واليَتَامى والمسَاكِينَ وابنَ السَّبيلِ والسَّآئلينَ وفي الرقابِ وأقامَ الصَّلاةِ وإتَى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَدِهِم إذا عاهَدُوا والصَّابرينَ في البأسآءِ والضَّرَّآءِ وَحِينَ البأسِ أُولئِكَ الَّذينَ صَدَقُوا وأُولئكَ هُمُ المُتَّقُونَ»[١].
وجعل قطيعة الرحم سببا للعنة الالهية فقال : «فَهل عَسَيتُم إن تَولَّيتُم أن تُفسدُوا في الأرضِ وتُقطّعُوا أرحامَكُم * أولئكَ الَّذينَ لَعنَهُم اللّه فأصمّهم وأعمَى أبصارَهُم»[٢].
صلة الأرحام في الأحاديث الشريفة :
لقد دعا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلموأهل البيتعليهمالسلامإلى صلة الأرحام في جميع الأحوال ، وأن تقابل القطيعة بالصلة حفاظا على الأواصر والعلاقات ، وترسيخا لمبادى ء الحب والتعاون والوئام.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّ الرحم معلقة بالعرش ، وليس الواصل بالمكافى ء ، ولكن الواصل من الذي إذا انقطعت رحمه وصلها»[٣].
وقال أبو ذر الغفاريرضياللهعنه: (أوصاني رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمأن أصل رحمي وإن أدبَرَت)[٤].
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام: «صلوا أرحامكم وإن قطعوكم»[٥].
[١]سورة البقرة : ٢ / ١٧٧.[٢]سورة محمد : ٤٧ / ٢٢ ـ ٢٣.[٣]جامع الأخبار / السبزواري : ٢٨٧ ـ مؤسسة آل البيتعليهمالسلامـ قم ـ ١٤١٤ هـ ط١.[٤]الخصال / الصدوق ٢ : ٣٤٥ / ١٢ ـ جماعة المدرسين ـ قم ـ ١٤٠٣ هـ.[٥]بحار الانوار ٧٤ : ٩٢.
ومما جاء في فضل صلة الأرحام في الحديث الشريف أنها خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة ، وأنها أعجل الخير ثوابا ، وأنها أحبّ الخطى التي تقرب العبد إلى اللّه زلفى ، وتزيد في ايمانه.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ من عفا عمن ظلمه ، ووصل من قطعه ، وأعطى من حرمه»[١].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «أعجل الخير ثوابا صلة الرحم ، وأسرع الشر عقابا البغي»[٢].
وقال الإمام علي بن الحسينعليهالسلام: «ما من خطوة أحبّ إلى اللّه عزَّ وجلَّ من خطوتين : خطوة يسدّ بها المؤمن صفّا في سبيل اللّه ، وخطوة إلى ذي رحم قاطع»[٣].
وقال الإمام موسى الكاظمعليهالسلام: «صلة الارحام وحسن الخلق زيادة في الايمان»[٤].
ولقد رتّب الإمام علي بن الحسينعليهالسلامحقوق الأرحام تبعا لدرجات القرب النسبي ، فيجب صلة الأقرب فالأقرب ، فقال : «وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة ، فأوجبها عليك حقّ أُمك ، ثم حقّ أبيك ، ثم حقّ ولدك ، ثم حقّ أخيك ، ثم الأقرب فالأقرب ، والأول
[١]جامع الأخبار : ٢٨٧.[٢]جامع الاخبار : ٢٩٠.[٣]الخصال ١ : ٥٠ / ٦٠.[٤]جامع الاخبار : ٢٩٠.
فالأول»[١].
وتتجلى مظاهر الصلة بالاحترام والتقدير والزيارات المستمرة وتفقد أوضاعهم الروحية والمادية ، وتوفير مستلزمات العيش الكريم لهم ، وكفّ الأذى عنهم.
ولقد دعا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلامإلى تفقّد أحوال الأرحام المادية وإشباعها ، فقال : «ألا لا يعدلنَّ أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالذي لا يزيده إن أمسكه ، ولا ينقصه إن أهلكه ، ومن يقبض يده عن عشيرته ، فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة ، وتقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة ، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة»[٢].
وأدنى الصلة هي الصلة بالسلام ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «صلوا أرحامكم ولو بالسلام»[٣].
وأدنى الصلة المادية هي الاسقاء ، قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: « صل رحمك ولو بشربة ماء ... »[٤].
ومن مصاديق صلة الأرحام كفّ الأذى عنهم ، قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «عظّموا كباركم ، وصلوا أرحامكم ، وليس تصلونهم بشيء أفضل من كفّ الأذى عنهم»[٥].
[١]تحف العقول : ١٨٣.[٢]نهج البلاغة : ٦٥ ، الخطبة : ٢٣ ، تحقيق صبحي الصالح.[٣]تحف العقول : ٤٠.[٤]بحار الأنوار ٧٤ : ٨٨.[٥]الكافي ٢ : ١٦٥.
قطيعة الأرحام في الأحاديث الشريفة :
الإسلام دين التآزر والتعاون والوئام ، لذا حرّم جميع الممارسات التي تؤدي إلى التقاطع والتدابر ، لأنها تؤدي إلى تفكيك أواصر المجتمع ، وخلخلة صفوفه ، فحرّم قطيعة الرحم ، وجعلها موجبة لدخول النار والحرمان من الجنّة.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «ثلاثة لا يدخلون الجنة : مدمن خمر ، ومدمن سحر ، وقاطع رحم»[١].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «اثنان لا ينظر اللّه إليهما يوم القيامة : قاطع رحم ، وجار السوء»[٢].
وقطيعة الرحم موجبة للحرمان من البركات الالهية ، كنزول الملائكة وقبول الأعمال.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّ الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم»[٣].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّ أعمال بني آدم تعرض كلّ عشية خميس ليلة الجمعة ، فلا يقبل عمل قاطع رحم»[٤].
وقطيعة الرحم من الذنوب التي تعجّل الفناء ، قال الإمام الصادقعليهالسلام:
[١]الخصال ١ : ١٧٩ / ٢٤٣.[١]كنز العمال ٣ : ٣٦٧ / ٦٩٧٥.[٢]كنز العمال ٣ : ٣٦٧ / ٦٩٧٤.[٣]كنز العمال ٣ : ٣٧٠ / ٦٩٩١.[٤]بحار الأنوار ٧٤ : ٩٤.
«الذنوب التي تعجل الفناء قطيعة الرحم»[١].
وكان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلميتخوف على المسلمين من قطيعتهم لأرحامهم ، وكان يقول : «إنّي أخاف عليكم استخفافا بالدين ، ومنع الحكم ، وقطيعة الرحم ، وأن تتّخذوا القرآن مزامير ، تقدّمون أحدكم وليس بأفضلكم في الدين»[٢].
ومقابلة القطيعة بالقطيعة ظاهرة سلبية في العلاقات ، وهي موجبة لعدم رضا اللّه تعالى عن الجميع ، ففي رواية أنّ رجلاً أتى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمفقال : (يا رسول اللّه ، أهل بيتي أبوا إلاّ توثّبا عليَّ وقطيعة لي وشتيمة ، فأرفضهم؟) قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذن يرفضكم اللّه جميعا» قال : كيف أصنع؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمَّن ظلمك ، فانك إذا فعلت ذلك ، كان لك من اللّه عليهم ظهير»[٣].
الآثار الروحية والمادية لصلة الأرحام وقطيعتها :
لصلة الارحام آثار ايجابية في الحياة الإنسانية بجميع مقوماتها الروحية والخلقية والمادية ، قال الإمام محمد الباقرعليهالسلام: «صلة الارحام تزكي الأعمال ، وتنمي الأموال ، وتدفع البلوى ، وتيسّر الحساب ، وتنس ء في الأجل»[٤].
وقال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «صلة الأرحام تُحسن الخلق ، وتسمّح
[١]عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق ٢ : ٤٢.[٢]الكافي ٢ : ١٥٠.[٣]الكافي ٢ : ١٥٠.[٤]الكافي ٢ : ١٥١.
الكف ، وتطيب النفس ، وتزيد في الرزق ، وتنس ء في الأجل»[١].
وصلة الرحم تزيد في العمر ، وقد دلّت الروايات على ذلك ، وأثبتت التجارب الاجتماعية ذلك من خلال دراسة الواقع ، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادقعليهالسلامأنّه قال : «ما تعلم شيئا يزيد في العمر إلاّ صلة الرحم ، حتى أن الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولاً للرحم فيزيده اللّه في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثا وثلاثين سنة ، ويكون أجله ثلاثا وثلاثين سنة ، فيكون قاطعا للرحم فينقصه اللّه ثلاثين سنة ويجعل أجله إلى ثلاث سنين»[٢].
والواصل لأرحامه يكون محل احترام وتقدير من قبلهم ومن قبل المجتمع ، وهو أقدر من غيره على التعايش مع سائر الناس ، لقدرته على إقامة العلاقات الحسنة ، ويمكنه أن يؤدي دوره الاجتماعي على أحسن وجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأداء مسؤوليته في البناء المدني والحضاري باعتباره عنصر مرغوب فيه ، وبعكسه القاطع لرحمه ،
فإنّه يفقد تأثيره في المجتمع ، لعدم الوثوق بنواياه وممارساته العملية.
ثانيا : حقوق الجيران
لرابطة الجوار دور كبير في حركة المجتمع التكاملية ، فهي تأتي في المرتبة الثانية من بعد رابطة الأرحام ، إذ للجوار تأثير متبادل على سير الاُسرة ، فهو المحيط الاجتماعي المصغّر الذي تعيش فيه الاُسرة
[١]الكافي ٢ : ١٥١.[٢]الكافي ٢ : ١٥٢ ـ ١٥٣.
وتنعكس عليها مظاهره وممارساته التربوية والسلوكية ، ولهذا نجد أنّ المنهج الاسلامي أبدى فيه عناية خاصة ، فقد قرن القرآن الكريم عبادة اللّه تعالى والاحسان إلى الوالدين والارحام بالاحسان إلى الجار كما في قوله تعالى : «واعبدُوا اللّه ولا تُشرِكُوا بهِ شَيئا وبالوالِدَينِ إحسانا وبذي القُربى واليتَامى والمَساكينِ والجارِ ذي القُربى والجارِ الجُنُبِ والصّاحبِ بالجَنبِ»[١].
فقد رسم القرآن الكريم منهجا موضوعيا في العلاقات الاجتماعية يجمعه الاحسان إلى أفراد المجتمع وخصوصا المرتبطين برابطة الجوار.
وحق الجوار لا ينظر فيه إلى الانتماء العقائدي والمذهبي ، بل هو شامل لمطلق الانسان مسلما كان أم غير مسلم ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «الجيران ثلاثة : فمنهم من له ثلاثة حقوق : حق الجوار ، وحق الإسلام ، وحق القرابة ، ومنهم من له حقّان : حق الإسلام ، وحق الجوار ، ومنهم من له حق واحد : الكافر له حق الجوار»[٢].
الوصايا الشريفة :
أوصى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلموأهل بيته بمراعاة حق الجوار ، والسعي إلى تحقيقه في الواقع ، وركز على ذلك باعتباره من وصايا اللّه تعالى له ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «مازال جبرئيلعليهالسلاميوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورثه»[٣].
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام: «واللّه اللّه في جيرانكم ، فإنّهم وصية نبيكم ،
[١]سورة النساء : ٤ / ٣٦.[٢]جامع السعادات / النراقي ٢ : ٢٦٧.[٣]بحار الانوار ٧٤ : ٩٤.
مازال يوصي بهم حتى ظنّنا أنه سيورّثهم»[١].
وقد كتب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمكتابا بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل المدينة : «إنّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم ، وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه»[٢].
وقد جعل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمإكرام الجار من علامات الايمان فقال : «من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم جاره»[٣].
واستعاذصلىاللهعليهوآلهوسلممن جار السوء الذي أطبقت الانانية على مشاعره ومواقفه فقال : «اعوذ باللّه من جار السوء في دار إقامة ، تراك عيناه ويرعاك قلبه ، إن رآك بخير ساءه ، وإن رآك بشر سرّه[٤]».
حسن الجوار :
إنّ حسن الجوار من الأوامر الالهية ، كما قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «عليكم بحسن الجوار ، فإنّ اللّه عزَّ وجلَّ أمر بذلك[٥]».
وحسن الجوار ليس كف الأذى فحسب ، وإنّما هو الصبر على الأذى من أجل إدامة العلاقات ، وعدم حدوث القطيعة ، قال الإمام موسى الكاظمعليهالسلام: «ليس حسن الجوار كف الأذى ، ولكن حسن الجوار الصبر
[١]نهج البلاغة : ٤٢٢ ، كتاب : ٤٧.[٢]الكافي ٢ : ٦٦٦.[٣]المحجة البيضاء ٣ : ٤٢٢.[٤]الكافي ٢ : ٦٦٩.[٥]بحار الانوار ٧٤ : ١٥٠.