بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 102

وعلى هذا الصعيد تتصدر في المنهاج الإسلامي ثلاثة عناوين بارزة ، وهي : صلة الأرحام ، وحقوق الجيران ، وحقوق المجتمع.

أولاً : صلة الأرحام

من السنن الالهية المودعة في فطرة الإنسان هي الارتباط الروحي والعاطفي بأرحامه وأقاربه ، وهي سُنّة ثابتة يكاد يتساوى فيها أبناء البشر ، فالحب المودع في القلب هو العلقة الروحية المهيمنة على علاقات الإنسان بأقاربه ، وهو قد يتفاوت تبعا للقرب والبعد النسبي إلاّ أنّه لا يتخلّف بالكلية.

ولقد راعى الإسلام هذه الرابطة ، ودعا إلى تعميقها في الواقع ، وتحويلها إلى مَعلَم منظور ، وظاهرة واقعية تترجم فيه الرابطة الروحية إلى حركة سلوكية وعمل ميداني.

فانظر كيف قرن تعالى بين التقوى وصلة الأرحام ، فقال : « ...واتّقُوا اللّه الذي تَساءَلُونَ بهِ والارحامَ إنّ اللّه كانَ عليكُم رقيبا»[١].

وذكر صلة القربى في سياق أوامره بالعدل والاحسان ، فقال : «إنَّ اللّه يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذِى القُربى وينَهى عن الفحشَاءِ والمنكرِ والبَغي يَعظُكُم لعلّكُم تَذكَّرونَ»[٢].

وبالاضافة إلى الصلة الروحية دعا إلى الصلة المادية ، وجعلها مصداقا للبرّ، فقال تعالى:«... ولكنَّ البِرَّ مَن ... آتى المالَ على حُبّه ذوى القُربى

[١]سورة النساء : ٤ / ١.[٢]سورة النحل : ١٦ / ٩٠.


صفحه 103

واليَتَامى والمسَاكِينَ وابنَ السَّبيلِ والسَّآئلينَ وفي الرقابِ وأقامَ الصَّلاةِ وإتَى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَدِهِم إذا عاهَدُوا والصَّابرينَ في البأسآءِ والضَّرَّآءِ وَحِينَ البأسِ أُولئِكَ الَّذينَ صَدَقُوا وأُولئكَ هُمُ المُتَّقُونَ»[١].

وجعل قطيعة الرحم سببا للعنة الالهية فقال : «فَهل عَسَيتُم إن تَولَّيتُم أن تُفسدُوا في الأرضِ وتُقطّعُوا أرحامَكُم * أولئكَ الَّذينَ لَعنَهُم اللّه فأصمّهم وأعمَى أبصارَهُم»[٢].

صلة الأرحام في الأحاديث الشريفة :

لقد دعا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموأهل البيتعليهم‌السلامإلى صلة الأرحام في جميع الأحوال ، وأن تقابل القطيعة بالصلة حفاظا على الأواصر والعلاقات ، وترسيخا لمبادى ء الحب والتعاون والوئام.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إنّ الرحم معلقة بالعرش ، وليس الواصل بالمكافى ء ، ولكن الواصل من الذي إذا انقطعت رحمه وصلها»[٣].

وقال أبو ذر الغفاريرضي‌الله‌عنه: (أوصاني رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأن أصل رحمي وإن أدبَرَت)[٤].

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام: «صلوا أرحامكم وإن قطعوكم»[٥].

[١]سورة البقرة : ٢ / ١٧٧.[٢]سورة محمد : ٤٧ / ٢٢ ـ ٢٣.[٣]جامع الأخبار / السبزواري : ٢٨٧ ـ مؤسسة آل البيتعليهم‌السلامـ قم ـ ١٤١٤ هـ ط١.[٤]الخصال / الصدوق ٢ : ٣٤٥ / ١٢ ـ جماعة المدرسين ـ قم ـ ١٤٠٣ هـ.[٥]بحار الانوار ٧٤ : ٩٢.


صفحه 104

ومما جاء في فضل صلة الأرحام في الحديث الشريف أنها خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة ، وأنها أعجل الخير ثوابا ، وأنها أحبّ الخطى التي تقرب العبد إلى اللّه زلفى ، وتزيد في ايمانه.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ من عفا عمن ظلمه ، ووصل من قطعه ، وأعطى من حرمه»[١].

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «أعجل الخير ثوابا صلة الرحم ، وأسرع الشر عقابا البغي»[٢].

وقال الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام: «ما من خطوة أحبّ إلى اللّه عزَّ وجلَّ من خطوتين : خطوة يسدّ بها المؤمن صفّا في سبيل اللّه ، وخطوة إلى ذي رحم قاطع»[٣].

وقال الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام: «صلة الارحام وحسن الخلق زيادة في الايمان»[٤].

ولقد رتّب الإمام علي بن الحسينعليه‌السلامحقوق الأرحام تبعا لدرجات القرب النسبي ، فيجب صلة الأقرب فالأقرب ، فقال : «وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة ، فأوجبها عليك حقّ أُمك ، ثم حقّ أبيك ، ثم حقّ ولدك ، ثم حقّ أخيك ، ثم الأقرب فالأقرب ، والأول

[١]جامع الأخبار : ٢٨٧.[٢]جامع الاخبار : ٢٩٠.[٣]الخصال ١ : ٥٠ / ٦٠.[٤]جامع الاخبار : ٢٩٠.


صفحه 105

فالأول»[١].

وتتجلى مظاهر الصلة بالاحترام والتقدير والزيارات المستمرة وتفقد أوضاعهم الروحية والمادية ، وتوفير مستلزمات العيش الكريم لهم ، وكفّ الأذى عنهم.

ولقد دعا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلامإلى تفقّد أحوال الأرحام المادية وإشباعها ، فقال : «ألا لا يعدلنَّ أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالذي لا يزيده إن أمسكه ، ولا ينقصه إن أهلكه ، ومن يقبض يده عن عشيرته ، فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة ، وتقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة ، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة»[٢].

وأدنى الصلة هي الصلة بالسلام ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «صلوا أرحامكم ولو بالسلام»[٣].

وأدنى الصلة المادية هي الاسقاء ، قال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام: « صل رحمك ولو بشربة ماء ... »[٤].

ومن مصاديق صلة الأرحام كفّ الأذى عنهم ، قال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام: «عظّموا كباركم ، وصلوا أرحامكم ، وليس تصلونهم بشيء أفضل من كفّ الأذى عنهم»[٥].

[١]تحف العقول : ١٨٣.[٢]نهج البلاغة : ٦٥ ، الخطبة : ٢٣ ، تحقيق صبحي الصالح.[٣]تحف العقول : ٤٠.[٤]بحار الأنوار ٧٤ : ٨٨.[٥]الكافي ٢ : ١٦٥.


صفحه 106

قطيعة الأرحام في الأحاديث الشريفة :

الإسلام دين التآزر والتعاون والوئام ، لذا حرّم جميع الممارسات التي تؤدي إلى التقاطع والتدابر ، لأنها تؤدي إلى تفكيك أواصر المجتمع ، وخلخلة صفوفه ، فحرّم قطيعة الرحم ، وجعلها موجبة لدخول النار والحرمان من الجنّة.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «ثلاثة لا يدخلون الجنة : مدمن خمر ، ومدمن سحر ، وقاطع رحم»[١].

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «اثنان لا ينظر اللّه إليهما يوم القيامة : قاطع رحم ، وجار السوء»[٢].

وقطيعة الرحم موجبة للحرمان من البركات الالهية ، كنزول الملائكة وقبول الأعمال.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إنّ الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم»[٣].

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إنّ أعمال بني آدم تعرض كلّ عشية خميس ليلة الجمعة ، فلا يقبل عمل قاطع رحم»[٤].

وقطيعة الرحم من الذنوب التي تعجّل الفناء ، قال الإمام الصادقعليه‌السلام:

[١]الخصال ١ : ١٧٩ / ٢٤٣.[١]كنز العمال ٣ : ٣٦٧ / ٦٩٧٥.[٢]كنز العمال ٣ : ٣٦٧ / ٦٩٧٤.[٣]كنز العمال ٣ : ٣٧٠ / ٦٩٩١.[٤]بحار الأنوار ٧٤ : ٩٤.


صفحه 107

«الذنوب التي تعجل الفناء قطيعة الرحم»[١].

وكان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلميتخوف على المسلمين من قطيعتهم لأرحامهم ، وكان يقول : «إنّي أخاف عليكم استخفافا بالدين ، ومنع الحكم ، وقطيعة الرحم ، وأن تتّخذوا القرآن مزامير ، تقدّمون أحدكم وليس بأفضلكم في الدين»[٢].

ومقابلة القطيعة بالقطيعة ظاهرة سلبية في العلاقات ، وهي موجبة لعدم رضا اللّه تعالى عن الجميع ، ففي رواية أنّ رجلاً أتى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمفقال : (يا رسول اللّه ، أهل بيتي أبوا إلاّ توثّبا عليَّ وقطيعة لي وشتيمة ، فأرفضهم؟) قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إذن يرفضكم اللّه جميعا» قال : كيف أصنع؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمَّن ظلمك ، فانك إذا فعلت ذلك ، كان لك من اللّه عليهم ظهير»[٣].

الآثار الروحية والمادية لصلة الأرحام وقطيعتها :

لصلة الارحام آثار ايجابية في الحياة الإنسانية بجميع مقوماتها الروحية والخلقية والمادية ، قال الإمام محمد الباقرعليه‌السلام: «صلة الارحام تزكي الأعمال ، وتنمي الأموال ، وتدفع البلوى ، وتيسّر الحساب ، وتنس ء في الأجل»[٤].

وقال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام: «صلة الأرحام تُحسن الخلق ، وتسمّح

[١]عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق ٢ : ٤٢.[٢]الكافي ٢ : ١٥٠.[٣]الكافي ٢ : ١٥٠.[٤]الكافي ٢ : ١٥١.


صفحه 108

الكف ، وتطيب النفس ، وتزيد في الرزق ، وتنس ء في الأجل»[١].

وصلة الرحم تزيد في العمر ، وقد دلّت الروايات على ذلك ، وأثبتت التجارب الاجتماعية ذلك من خلال دراسة الواقع ، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلامأنّه قال : «ما تعلم شيئا يزيد في العمر إلاّ صلة الرحم ، حتى أن الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولاً للرحم فيزيده اللّه في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثا وثلاثين سنة ، ويكون أجله ثلاثا وثلاثين سنة ، فيكون قاطعا للرحم فينقصه اللّه ثلاثين سنة ويجعل أجله إلى ثلاث سنين»[٢].

والواصل لأرحامه يكون محل احترام وتقدير من قبلهم ومن قبل المجتمع ، وهو أقدر من غيره على التعايش مع سائر الناس ، لقدرته على إقامة العلاقات الحسنة ، ويمكنه أن يؤدي دوره الاجتماعي على أحسن وجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأداء مسؤوليته في البناء المدني والحضاري باعتباره عنصر مرغوب فيه ، وبعكسه القاطع لرحمه ،

فإنّه يفقد تأثيره في المجتمع ، لعدم الوثوق بنواياه وممارساته العملية.

ثانيا : حقوق الجيران

لرابطة الجوار دور كبير في حركة المجتمع التكاملية ، فهي تأتي في المرتبة الثانية من بعد رابطة الأرحام ، إذ للجوار تأثير متبادل على سير الاُسرة ، فهو المحيط الاجتماعي المصغّر الذي تعيش فيه الاُسرة

[١]الكافي ٢ : ١٥١.[٢]الكافي ٢ : ١٥٢ ـ ١٥٣.


صفحه 109

وتنعكس عليها مظاهره وممارساته التربوية والسلوكية ، ولهذا نجد أنّ المنهج الاسلامي أبدى فيه عناية خاصة ، فقد قرن القرآن الكريم عبادة اللّه تعالى والاحسان إلى الوالدين والارحام بالاحسان إلى الجار كما في قوله تعالى : «واعبدُوا اللّه ولا تُشرِكُوا بهِ شَيئا وبالوالِدَينِ إحسانا وبذي القُربى واليتَامى والمَساكينِ والجارِ ذي القُربى والجارِ الجُنُبِ والصّاحبِ بالجَنبِ»[١].

فقد رسم القرآن الكريم منهجا موضوعيا في العلاقات الاجتماعية يجمعه الاحسان إلى أفراد المجتمع وخصوصا المرتبطين برابطة الجوار.

وحق الجوار لا ينظر فيه إلى الانتماء العقائدي والمذهبي ، بل هو شامل لمطلق الانسان مسلما كان أم غير مسلم ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «الجيران ثلاثة : فمنهم من له ثلاثة حقوق : حق الجوار ، وحق الإسلام ، وحق القرابة ، ومنهم من له حقّان : حق الإسلام ، وحق الجوار ، ومنهم من له حق واحد : الكافر له حق الجوار»[٢].

الوصايا الشريفة :

أوصى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموأهل بيته بمراعاة حق الجوار ، والسعي إلى تحقيقه في الواقع ، وركز على ذلك باعتباره من وصايا اللّه تعالى له ، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «مازال جبرئيلعليه‌السلاميوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورثه»[٣].

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام: «واللّه اللّه في جيرانكم ، فإنّهم وصية نبيكم ،

[١]سورة النساء : ٤ / ٣٦.[٢]جامع السعادات / النراقي ٢ : ٢٦٧.[٣]بحار الانوار ٧٤ : ٩٤.