الجوار ، مثلاً الحليف كذلك ، مثلاً الناصر أو الاخ ، هذه كلّها ولايات ، لكن المعنىٰ الوحداني الموجود في جميع هذه الموارد هو القيام بالأمر.
هذا بناء علىٰ أن تكون الولاية مشتركاً معنويّاً.
وأمّا إذا جعلنا الولاية مشتركاً لفظيّاً ، فمعنىٰ ذلك أن يكون هناك مصاديق متعدّدة ومعاني متعدّدة للّفظ الواحد ، مثل كلمة العين ، كلمة العين مشترك لفظي ، ويشترك في هذا : العين الجارية ، والعين الباصرة ، وعين الشمس ، وغير ذلك كما قرأتم في الكتب الأُصوليّة.
فالاشتراك ينقسم إلىٰ اشتراك معنوي واشتراك لفظي ، في الدرجة الأُولىٰ نستظهر أن تكون الولاية مشتركاً معنويّاً ، وعلىٰ فرض كون المراد من الولاية المعنىٰ المشترك بالاشتراك اللفظي ، فيكون من معاني لفظ الولاية : الأحقية بالأمر ، الأولويّة بالأمر ، فهذا يكون من جملة معاني لفظ الولاية ، وحينئذ لتعيين هذا المعنىٰ نحتاج إلىٰ قرينة معيّنة ، كسائر الألفاظ المشتركة بالاشتراك اللفظي.
وحينئذ لو رجعنا إلىٰ القرائن الموجودة في مثل هذا المورد ، لرأينا أنّ القرائن الحاليّة والقرائن اللفظيّة ، وبعبارة أُخرىٰ القرائن
المقاميّة والقرائن اللفظيّة كلّها تدلّ علىٰ أنّ المراد من الولاية في هذه الآية المعنىٰ الذي تقصده الإماميّة ، وهو الأولويّة والأحقيّة بالأمر.
ومن جملة القرائن اللفظيّة نفس الروايات الواردة في هذا المورد.
يقول الفضل ابن روزبهان في ردّه[١]على العلاّمة الحلّي رحمة الله عليه : إنّ القرائن تدلّ علىٰ أنّ المراد من الولاية هنا النصرة ، ف(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)، أي إنّما ناصركم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة إلىٰ آخر الآية المباركة.
فابن روزبهان يجعل الولاية بمعنىٰ النصرة ، والنصرة أحد معاني لفظ الولاية كما في الكتب اللغويّة ، لكن الروايات أنفسها ونفس الروايات الواردة في القضيّة تنفي أن يكون المراد من الولاية هنا النصرة.
مثلاً هذه الرواية ـ وهي موجودة في تفسير الفخر الرازي ، موجودة في تفسير الثعلبي ، موجودة في كتب أُخرىٰ[١]ـ : أنّ
[١]إحقاق الحقّ ٢ / ٤٠٨.[٢]تفسير الرازي١١ / ٢٥ ، تفسير الثعلبي ـ مخطوط.
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلملمّا علم بأنّ عليّاً تصدّق بخاتمه للسائل ، تضرّع إلى الله وقال : « اللهمّ إنّ أخي موسىٰ سألك قال :(رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي*وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي*وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي*يَفْقَهُوا قَوْلِي*وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي*هَارُونَ أَخِي*اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي*كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا*وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا*إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا)فأوحيت إليه :(قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ)[١]، اللهمّ وإنّي عبدك ونبيّك فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أُشدد به ظهري ... » قال أبو ذر : فوالله ما استتمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمالكلمة حتّىٰ هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآية :(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)إلىٰ آخر الآية.
فهل يعقل وهل يرتضي عاقل فاهم له أدنىٰ إلمام بالقضايا ، وباللغة ، وبأُسلوب القرآن ، وبالقضايا الواردة عن رسول الله ، هل يعقل حمل الولاية في هذه الآية مع هذه القرائن على النصرة ؟ بأن يكون رسول الله يطلب من الله سبحانه وتعالىٰ أن يعلن إلىٰ الملأ ، إلىٰ الناس ، بأنّ عليّاً ناصركم ، فيتضرّع رسول الله بهذا التضرّع إلىٰ الله سبحانه وتعالىٰ في هذا المورد ، فيطلب من الله نزول آية تفيد
[١]سورة طه : ٢٥ ـ ٣٦.
بأنّ عليّاً ناصر المؤمنين ؟ وهل كان من شك في كون عليّاً ناصراً للمؤمنين حتّىٰ يتضرّع رسول الله في مثل هذا المورد ، مع هذه القرائن ، وبهذا الشكل من التضرّع إلىٰ الله سبحانه وتعالىٰ ، وقبل أن يستتمّ رسول الله كلامه تنزل الآية من قبل الله(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)أي إنّما ناصركم الله ورسوله والذين آمنوا إلىٰ آخر الآية ؟ هل يعقل أن يكون المراد من(وَلِيُّكُمُ)أي ناصركم في هذه الآية مع هذه القرائن ؟
إذن ، لو أصبحت « الولاية » مشتركاً لفظيّاً ، وكنّا نحتاج إلىٰ القرائن المعيّنة للمعنىٰ المراد ، فالقرائن الحاليّة والقرائن اللفظيّة كلّها تعيّن المعنىٰ ، وتكون كلمة « الولاية » بمعنىٰ : الأولويّة ، فالأولويّة الثابتة لله وللرسول ثابتة للذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.
إذن ، عرفنا معنىٰ « إنّما » ومعنىٰ « الولاية » في هذه الآية.
ثمّ الواو في(وَالَّذِينَ آمَنُوا)هذه الواو عاطفة ، وأمّا الواو التي تأتي قبل(وَهُمْ رَاكِعُونَ)هذه الواو الحاليّة ـ وهم راكعون ـ أي في حال الركوع.
حينئذ يتمّ الإستدلال ، إنّما وليّكم أي إنّما الأولىٰ بكم : الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة في حال
الركوع ، والروايات قد عيّنت المراد من الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.
فهذا وجه الإستدلال بهذه الآية وإلىٰ هذه المرحلة وصلنا.
إذن تمّ بيان شأن نزول الآية المباركة ، وتمّ بيان وجه الإستدلال بالآية المباركة بالنظر إلىٰ مفرداتها واحدة واحدة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الجهة الثالثةالاعتراضات والمناقشات
وحينئذ ، يأتي دور الإعتراضات :
أمّا اعتراض شيخ الإسلام ابن تيميّة ، فقد عرفتم أنّه ليس باعتراض وإنّما هو افتراء ، لا علىٰ الإماميّة فقط ، وإنّما افتراء علىٰ عموم المفسّرين والمحدّثين من أهل السنّة أيضاً ، افتراء علىٰ المتكلّمين من كبار علماء طائفته ، وهذا ديدن هذا الرجل في كتابه ، وقد تتبّعت كتابه من أوّله إلىٰ آخره ، واستخرجت منه النقاط التي لو اطّلعتم عليها لأيّدتم من قال بكفر هذا الرجل ، لا بكفره بل بكفر من سمّاه بشيخ الإسلام.
تبقىٰ الإعتراضات الأُخرىٰ :
الاعتراض الأوّل
هو الاعتراض في معنىٰ الولاية ، وقد ذكرناه.
وذكرنا أنّ قائله هو الفضل ابن روزبهان الذي ردّ على العلاّمة الحلّي بكتابه إبطال الباطل ، وردّ عليه السيّد القاضي نور الله التستري بكتاب إحقاق الحق ، وأيضاً ردّ عليه الشيخ المظفر في كتاب دلائل الصدق.
الاعتراض الثاني
احتمال أن تكون الواو في(وَهُمْ رَاكِعُونَ)واو عاطفة لا واو حاليّة ، وحينئذ يسقط الإستدلال ، لأنّا ـ نحن الطلبة ـ نقول : إذا جاء الإحتمال بطل الإستدلال ، الإستدلال يتوقّف علىٰ أن تكون الواو هذه حاليّة ، فالذي أعطىٰ الخاتم ، إعطاؤه كان حال كونه راكعاً ، وهو عليعليهالسلام، أمّا لو كانت الواو عاطفة يكون المعنىٰ(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)أي هم يركعون ، يؤتون الزكاة ويصلّون ويركعون ، إذن لا علاقة للآية المباركة بالقضيّة ، فهذا الإحتمال إنْ تمّ سقط الإستدلال.
لكنّ هذا الإحتمال يندفع بمجرّد نظرة سريعة إلىٰ الروايات الواردة في القضيّة ، تلك الروايات التي تجدونها بأقل تقدير لو ترجعون إلىٰ الدر المنثور ، لوجدتم الروايات هناك ، وهي صريحة