صلى الله عليه وآله): معاذ اللّه ان نعبد غير اللّه، وان نأمر بغير عبادة اللّه، فما بذلك
[13]قرب الاسناد: ص 61؛ البحار( ج 25، ح 11، ص 269)
[14]المحتضر: 159؛ البحار( ج 25، ح 22، ص 363)
[15]آل عمران: 79 و 80
بعثني ولا بذلك امرني، فنزلت.
وقيل: قال رجل: يا رسول اللّه نسلّم عليك كما يُسلّم بعضنا على بعض؟ افلا نسجد لك؟
قال: لا ينبغي ان يسجد لاحد من دون اللّه، ولكن اكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله، «ولكن كونوا» أي ولكن يقول: كونوا «ربّانيين» الربّاني منسوب الى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني، وهو الكامل في العلم والعمل «بما كنتم» أي بسبب كونكم معلمين الكتاب، وكونكم دارسين له «ولا يأمركم» بالنصب عطفا على «ثم يقول» ولا مزيدة لتأكيد النفي في قوله: «ما كان» او بالرفع على الاستيناف أو الحال، «أيأمركم» أي البشر أو الربّ تعالى.[16]
(6)روى محمد بن علي بن الحسين بن بابويه في كتاب من لايحضره الفقيه قال:
قال النبي (صلى الله عليه وآله): صنفان من أمتي لا نصيب لهما في الإسلام، الناصب أهل بيتي حرباً، وغال في الدين مارق منه.[17]
(7)روى الشيخ أبوعلي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي في الأمالي باسناده عن علي بن موسى عن أبيه عن جدّه، عن آبائه عن علي (عليهما السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): يا علي ان فيك مثلًا من عيسى بن مريم احبّه قوم وافرطوا في حبّه فهلكوا، وأبغضه قوم، وأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد قوم فيه
[16]البحار( ج 25، ص 363)
[17]رواه الحر العاملي في اثبات الهداة( ج 3، ح 21، ص 749)
فنجوا.[18]
(8)وفي تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال:
كان رسول اللّه (عليه السلام) قاعداً ذات يوم هو وعليّ (عليه السلام) إذ سمع قائلًا يقول: ما شاء اللّه وشاء محمد، وسمع آخر يقول: ما شاء اللّه وشاء علي، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): لا تقرنوا محمّداً ولا عليّا باللّه عزّ وجل، ولكن قولوا: ما شاء اللّه ثم شاء محمد ما شاء اللّه ثم شاء علي، ان مشيّة اللّه هي القاهرة التي لاتساوى ولاتكافى ولاتدانى، وما محمد في دين اللّه وفي قدرته إلا كذبابة تطير في هذه الممالك الواسعة، وما علي في دين اللّه وفي قدرته الا كبعوضة في جملة هذه الممالك.[19]
(9)وروى محمد بن علي بن شهرآشوب في المناقب:
عن معقل بن يسار قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): رجلان من أمّتي لاتنالهما شفاعتي: امام ظلوم غشوم، وغال في الدين مارق منه.[20]
(10)وروى محمد بن علي بن شهرآشوب في المناقب قال:
وروى احمد بن حنبل في المبتدأ وابوالسعادات في فضايل العشرة: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم، احبّه قوم
[18]رواه الحرّ العاملي في اثبات الهداة( ج 3، ح 47، ص 749)
[19]اثبات الهداة:( ج 3، ح 79، ص 767)
[20]اثباة الهداة( ج 3، ح 104، ص 773)